#dfp #adsense

“أبيض أحمر”.. كان لا بد من نفض الغبار عنها

حجم الخط

أوراق الحرب… لطالما تمنينا أن نطويها إلى الأبد. أن تصبح مجرد أوراق في كتب يقرأها جيل ما بعد الحرب الأهلية ويتعلّم منها دروسًا. لكنها بقيت مشرّعة على فصول ستُكتب أيضًا بالأبيض والأحمر لكن في ما يسمّى بزمن السلم.

ثمة من سيقول: “لماذا تعيدون فتحها اليوم؟ ولماذا تعودون إلى تلك الأيام التي دمّرت البشر والحجر وهجّرت الآلاف وسقط فيها مئات الآلاف من الأبطال الذين حملوا البندقية والرشاش دفاعًا عن الوجود وكرامة الإنسان، عدا عن المعتقلين والمعوقين؟”.

صحيح أننا في كل 13 نيسان نقول “تنذكر وما تنعاد”، لكن من قال إن الحروب تُخاض فقط بالمدفع والرشاش والراجمات واليوم بالمسيّرات؟ ثمة حروب أكبر وأشد خطرًا على الوجود، وكما وقف الأبطال على الجبهات لمواجهة كل من يجرؤ على اقتلاع اللبنان من جذوره وتاريخه وهويته وثقافته سنحارب لكن بسلاح الكلمة والإرادة والصمود والموقف!

نفتحها لنقول إلى كل من تَربّى ويُربي جيلاً على ثقافة الحرب ويهيئ لحروب تحت شعار “المساندة” حينًا، والدفاع عن أرض الآخرين حينًا آخر، وإسناد جبهات لا ناقة للبنانيين فيها ولا جمل… اتعظوا!

نفتحها ليس بهدف إعادة إحياء أحقاد وحفر أثلام الكراهية ورفع السواتر النفسية بين اللبنانيين. نفتحها لتكون عبرة لجيل جديد لم يتعرّف إلى حقيقة تاريخه وماذا فعل المحتل بأرضه وشعبه وماذا خلّف وراءه من أوراق كُتِبت بدماء الشهداء.

نفتحها إكراما وتقديرًا لشعب يعشق الحياة ويؤمن بوجوده وهويته اللبنانية التي نسجها نساك قنوبين وباركها القديسون، أن الأوطان لا تُبنى بالتسويات ولا تُحكم بقوة السلاح والاستيلاء على الدولة القانون والمؤسسات.

نعم نقولها بالفم الملآن: لا للحرب إلا دفاعًا عن أرض وهوية وكرامة شعب يستحق العيش في وطن وجمهورية قوية. والتاريخ يشهد على قوافل الشهداء التي لا تزال تستقبل أبطالاً استشهدوا في زمن السلم على أيدي مجرمين وحاقدين ومستظلين بهيبة السلاح.

إنها أوراق الحرب… نعود إلى صفحاتها مع شهادات دوّنها الإعلامي والمسعف السابق رائد جرجس في كتاب بعنوان “أبيض أحمر” صادر عن دار سائر المشرق يروي فيه فصولا من محطات عاشها مسعفون في الصليب الأحمر اللبناني خلال المعارك وفي سطورها سيتعرف الكثير من الجرحى من خلال الأحرف الأولى لأسمائهم على “الملاك الأبيض” الذي أنقذ حياتهم، وسيقرأ أهالي شهداء كثر تفاصيل اللحظات الأخيرة لأولادهم قبل أن ينتقلوا إلى أحضان يسوع.

ومع هذه الروايات المكتوبة بالأبيض والأحمر نستذكر محطات فكّرنا أننا طويناها إلى الأبد لكن كان لا بد من إعادة نفض الغبار عنها.

بالأبيض والأحمر الذي جمعه جرجس في كتاب اختصر فيه عمل الصليب الأحمر وتضحيات المسعفين بأربع كلمات “إلى ما وراء الواجب”، تنشر “المسيرة” في كل عدد فصولا تحاكي جيل الحرب وما بعده..

 

بداية حرب التحرير: مأساة الأونيسكو

دخل سركيس الى المبنى وبدأ يصرخ: ما مِتِتْ… ما مِتِتْ!!

 

بدأت حرب التحرير في 14 آذار سنة 1989 بعد أن أعلن العماد ميشال عون قائد الجيش ورئيس الحكومة الانتقالية (1) حينها الحرب على جيش الاحتلال السوري في لبنان. كانت هذه الحرب بمجملها تراشقاً مدفعيًا بين الجيش اللبناني و”القوات اللبنانية” من جهة، والجيش السوري وحلفائه من جهة ثانية، وتوقفت خلال شهر أيلول بعد تطبيق هدنة غير رسمية. لكن حدة القصف كانت تتصاعد وتتراجع حسب الأوضاع الميدانية والسياسية، خصوصًا في الأشهر الخمسة الأولى بين آذار وآب من تلك السنة. أسفرت هذه المرحلة من الحرب في لبنان عن مقتل حوالى ألف إنسان وجرح عشرين ألفا (2).

يتذكّر المسعفون بداية حرب التحرير يوم الثلاثاء 14 آذار سنة 1989 التي فاجأتهم مثل كثيرين من اللبنانيين. كان بعضهم في جامعاتهم أو في بيوتهم أو في أشغالهم، هبّوا للالتحاق بمراكزهم أو للمساعدة على الأرض مباشرة حيث سقطت أولى القذائف، واستمرّوا على مدى خمسة أشهر تقريبًا. يروي كلّ من ماهر زريق ومتري حداد وغالب سلیم وزیاد ناصيف تفاصيل يوم القصف المباغت، وكيف انخرطوا في عملية إنقاذ ونقل المصابين من الطرقات إلى المستشفيات والتي أصبحت ضمن يومياتهم طوال أشهر.

كان غالب سليم مداومًا في مركز سبيرز عشية انطلاق الحرب، ويذكر أن الليلة كانت عادية مع بعض المهام والحالات الطارئة، وتخللها الروتين اليومي كتحضير معدّات واجتماع الفرقة المداومة وغيرها من الأمور. يقول سليم: “صباح 14 آذار بقينا في المركز أنا وثلاثة مسعفين بعد مغادرة الآخرين إلى أعمالهم. تلقينا اتصالًا من غرفة العمليات المركزية يفيد بأن منطقة الأونيسكو تعرّضت للقصف وهنالك إصابات. المطلوب أن تتوجّه سيارة نحو الموقع. لم يكن أي منا خضع لدورة قيادة السيارات (3) ambulancier، فسمح رئيس الإقليم لمسعف بقيادة السيارة ومعه شخصان للقيام بالمهمة، وبقيت أنا على السمع في عمليات المركز. كان هناك العديد من الإصابات على الأرض. باشرت الاتصال بالمسعفين، كما أخذ عدد منهم يتصل بنا أو يتوافد إلى المركز عند سماعه الخبر. بدأت بعدها بتوزيع سيارات الإسعاف مع فرق المسعفين على المستشفيات حسب الخطة المرسومة سلفًا الأوضاع مماثلة لتفادي إصابتها في موقع واحد، ولكي لا تنحصر في المركز الواقع في منطقة تتعرض للقصف فلا نستطيع بالتالي التحرك.

توزعت السيارات على مستشفيات “الشرق الأوسط” – الرملة البيضا، و”البربير” و”الجامعة الأميركية” و”المقاصد”. ذهبت مع فريق الإسعاف الذي توجّه إلى مستشفى الشرق الأوسط وبدأنا بتلقي التوجيهات من العمليات (4). ويقول سليم إنه لم يعد إلى منزله إلا لأخذ ثيابه أول الحرب، فقد بقي في المركز طيلة فترة الحرب، فيما انتقل أهله إلى الجبل.

في هذه الأثناء، كان ماهر زريق متجهًا مشيًا إلى الجامعة حيث يتابع مرحلة التدرّج قبل الانتهاء من دراسته. ويروي تفاصيل ما حدث قائلاً: “تركت منزلي مقابل ثكنة الحلو في بيروت، وقبيل وصولي إلى مستديرة الأونيسكو رأيت القذائف تنهمر والدخان يتصاعد وأشخاصًا مصابين على الأرض. بدأت بالركض عائدًا نحو البيت، وأحسست بأنها المرة الأولى في حياتي التي أركض فيها بهذه السرعة. كنت أفكر أنه لا يوجد من سيهتم بي إذا أصبت، ولم أكن في سيارة الإسعاف. عندما وصلت إلى المبنى الذي أسكنه سقطت قذيفة أمام المدخل المقابل لثكنة الحلو وأصيب جندي من الجيش في رجليه. رأيت سيارة إسعاف للصليب الأحمر متجهة نحو المركز في سبيرز، فاستوقفتها وذهبت معهم. بقيت أشهرًا في المركز ولم أعد أذهب إلى البيت إلا لأخذ حاجياتي” (5).

ويتابع زريق ما شهده في هذا اليوم، فيقول إنه قام بالعديد من المهمات. وكان المسعفون يضعون ثلاثة أو أربعة جرحى في سيارة الإسعاف وينطلقون نحو المستشفيات التي كان الضغط عليها بدأ يرتفع مع عدد الإصابات التي نقلها الصليب الأحمر وجمعيات أخرى. أسعفتُ في مهمتي الأولى سيدة كانت إصابتها بليغة في الرأس وهي فاقدة الوعي، وكنت أجلس بالقرب منها في المقصورة الخلفية للسيارة. أخبرونا أن هذه السيدة أقلّت أولادها إلى المدرسة وكانت في طريق العودة إلى المنزل وأصيبت بالقصف المفاجئ. أمسكت بيد السيدة المصابة، كما تعلّمنا في التمارين عند الاعتناء بالمريض، وتأثرت جدًا إلى حد البكاء. بدأت أفكر كيف سيكون وضع أولادها ومصيرهم في حال لم تنجُ ولم تعد إلى المنزل. اضطررنا إلى نقل الأم المصابة إلى صيدا بسبب الضغط على مستشفيات بيروت. لم أعرف ماذا حل بهذه السيدة بسبب القصف اليومي والمهمات التي انغمسنا فيها على مدى أشهر حتى أيلول 1989 (6).

توجّه سامي بيتموني أيضًا إلى مكان سقوط القذائف ويتذكّر الوضع قائلاً: “توجّهت كمدني من البيت إلى منطقة الأونيسكو ورأيت سيارات تحترق وجثثاً على الأرض وجرحى، بحيث يضيع تفكيرك ولا تعرف ما الواجب فعله. حاولت المساعدة، ولكن القصف كان مستمرًا. بدأت تصل بعد ذلك سيارات الصليب الأحمر وأخرى لجمعيات مدنية… وبدأنا بإسعاف الجرحى ونقلهم (7).

زیاد ناصيف كان مع عدد من المسعفين في بيت طلبة الجامعة الأميركية في بيروت. ويقول عن ذلك اليوم: “كان مستشفى الجامعة الأميركية يعاني من نقص في عدد الممرضين والممرضات أحيانًا فيطلبون مساعدتنا، وهذا ما حصل صباح 14 آذار. قالوا لنا إن علينا التوجّه إلى المستشفى بسبب القصف، فركضت وزميل لي كان في كلية الطب في السنة السابعة. توجّهت إلى قسم الطوارئ وبدأت المساعدة هناك. بقيت في المستشفى ورحت أساعد الأطباء في عملية تصنيف المصابين trillage، وأذكر وصول مصابين من منطقة الأونيسكو. كان هناك مصابون على الأرض وجثث أيضًا… وبعد فترة من الهدوء تعرض المستشفى إلى القصف وكنا لا نزال موجودين. كان نهارًا دمويًا جدًا (8).

عُيِّن المدير الأسبق لفرق الإسعاف إيلي غانم في 14 آذار سنة 1989، أي في اليوم الذي بدأت فيه هذه الحرب. لم يستطع غانم الوصول إلى مقر إدارة الصليب الأحمر في سبيرز لكي يستلم التعيين من الرئيسة ألكسندرا عيسى الخوري. كانت القذائف تنهمر في أرجاء مختلفة من بيروت، وقد أصيب مكتب غانم مباشرة في مقر إدارة الإسعاف في بعبدا، ولم يستخدمه ليوم واحد طيلة أيام الحرب. أمضى غانم طيلة فترة الحربين (التحرير والإلغاء) يتنقل بين المقر الرئيسي في سبيرز وغرفة العمليات في التباريس ومركزَي جل الديب وجونيه لإدارة العمليات اليومية (9).

 

إنفجار خزانات الدورة

مع اشتداد القصف وتوسّعه ليطال بيروت ومحيطها، لم تسلم المنشآت الحيوية وكان أولها خزانات الوقود في الدورة. أصيبت هذه الخزانات يوم الأربعاء 29 آذار 1989 واشتعلت النيران فيها. قبل الانفجار الكبير في اليوم التالي أي الخميس 30 آذار، نظّم الصليب الأحمر اللبناني، وبالتعاون مع الجيش اللبناني، عملية إخلاء المنطقة المحيطة يوم إصابة الخزانات وعلى قطر يبلغ حوالي كيلومترين.

يقول زياد سعادة الذي عمل على الإخلاء: “كنا نعرف أن الخزانات ستنفجر قبل 24 ساعة تقريبًا. كانوا يقومون بتبريدها بسبب الحرارة المرتفعة من جراء اشتعال النيران. طُلب مني العمل على إخلاء المنطقة بأكملها. كان أمامي أقل من 12 ساعة لإخلاء مستشفيات مار يوسف والكرنتينا والمستوصفات القريبة، وكان يجب أخذ الاحتياطات اللازمة في المستشفيات القريبة من إطار الانفجار مثل مستشفيي هارون والأرز. بالإضافة إلى ذلك، بقي الجزء الأصعب من المهمة وهو إخلاء الآلاف من المنازل السكنية في منطقة مكتظة جدًا من محيط الخزانات وصولاً إلى منطقتي النبعة وبرج حمود. قمنا بعمل جبّار في ذلك اليوم، فكنا نتنقل من بيت إلى آخر ونخلي كبار السن. استقدمنا لتنفيذ العملية سيارات الإسعاف وفانات وبوسطات، وحتى سيارات مدنية للذين يستطيعون التنقل بشكل طبيعي. تعاونا في هذه العملية مع مراكز أنطلياس والأشرفية وبيت مري وقرنة شهوان. نقلنا المرضى من المستشفيات القريبة من منطقة الانفجار إلى مستشفيات أو أماكن أبعد مثل بحنس وضهر الباشق وجل الديب أو إلى مأوى السيدة وغيرها من الأماكن التي مكثوا فيها لفترة قصيرة. كما قمنا كذلك بإخلاء سكان المنطقة إلى بيوتهم في مناطق أخرى أو إلى منازل أقارب أو أصدقاء، لكننا واجهنا مشكلة في بعض الأحيان مع من كانوا يرفضون مغادرة منازلهم لعدم اقتناعهم بضرورة الإخلاء” (10).

ويتذكّر وديع عبد النور تفاصيل تنظيم الإخلاء وهو من الذين تولّوا عملية التنسيق لإتمام المهمة فيقول: “بالإضافة إلى مهمة تنسيق إخلاء وتوزيع المرضى على المستشفيات، كان يتوجّب علينا التأكد ما إذا كان هناك أي شخص في محيط الخزانات، وخصوصا في مباني الشركات التي لديها نواطير حراسة. تأكدنا كذلك من عدم وجود أي من المدنيين في بيوتهم في تلك المنطقة المحددة. تابعت كذلك مع جوزف شماعي مهمة إخراج الصهاريج نحو نهر الموت وهو كان لديه خبرة من ناحية كيفية عمل وتحرّك الصهاريج (11). ويقول عبد النور إنه بعد الانتهاء من عملية الإخلاء التي دامت ساعات، والتأكد من خروج الجميع، دوّى الانفجار الهائل، وكانت الساعة قد قاربت التاسعة صباحًا.

شارك إيلي باسيل major (12) أيضًا في عملية إخلاء مستشفى مار يوسف في الدورة مع مجموعة من المسعفين من مركز قرنة شهوان ومراكز أخرى من إقليم جبل لبنان الشمالي. يقول باسيل: “استمرينا في المهمة نحو خمس أو ست ساعات إبتداءً من الصباح الباكر. قمنا بالعديد من الإخلاءات باتجاه مستشفيات الأرز وهارون والأشرفية البعيدة عن الخطر المحتمل لعدم معرفة مدى تأثير قوة الانفجار. أذكر جيدًا أنني كنت في آخر سيارة تغادر المستشفى ومعي مريضة intubée وغائبة عن الوعي توجّهنا بها إلى مستشفى بحنس. قبل أن نغادر كان جورج كتانة يبلّغني عبر الجهاز أنه لم يعد هناك متسع من الوقت وعلينا الإسراع في المهمة. كنت أسمع صوت صفير قوي جدًا من الخزانات، لدرجة أننا كنا نتكلم بصوتٍ عالٍ لكي نتمكّن من سماع بعضنا البعض. كان الوضع مرعبًا. أعترف أنني قدت سيارة الإسعاف بطريقة جنونية على الأوتوستراد للابتعاد قدر المستطاع عن الخزانات. كنت أقول في نفسي: خليني إمشي بعد كم مية متر لقدام وانشالله ما يفقع. عندما وصلت إلى منطقة الزلقا مقابل محلات la cigale انفجر الخزان. فقدتُ السيطرة على السيارة لثوان. أحسستُ أن السيارة ارتفعت عن الأرض والمقود يتحرّك في فراغ وارتجّت السيارة على الأرض عدة مرات. سألنا بعضنا البعض إذا أصيب أحدنا، وتفقدنا المريضة وأجهزة التنفس، فكان كل شيء على ما يرام. لم نتوقف بعد الانفجار وتابعنا طريقنا إلى بحنس. كان قلبي ينبض بسرعة من الخوف، ولم أتخيّل كيف زمطنا. رأيتُ الغبار بشكل غيوم فوق موقع الانفجار وأخذتُ أتساءل إذا كان هناك إصابات من الذين لم يتمكنوا من المغادرة. أحسست أنني وصلت إلى بحنس في غضون خمس دقائق. كنتُ مرتبكاً وخائفًا جدًا”. ويضيف باسيل أنه تأكد من إدارة المستشفى أن أحدًا لم يُصب من الجهاز الطبي لأنهم كانوا غادروا قبل لحظات من الانفجار مباشرة بعد سيارات الإسعاف (13).

كان زياد سعادة في مركز جل الديب حينها ويخبر عن وقع الانفجار من ناحيتهم فيقول: “في صباح اليوم التالي (من بدء عملية الإخلاء) كنا في جل الديب والمنطقة خالية تمامًا. خرجت نحو السيارة أنا وصونيا سمرا sigma وجوزف عون aarraf للقيام في جولة تفقدية، وفي هذه الأثناء، دوّى الانفجار الهائل. أحسست بضغط الانفجار وبأن جسمي انفسخ. رأيت كتلة النار تتكوّن بشكل فطر في السماء. كان شيئًا مخيفًا. أكملنا مهمتنا وتوجّهنا إلى مكان الانفجار. بالرغم من عملية الإخلاء، وجدنا أناسًا في محيط الانفجار وإصابات. طلبت سيارات إضافية من مراكز جل الديب وأنطلياس وبيروت” (14).

لا يمكن أن ينسى جوزف عون قوة الانفجار. فهو كاد أن ينكسر حنكه من قوة الضغط على حد تعبيره. ويضيف عون: “بقينا 30 ثانية تقريبًا لا ندري ما حدث… كنا أول الواصلين إلى المكان ونقلنا شخصًا أصيب كان واقفاً إلى جانب الطريق. أظنه كان ناطورًا في إحدى الشركات. نقلناه أنا وصونيا سمرا، وكان على الأرجح الضحية الوحيدة للانفجار” (15).

نعيم عون (شقيق جوزف) كان من الذين توجّهوا إلى مكان الانفجار ويصف المشهد المروع قائلا: “في اليوم التالي كان المنظر مخيفاً أجزاء حديدية سميكة تزن أطناناً تطايرت في الهواء وارتطمت بالمنازل والأبنية” (16).

 

الفصل الثاني

مسعفو جل الديب ينجون من كارثة

مع تكثف القصف في أول أسابيع حرب التحرير، انتقل مسعفو مركز جل الديب إلى موقع جديد أكثر أمانًا وفيه مكان للسكن تحت الأرض ومرآب سيارات خلف المبنى يتسع لثلاثين أو أربعين سيارة. كان الموقع الأساسي لمركز جل الديب فوق مطعم الهاشم حيث توجد قوارير غاز من الحجم الكبير تشكل خطرًا في حال إصابة المبنى، وكان المسعفون يداومون في المركز طيلة اليوم (17).

بعد انتقالهم إلى المقر الجديد اعتاد المسعفون أن يمضوا معظم أوقاتهم داخل المبنى بانتظار المهمات أو بعد عودتهم منها، ويخرجون أحيانًا لتنشق الهواء أو لأداء بعض التدريبات الإسعافية في المرآب أو للاستراحة بعد الظهر في معظم الأوقات. حصّن المسعفون مدخل المبنى بأكياس من الرمل أمام الدرج المؤدي إلى الطابق السفلي. في أحد أيام الحرب، سقطت قذيفتان في وسط المرآب حيث يتجمّع المسعفون عادة.

يقول نعيم عون: “كنت داخل المركز ولحسن الحظ لم يكن المسعفون في الخارج إلا يوسف نقولا abouna الذي كان محظوظاً لأن الجزء الخلفي من سيارة الإسعاف حماه. سقطت القذيفة يومها حيث نجلس عادة فتكسّرت السيارات وبما فيها سياراتنا وتمزقت أغراضنا بداخلها (18).

وديع عبد النور من المسعفين المحظوظين الذين كانوا في المركز أيضًا ولم يُصَبوا. يقول عبد النور: “كنا نجلس عادة على مدخل البناية وعندما يشتد القصف ننزل إلى الطابق الأول تحت الأرض. كانت منطقة ساحل المتن من الدورة إلى ضبيه تتعرض للقصف في ذاك اليوم أثناء وصول فريق من المسعفين العائدين من مهمة كنتُ أسجّل تفاصيلها في غرفة العمليات (19). أوقفوا السيارة في المرآب الخارجي وبعد دخولهم إلى الدرج سقطت القذيفة في المرآب، فتضرّر بعض السيارات فيه، ومن بينها سيارة الإسعاف التي استخدموها وسيارتي أيضًا. الحمد الله إنو ما حدا انصاب من الشباب.

بعد أقل من ساعتين على سقوط القذائف زار السفير البريطاني المركز لتفقد الأضرار واستقبله زياد سعادة. يقول سعادة: “أبلغني السفير أنهم سيقومون بمبادرة للمساعدة وأضاف: سنتصل بكم قريبًا. وبعد حوالى أسبوعين، توجّهنا أنا وجورج كتانة إلى منزل السفير بعد أن طلب لقاءنا. إنضمت إلى اللقاء زوجة السفير التي تهتم بالشؤون الإنسانية وأبلغنا أن الشعب البريطاني قرر المساهمة بمبلغ 34 ألف باوند (بريطاني) لمركز جل الديب. قلت للسفير إننا لا نقبل التبرّعات النقدية، ولكننا بحاجة إلى سيارة إسعاف، ولكن أتخيل أن المبلغ ليس كافيًا لشراء سيارة إسعاف جديدة، فمن الممكن أن تساهموا في تصليح السيارات المتضررة. قالت زوجة السفير: إنها المرة الأولى التي يطلب فيها أحد منا مساعدة عينية، فالجميع في لبنان بدون إستثناء يقولون لنا إنهم يريدون مساعدات نقدية، ورددت ما تسمعه دائمًا: We know what we want, bring us money and we buy what we need (20). ولهذا السبب قامت زوجة السفير بتأجيل المساعدة وأمّنت لنا بعد فترة سيارتين من نوع ديفندر defender (لاند روفر) (21).

بعد فترة من الحادثة الأولى، سقط صاروخان في المرآب نفسه ولم ينفجرا. سمع المسعفون صوت ارتطام قوي تبعه صوت غريب (شششش) تبيّن بعدها أنه صوت إحتراق الحشوات. كان فريق من المسعفين في سيارة إسعاف داخل المرآب يستعدون للإنطلاق في مهمة. يقول نعيم عون: “سقطت القذيفة الثانية خلف رامي سركيس denty على الإسفلت وأحدثت صوتاً قوياً ولو أنها لم تنفجر. دخل سركيس راكضًا إلى المبنى وبدأ يصرخ: «ما متت، ما متت»، وكأنه في كريزا. وأخبرنا بعد أن استجمع قواه أنه رأى حياته تمر في ذهنه خلال ثوان (22).

يتبع

من كتاب أبيض أحمر ـ للكاتب رائد جرجس

 

هوامش

1 ـ شهد لبنان إنقسامًا على المستوى الحكومي والعسكري في تلك الفترة، بحيث كانت ألوية ووحدات من الجيش اللبناني تأتمر بالعماد ميشال عون رئيس الحكومة الانتقالية حينها (في المنطقة “«الشرقية” عمليًا). وفي المقابل، كانت ألوية ووحدات أخرى تأتمر باللواء سامي الخطيب وبعده العماد إميل لحود الذي عيّنته حكومة الرئيس سليم الحص، بعد انتخاب الرئيس الياس الهراوي، قائدًا للجيش في الجهة الثانية، أي في المنطقة “الغربية” والمناطق الخاضعة لسلطة الجيش السوري.

2 ـ د. كمال ديب، عهود رئاسية أزمات وحقائق من شارل دباس إلى ميشال عون، بيروت، دار النهار للنشر، 2023، ص 733.

3 ـ لكي يكون المسعف مؤهلاً لقيادة سيارة الإسعاف، عليه أولاً أن يمضي سنة على الأقل كمسعف ويخضع بعدها إلى تمارين أساسية لقيادة سيارة الإسعاف ولتعلّم بعض قواعد الصيانة، وعليه أن ينجح في فحص يخوضه بإشراف لجنة المركز أو مسؤول السيارات.

4 ـ غالب سليم، المصدر نفسه.

5 ـ ماهر زريق، المصدر نفسه.

6 ـ المصدر نفسه.

7 ـ سامي بيتموني، المصدر نفسه.

8 ـ زياد ناصيف، المصدر نفسه.

9 ـ إيلي غانم، المصدر نفسه.

10 ـ زياد سعادة، المصدر نفسه.

11 ـ وديع عبد النور، المصدر نفسه.

12ـ تطوّع في فرق الإسعاف في الصليب الأحمر اللبناني فرع قرنة شهوان من سنة 1983 حتى سنة 1994. يعمل حاليًا مديرًا للمعدات في شركة لبنانية – عالمية.

13 ـ إيلي باسيل في مقابلة مع الكاتب بتاريخ 23 أيلول 2023.

14 ـ زياد سعادة، المصدر نفسه.

15 ـ جوزف عون، المصدر نفسه.

16 ـ نعيم عون، المصدر نفسه.

17 ـ جوزف عون، المصدر نفسه.

18 ـ نعيم عون، المصدر نفسه.

19 ـ عند انطلاق مهمة إسعافية يقوم المسعف المداوم في غرفة العمليات بكتابة ألقاب المسعفين المشاركين في المهمة ورقم سيارة الإسعاف ومعلومات عن طبيعة المهمة واسم المريض إذا توفّر والمكان ووجهة نقل المريض أو المصاب (إسم المستشفى أو المنزل، إلخ) مع التاريخ والتوقيت. عند انتهاء المهمة يصحّح أو يضيف المسعف بعض المعلومات، خصوصًا في مهمات حوادث السير أو القصف أو الإخلاء وغيرها، لعدم توفّر كافة المعلومات قبل الانطلاق ويسجّل توقيت عودة الفريق.

20 ـ وديع عبد النور، المصدر نفسه.

21 ـ “نحن نعرف ماذا نريد أعطونا المال ونحن نشتري ما نحتاجه”.

22 ـ زياد سعادة، المصدر نفسه.

 

كتبت “المسيرة” ـ العدد 1754​

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل