
لا توفّر صحافة الممانعة أيّ جهد لضرب المفهوم المسيحي للمقاومة الحقيقية. هذه المقاومة التي جسّدها الربّ بنفسه يوم دخل الهيكل وقلب طاولات الصيارفة مستخدمًا السوط؛ وكذلك يوم بسط يديه على الصليب مسامحًا صالبيه لأنهم لا يعرفون ما يفعلون. والأكثر من ذلك، ما دأب عليه هؤلاء في الآونة الأخيرة، إذ تجلّت آخر إبداعاتهم باستحضار محنّطات فكرية من التاريخ المسيحي المنبوذ نفسه، في محاولة منهم لتشويه الصورة المسيحية بوجه التحديد.
ظهر ذلك كلّه واضحًا في استحضار مصطلحات من مثل “الصهيونية المسيحية” لمحاولة تصوير هؤلاء بأن الفكر المسيحي هو مع الحركة الصهيونية ضدّ حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره في دولة سيدة حرّة ومستقلّة، والذي يقود هذا الحراك الفكري، مجموعة من المفكرين الذين ينتمون إلى فلول الأحزاب القومية والبعثية واليسارية، وجهد هذا العقل إلى اختيار المسيحيين منهم عملًا بمبدأ “من بيت أبي ضُربت”.
في محاولة لتصويب هذه البوصلة الحضارية، يكفي الاطّلاع البسيط على بعض المراجع الدينية المسيحية لنستخلص بأن الذي يؤمن بالمبادئ الصهيونية لا يمكن أن يكون مسيحيًّا، فالواحدة نقيضة للأخرى، لا بل هما على طرفي نقيض، وهذا ما يعلّل الأهداف المستورة ما وراء هذا الاستعار الفكري التهشيمي بالتاريخ المسيحي.
لدى حديثنا مع مصادر كنسيّة مطلعة وضليعة في تاريخ اللاهوت المسيحي الحقيقي، أرجعتنا هذه المصادر إلى مرحلة صعود الربّ يسوع إلى السماء، حيث إن الكنيسة تعيش على الأرض منذ تلك المرحلة وحتّى اليوم بحسب كلمة الربّـ ساعيةً لملاقاته في ملكوت أبيه السماويّ.
أفادت المصادر، بأنه” ليس لدى الكنيسة أرض محدّدة لتمارس رسالتها، بل تذهب إلى شعب الله حيثما يقيم، لتُدخل ربّها يسوع إلى قلوب أبنائه، وتجعلهم يعبدون “الله بالروح والحقّ” (يوحنّا 4: 24). أي لا ترتبط عبادة المؤمن المسيحيّ بأرضٍ معينة حتى لو كانت أورشليم (القدس)، لأن الربّ يسوع أرسل رسله إلى أقاصي العالم (متى 28: 19) ليبشرّوا باسم الثالوث الأقدس الآب والابن والروح القدس”
في الاستنتاج، تابعت المصادر بأن الكنيسة “لا تبغي تشكيل حركة سياسية من مثل الصهيونية أو ولاية الفقيه، فهي مؤسسة لها كيانها القانونيّ المعترف به دوليًّا ووطنيًّا حيثما وُجدت، وليست بحاجة إلى مَن يسوِّق لها سياسيًّا، لأن هدفها قلب الإنسان وليس السلطة والحكم”.
بالمقابل، هناك حركات عالمية فكرية ودينية كثيرة تنطلق من كتب قصص اليهود التي لا تزال تنتظر مسيحًا، اّذي سيأتي باسم الله ويملك على مملكة إسرائيل في القدس، وتسمَّى “مسيحيّة” لأنها تنتظر “المسيح”، وهذا متعارف عليه علميًّا في عالم الدراسات الدينيّة، وخصوصًا الشرقية منها، التي تصنَّف ضمن دراسات”حوار الأديان الإبراهيميّة”. لا تتبنى هذه الحركات الكتب الدينية القانونية من مثل العهد القديم أو العهد الجديد، بل تعتمد الأناجيل والرسائل المنحولة.
هذه هي المصادر التي يعتمد عليها هذا النهج الفكري الذي تدأب صحافة الممانعة على بثّه في الأوساط اللبنانية، والمؤسف أن هذا النهج يلاقي رواجًا عند بعض الذين قرّروا أن يبيعوا أنفسهم خدمة للشيطان. فلا يجوز مثلًا بعد مضي هذه السنين على اضمحلال هذه التيارات الفكرية ـ الدينية، إعادة نبشها واستحضار المنحولات تحت ذريعة أنها معلومات ثقافية وتدرَّس في الجامعات اللبنانيّة في أرصدة حوار الأديان والثقافات، بينما الهدف الحقيقي من هذه الإثارات الثقافية واضح ومعلوم. فالمسيحية اللبنانية بوجه التحديد، لم تكن إلّا بوجه الاضطهاد من أينما أتى، ولقد دفعت المقاومة اللبنانية ـ المسيحية أبهظ الأثمان دفاعًا عن كلّ مظلوم عاش في هذا الإطار الجغرافي الذي صار لبنان الكبير في ذلك الأول من أيلول في العام 1920.
تؤكّد المصادر الكنسيّة، أنّ “الكنيسة ترتكز في تعاليمها دائمًا على مار بولس، الذي كان يهوديًّا على مذهب الفرّيسيّين، لكنه ترك أورشليم وذهب إلى أقاصي العالم ليبشّر بكلمة الله لأن الربّ يسوع أراده: “جعلتك نورًا للأمم، لتكون خلاصًا لها حتى أقاصي الأرض” (أعمال 13: 47)”، وتتساءل المصادر: “لماذا يريد العودة إلى أورشليم اليوم؟ هل تغيّر قصد الله في رسالته؟، بالطبع كلا، فقصد الله ثابت لا يتغير، أمّا مخيلة الإنسان فتتخيّل قصصاً وروايات ثم تنسبها إلى الله”.
هذا ما يحصل اليوم في الأوساط الثقافية اللبنانية التي تتمتّع بمخيّلة تصل إلى حدّ الشمس، والهدف كلّه هو ضرب التيّارات المسيحية انطلاقًا من هذا الباب الثقافي الموصَد كنسيًّا، لأنّ هذه التيّارات، بمعظمها، لا تؤيّد الممانعة ومحورها في الحرب التي استجلبوها على لبنان، وما نتج عن هذه الحرب حتّى اليوم كفيل بفهم ولوج هذا النّهج الباب الثقافي، لا سيّما بعد فشلهم في الميدان وبعدما فقدوا الحجج المنطقيّة أمام جماهيرهم الرافضة لذبحهم كالحملان أضاحٍ على مذبح مفاوضات إيران مع مَن دأبوا على تسميته “الشيطان الأكبر”.