
لا يُمكن أن تمر ذكرى رحيل الفنان الكبير وديع الصافي من دون التأمل بسيرته الطويلة التي تميّزت بالإبداع، لذلك تنحني الدائرة الثقافية في جهاز الإعلام والتواصل في “القوات اللبنانية” اليوم إجلالًا أمام العطاءات الفنيّة للصافي الذي أغنى المكتبة الفنية بمئات الأغاني والأعمال التي لا تُنسى.
ونعود إلى البداية: ولد وديع فرنسيس المعروف بوديع الصافي في 1 تشرين الثاني 1921 في قرية نيحا الشوف وهو الابن الثاني في ترتيب العائلة المكونة من ثمانية أولاد. كان والده بشارة يوسف جبرائيل فرنسيس، رقيب في الدرك اللبناني.
عام 1938 انتقلت عائلة فرنسيس الى بيروت وهناك لعبت الصدفة دورها، عندما دخل على وديع شقيقه توفيق يحمل قصاصة ورق عن اعلان لمسابقة غنائية تنظمها اذاعة لبنان الرسمية والمعروفة حينذاك باذاعة الشرق الادنى.
شارك وديع في المسابقة ونال الجائزة الاولى في الغناء من بين اربعين متباريًا ولشدة اعجاب لجنة التحكيم بصوته، طلبت منه الانتساب رسميًا الى الاذاعة واطلقت عليه اسم وديع الصافي بدل وديع فرنسيس. استطاع الصافي وفي فترة قصيرة ابراز موهبته على افضل وجه، وانهالت بعدها الاتصالات والرسائل على الاذاعة تسأل من هو صاحب هذا الصوت الشجي؟.
قال عنه الموسيقار محمد عبد الوهاب عندما سمعه يغني أوائل الخمسينيات “ولو” المأخوذة من أحد افلامه السينمائية، وكان وديع يومها في ريعان الشباب: “من غير المعقول أن يملك أحد هكذا صوت”.
فشكّلت هذه الأغنية علامة فارقة في مشواره الفني وتربّع من خلالها على عرش الغناء العربي، فلُقّب بصاحب الحنجرة الذهبية، وقيل عنه في مصر أنّه مبتكر “المدرسة الصافية” (نسبة إلى وديع الصافي) في الأغنية الشرقية.
عام 1952، تزوج من ملفينا طانيوس فرنسيس، إحدى قريباته، فرزق دنيا ومرلين وفادي وأنطوان وجورج وميلاد.
في أواخر الخمسينيات بدأ العمل المشترك بين العديد من الموسيقيين من أجل نهضة للأغنية اللبنانية انطلاقًا من أصولها الفولكلورية، من خلال مهرجانات بعلبك التي جمعت الصافي، وفيلمون وهبي، والأخوين رحباني وزكي ناصيف، ووليد غلمية، وعفيف رضوان، وتوفيق الباشا، وسامي الصيداوي، وغيرهم.
من أهم أغانيه: “عندك بحرية”، “الليل يا ليلاه”، “الله يرضى عليك”، “عاليادي اليادي”، “لبنان يا قطعة سما”، “يا عيون بابا”، “يا ويل حالي” وغيرها من الأغاني الناجحة.
برز الصافي في عصر الأصوات الجميلة الرائعة، وكان صوته الأجمل والأروع. فهو تميّز بعصر من الصعب أن يتميز فيه إنسان. حتى كبار الفنانين والمطربين العرب في عهده أشادوا بصوته النادر فقال أحدهم:”في وجودك من الأفضل أن نبيع الترمس نحن”. بإختصار هو واحد من أهم المطربين الذين غنّوا بكل راحة بقرار القرار، وبكل راحة بجواب الجواب ومساحة صوته كانت أكثر من أكتاف ونصف زيادة عن أي مطرب عادي معروف.
توفي وديع فرنسيس وبقي وديع الصافي الذي لا يموت، وذلك بعد أن غيّبه الموت في 11 تشرين الأول 2013 عن عمر ناهز 92 عامًا، تاركا وراءه إرثًا وطنيًا في الفن اللبناني الأصيل.
اما بالنسبة إلى الدائرة الثقافية في “القوات”، فوديع الصافي يرمز إلى لبنان، بجباله وأرزه بشموخه وعنفوانه.
