












فجأة وجدوا أنفسهم في العراء، صارت بيوتهم بلا سقف، غرفهم الشوارع المفتوحة على الليل والويل، فجأة صاروا نازحون على ما يقدر الله، صاروا بلا أرض بلا سرير بلا سقف بلا أمان، ولوهلة ظنوا أنهم صاروا أيضًا بلا وطن. ما هو الوطن؟ أليس الأمان والاستقرار والكرامة والعزة الانسانية التي يحضنها بيت وأرض واطمئنان؟
فجأة وجدوا أنفسهم بلا كل ذلك تنهمر فوق رؤوسهم أطنان المتفجرات من الاتجاهات كلها، بالكاد حملوا أجسادهم وأولادهم وكبارهم، وهرعوا يبحثون في أرجاء الوطن عن مكان آمن يستر تشردهم، صار أبناء البلد، أبناء الجنوب وبعض قرى بعلبك الهرمل والضاحية الجنوبية لبيروت تحديدًا، نازحين لبنانيين في قلب بلدهم، لا حول لهم ولا قوة الا باللبنانيين الآخرين في باقي المناطق الآمنة.
هي الحرب الملعونة العبثية التي تحول اللبنانيين من جديد الى أرقام مشردة موزعة في الثانويات والمدارس الرسمية والفنادق والبيوت، ومنهم من افترش أرصفة بيروت عند المنارة والروشة وفي حدائق ساحة الشهداء والجوار، هربًا من هول الجحيم المنهمر فوق رؤوسهم في الضاحية، بينما توزع الجنوبيون على باقي المناطق في المتن وكسروان وجبيل والبقاع الشمالي وسواها من المناطق التي لا يطالها جحيم القصف بين الإسرائيليين و”الحزب” في حرب ما يسمى بـ”نصرة غزة”.
كم عددهم؟ يقولون إنه تجاوز المليون و300 ألف نازح لبناني في أقل من شهر، خصوصًا من الجنوب والضاحية. أين هم، كيف توزعوا؟ من يعتني بهم، من يأويهم، من يستر تشردهم؟
“الحفاظ على إنسانيتنا، خيار يترجم قضية وطن نريده على مستوى الإنسان” يقول النائب انطوان حبشي الذي يرعى قضية النازحين في منطقة البقاع الشمالي، وخصوصًا في بلدة دير الأحمر والجوار التي تغص بنحو 12 ألف نازح.
“لدينا في المنازل نحو 6000 نازح وقد يزيد ليصل الى 9000 مع الدير وجوارها وصولًا الى بعبلك ومحيطها. إضافة الى نحو 2500 في ست مدارس موزعة بين دير الأحمر وبرقا وبشوات وشليفا. حتى الآن تمكنا من تأمين احتياجات الاإواء لكن الوضع يزداد صعوبة مع تزايد عدد النازحين” يقول رئيس اتحاد بلديات دير الاحمر جان فخري.
طنطنت أخبار منطقة دير الأحمر المعروفة بانتمائها السياسي القواتي، بأنها استقبلت عددًا كبيرًا من النازحين الذين توزعوا بين المدارس والثانويات والأديرة والبيوت، ونالوا أفضل معاملة تليق بإنسانيتهم كأبناء وطن، شرّدتهم الحرب العبثية، فاحتاجوا الى شركاء الوطن ليتكاتفوا معهم وليكونوا لهم السند في وقت الضيق. لا يعرف أهل المنطقة منطق التفرقة بالدين ولا بالسياسة، هوية النازحين صارت المعاناة، وليس شيعة من بيئة “الحزب”، بل لبنانيون يعانون، وكما يحصل في دير الأحمر كذلك في غالبية المناطق اللبنانية، التي تُعتبر مناهضة لبيئة “الحزب”، ولكنها اعتنقت هوية الانسانية لنكون في المحن كلنا لبنانيون.
“في بداية أزمة النزوح كان في حس جماعي كبير لاحتضان هؤلاء، وكل الفاعليات تدخلت لتأمين الاحتياجات الضرورية لهم، عبر لجنة طوارئ تألفت سريعًا وتضم مطرانية بعلبك ـ دير الأحمر المارونية، مكتب النائب انطوان حبشي، منسقية البقاع الشمالي في “القوات اللبنانية”، اتحاد بلديات الدير والجمعيات الموجودة، مؤسسة كاريتاس، لنتمكن من تلبية الأعداد الأولية والتي تزايدت، لنصل الى هذا الرقم. تعثرنا في البداية ولكن بدأنا العمل مع منظمة “العمل ضد الجوع” إضافة الى الصليب الأحمر وهيئة إدارة الكوارث في محافظة بعلبك الهرمل، وبدأت تصل المساعدات تباعًا، وانتظمت الأمور نسبيًا، الآن نحاول المستحيل للمساعدة ولكن الأمور صعبة وتحتاج مراقبة ومتابعة دقيقتين في الاتجاهات كافة، الصحية والاجتماعية والمادية” يقول فخري.
لم تقف منطقة دير الأحمر وجوارها عند منطق الانتماء السياسي لتقرر مدّ العون أم لا، فهناك منطق الإنسان وحده الذي يطغى على مشهد النزوح الدامي، “تعرفين منطقة الدير وتوجهاتها السياسية كقوات لبنانية لكنها ملتزمة أيضًا بالموضوع الإنساني والاجتماعي، نحن لا ننسى تقاليدنا وأعرافنا، فعندما يتعرض جيراننا للعدوان نحن لهم السند، هذه وصية أجدادنا وأهلنا والنكبة تمر على الجميع والموضوع الاجتماعي تجاوز الموضوع السياسي” يقول فخري، الذي استعان بالجيش اللبناني والأجهزة الأمنية كافة لتأمين الحماية للنازحين من جهة، ولضمان عدم تسلل مسلحين الى مراكز الإيواء وبالتالي تعريضهم لخطر القصف. لكن الى متى يمكن لأهل المنطقة الاستمرار بتمويل تلك المراكز؟ “صراحة بدأنا نستنفد كل مقدراتنا ومؤونتنا في البيوت التي وضعت كل ما لديها بخدمة النازحين، ونتكل الآن على الجهات المانحة، نعاني الشحّ صراحة لنلبّي البيوت كافة، وقدراتنا الاستيعابية أصبحت ضئيلة جدًا، لذلك نناشد التدخل من الدولة والجهات المانحة كي لا نقع في مشاكل أخرى، وما بالك إذا أتى الشتاء، نحتاج الى المزيد من الأشخاص ضمن فريق العمل وتنتظرنا تحديات كبيرة خصوصًا موضوع النظافة والاستشفاء، ولا قدرة لنا على مواجهتها بمقدراتنا المتواضعة” يقول فخري الذي يبدي قلقًا كبيرًا من المجهول الآتي على مراكز الإيواء كافة.
ليست دير الأحمر وحدها من تكتب سطور إنسانيتها في تاريخ البلد المأزوم، غالبية المناطق اللبنانية تفعل المستحيل لتساند النازحين.
وكما دائمًا تتصدر كاريتاس لبنان قائمة تلك المنظمات في عملها الانساني الإغاثي، إذ “وكما حصل في تفجير المرفأ العام 2020، دخلت كاريتاس في حال الطوارئ، لمساندة النازحين وبدأت التحرك على أكثر من مستوى وفي الاتجاهات كافة لتتمكن من دعم أكبر نسبة من بينهم، وذلك من خلال استراتيجية متكاملة شاملة تستجيب لحالات الطوارئ، كما ننسق مع المؤسسات المحلية والدولية ونعتمد على شبكة المتطوعين والإداريين في المناطق كافة لتوفير الدعم الإنساني وتلبية احتياجات النازحين بأكبر قدر ممكن” يقول الأب ميشال عبود رئيس رابطة كاريتاس لبنان.
تقدم كاريتاس المواد الغذائية الساخنة والمعلبة، ومياه الشرب، وخدمات الرعاية الطبية الأولية، إضافة الى بعض النشاطات الترفيهية للأطفال، ووضعت بخدمة النازحين خطًا ساخنًا ليكونوا على اتصال مباشر بكاريتاس. الضغط كبير والاحتياجات كما دائمًا تفوق قدرة المؤسسة، ولكنها تعتمد على التواصل مع الجهات المانحة لتحافظ على الكرامة الانسانية لهؤلاء النازحين الى حين عودتهم الى بيوتهم. “نعتمد على العناية الالهية التي ترافق مسيرتنا ورسالتنا ونتعاون مع الجميع لنساعد بأكبر قدر ممكن” يقول الأب عبود.
هي اذن حكاية صمود إنساني تتجاوز الطائفة والبيئة الحاضنة، ليصبح لبنان كما هو بالأساس وكما وصفه القديس يوحنا بولس الثاني، وطن الرسالة، ولا رسالة تفوق الإنسانية عندما يصبح الإنسان في لبنان مشروع عبث بالحياة والكرامة وبالإنسانية، خدمة لأجندات الغرباء والمحتلين.
