
تحوّل السجال الداخلي اللبناني في الآونة الاخيرة الى سجال مُتشعِّب في وجهات النظر حول القرارات الأمميّة وكيفية الالتزام بمندرجاتها وتطبيقها بكامل بنودها، بعد ان كان، قبل اسابيع قليلة بالنسبة لمحور المُمانعة، مجرّد الحديث عن هذه القرارات او ذكرها من المُحرّمات، وبمثابة خيانة وطعن بالظهر. كعادة هذا المحور، ففي في كل مرحلة من مراحل الصراع الداخلي اللبناني يعمد الى توجيه ابواقه ومطابخه الاعلامية التسويقية، كي تضع ممنوعات فكرية وحواجز كلامية، يتم تحت سقفها تخوين وتكفير اللبنانيين الاحرار والسياديين الرافضين الالتزام بالقيود القمعية. ففي المراحل الاولى لحرب الاسناد التي اعلنها السيد نصرالله، بعد عملية غلاف غزّة، شنّ اعلام المحور حرب اعلامية ضروس على كل من ورد على لسانه القرار الاممي 1701. ولكن هذا المحور بالذات، بكبيره المُبايع مؤخراً، رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه برّي، تحوّل الان الى المُسوّق الاكبر لهذا القرار، والمُنادي به، والمُطالب بتطبيقه، حتماً على طريقته المعهودة، أي إلتزاماً بالبنود التي تناسب استمرار سطوة فريقه السياسي على السلطة اللبنانية، تماماً كما يتعاطى مع الدستور اللبناني الذي ينتقي منه بنوداً، ويعمل على تفسيرها وإفتائها وتطبيقها، أرنبةً.
واذا كانت النيات الدولية والأممية سليمةً اتجاه لبنان واللبنانيين، والهدف منها إنقاذ هذا البلد المُعذّب والمسلوب الارادة، لسحبه من الحرب الدائرة حالياً على اراضيه، ومنع الحروب القادمة عنه، واخراجه من ازمة تركيبته الكيانية، والشلل الاداري الناتج عنها، والتعديات على سيادته المرتبط بها، واذا كان الهدف الحقيقي من تطبيق القرارات الأمميّة تحرير القرار اللبناني المُصادر من قبل محور المُمانعة المُسلّح والمُدعّم ايديولوجياً، والمُلتزم بتوجيهات الولي الفقيه في طهران، واذا كانت بالفعل نيات المجتمع الدولي اتجاه لبنان صادقة، لوقف تعدّيات محور المُمانعة عن لبنان، فان إحياء القرارات الدولية بدءاً من 1559 القاضي ببسط سيادة الدولة امنياً، والقرار 1680 القاضي ببسط سيادة الدولة حدودياً، والقرار 1701 القاضي بتحمّل الدولة مسؤولياتها كاملةً في الجنوب اللبناني، كلها حقائق تعني بنهاية الامر إحياءً للمطلب اللبناني الدائم والمُحق، وهو الحياد العسكري للبنان، ليعود حينها الى قوته الايجابية التي ميّزت تاريخه الناجح، وهي القوة الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية، التي من خلالها استطاع في السابق دعم القضايا العربية المحقة، وخاصة القضية الفلسطينية. واذا كان محور المُمانعة بخبثه المعهود، يسعى لتأخير تطبيق القرارات الاممية، متأملاً بتغييّرات نسبية في مسار الاوضاع الميدانية، او في السياسة الداخلية في اسرائيل او في الولايات المتحدة، لتأتي مؤاتية له للتفلّت من تطبيقها، وليعود لاحقاً للتمكن من وضع يده مجدّداً على السلطة اللبنانية، فهذا يعني ضريبة اكبر تنتظر الشعب اللبناني بمسار التخلّص من المحور، وربما تقضي بفرض القرارات الدولية بالقوة.
مساران متناقضان يستحيل ان يلتقيا، فالمسار الاول هو مسار محور الولي الفقيه، الرافض لقيام الدولة، والمسار الثاني هو المسار المواجه له، الذي يريد بناء الدولة، والصراع الدائر بينهما يتمدّد الى كل العناوين، ويتركّز حالياً حول القرارات الأمميّة وحول كيفية تطبيقها، او امكانية اتمام التسويات من خلالها، او كيفية استخدامها للبدء بمسار بناء الدولة الحقيقية. ويتبيّن ان المجتمع الدولي داعم حالياً لتطبيق جميع القرارات الدولية، بما يفتح المجال للتخلّص من محور المُمانعة وتأثيراته المزعجة والمُدمِّرة، التي تقف عائقاً امام التطور الاستثماري والانساني والمالي والعلمي والسياحي للمنطقة بشكل خاص، وللعلاقات الدولية ولمصالح هذه الدول الاقتصادية. وقد يكون من المرّات القليلة التي تلتقي فيه مصلحة السياديين اللبنانيين مع مصالح الدول الكبرى. وان تأخرت خطوات هذا المسار، لكن المسار الاستنزافي لمحور المُمانعة مستمر، والمسار الإنقاذي للبنان سيوقف المسار الانحداري الذي سلكه هذا البلد منذ سيطرة هذا المحور عليه. “ما بصح الا الصحيح” عنوان المرحلة المقبلة، وما بصحّ في لبنان الا الدولة، التي اصبحت حاجة اقليمية ودولية، وما بصحّ في لبنان المشروع الايديولوجي للولي الفقيه، وما بصحّ الا قوة لبنان باقتصاده، وليس بالعسكرة غير الشرعية، بل بتقوية عسكره الشرعي، وهذا امر حتمي مهما تأخر، وقد تأخر، لكن جاء وقته.
خلال ندوة سياسية عقدت في جامعة قطر في العام 1995 تحت عنوان “الادراك المتبادل بين العرب والايرانيين” كان من ابرز النقاشات التي دارت في الندوة، نقاش حول التباينات والاختلافات ووجهات النظر العديدة التي تناولت مسألة دور ولاية الفقيه وتأثيراتها ليس على العلاقة بين العرب والايرانيين فقط، بل على الفكر العام في الدول العربية والاسلامية وعلاقة هذا الفكر مع المجتمع الدولي. هذا الاشكال يظهر باشكاله الحادّة في الوقت الحالي، وبالاخص في مسألة التعاطي مع القرارات الأمميّة ، بين طرح الولي الفقيه الذي ينظر الى القرارات الدولية كفرصة جديدة تسمح له اجراء تسويات تُخرجه من المسار العسكري الإنهياري الذي سقط فيه نتيجةً لعملية غلاف غزّة، وتنقذه من الضربات الموجعة التي تلقاها في كيانه العسكري والاداري والقيادي، وتجنّبه ما يخشاه من استمرار للضربات القاسية وصولاً لتوجيه الضربة القاضية الى المركز الاساسي للمحور، اي العقل المُدبّر في طهران، وبين من ينتظر إحياء هذه القرارات، وتطبيقها بحرفيتها، كي يُحرّر نفسه ويعود الى إعادة بناء دولة لبنان الحرّ والمتطور.