
نشرت جريدة اللواء في عددها الصادر يوم الثلثاء 15 تشرين الأول الحالي، مقالاً للمدعو حسن محمود قبيسي، هو عبارة عن مجموعة أخبار وعناوين صغيرة، غير صحيحة، وغير مترابطة، وتعبّر عن موقف إيديولوجي شمولي مفلس، لا عن موضوعية تاريخية وسياسية، رماها المدعو قبيسي بوجه القارىء عشوائيًا، لمجرد الإيحاء لهذا القارئ أنه دكتور، وفهيم، ومُطلّع، وملّم بشؤون التاريخ والسياسة، فيما كان الحريّ به توفير هذا الجهد الضائع الذي استنفده لنفخ عضلاته الفكرية غير الموجودة أصلاً، لاستثماره في تنمية عضلاته الجسدية التي قد يحتاج اليها في مهنة أخرى تكون مجدية أكثر، وقد تأتي له ولأمثاله بالفائدة، اكثر من انتحالهم صفة كتّاب ومفكرين ودكاترة وقادة رأي وسياسيين، والتعدّي على كار غيرهم، خصوصًا بعدما أدّى انتحالهم لهذه المهن الأخيرة قسطه للعلى منذ العام 1990، وأوصلوا بنتيجته أنفسهم والشعب اللبناني الى الحفر والافلاس والانهيار والتشرد والفشل والموت والدمار، ودولة المزرعة، التي كانت مجرد انعكاس لحقيقتهم التي نعرفها عن ظهر قلب جيدًا، فلا تنسى اننا كتّاب تاريخ لبنان الأرز، ونسّاخ مخطوطاته، وصنّاع الثقافة والحضارة فيه، و”عالِم كماروني”، التي كانت عبارة رائجة في أوروبا للدلالة على المكانة العلمية التي بلغها الموارنة، في وقتٍ كان غيرهم مشغولاً بالسطو والنهب والتعدّي، وأكل خبزه بعرق غيره… هكذا يقول التاريخ وهذا ما شاهدناه بأم العين في الحاضر، فانضّب، والزم حدودك، وتأدب وقعود عاقل ولا تُخطىء الحساب، خذ العبرة من كل تاريخك، وخذ العبرة من كل تاريخنا.
أما بعد، فممّا يقوله المدعو قبيسي:
“إن لبنان تركيبة فرنسية لمصلحة فرنسية، خطّ حدوده الجنرال الفرنسي دو تبول 1862؛ وبالتالي فما قاله الكاردينال الراحل صفير “نحن من أنشأنا لبنان”، ادعاء لا يؤخذ بالاعتبار”.
اولاً، يبدو أن “الأستاذ” قبيسي يعتقد بأنه أمام جاط تبولّة، يتشاركه مع “دو تبول” و”دو حمص بطحينة” و”دو متبل بذنجان”، بينما الحقيقة أن اسمه الجنرال بوفور دو هوتبول، وهو الذي أوفده الإمبراطور الفرنسي نابوليون الثالث الى جبل لبنان سنة 1860، لوضع حد للمجازر التي كانت تحصل بحق المسيحيين، وهذا لا علاقة له بأي شكلٍ من الأشكال بإنشاء دولة لبنان الكبير التي أقيمت بعد ذلك التاريخ بستين سنة.
ما جرى حوالى 1862 يا قبيسي، لم يكن “خطّ حدود لبنان” بل كان اجتماع الدول الست الكبرى، فرنسا، روسيا، بروسيا، النمسا، انكلترا، والسلطنة العثمانية، لوضع حد لمجازر الجبل، وإحالة المجرمين الى العدالة، وإحصاء الخسائر، ومن ثم وضع بروتوكول سنة 1864 لنظام متصرفية جبل لبنان، والتي بلغت حدودها حوالى 3500 كلم مربع، بينما حدود لبنان سنة 1920 هي 10452 كلم مربع، فكيف يكون صديقك “دو تبول” مع صديقه “دو حمص بطحينة” قد خطّ حدود لبنان سنة 1862؟ من طالب بحدود لبنان الحالية هو البطريرك الياس الحويك ومن خلال وفودٍ عديدة أرسلها الى مؤتمر الصلح، ثم اضطر للذهاب شخصيًا بعدما لمس ترددًا فرنسيًا حيال ضم الأقضية الأربعة الى حدود لبنان الكبير، مُهددًّا الفرنسيين برفع شكوى ضدهم لدى عصبة الأمم في حال انقلبوا على تعهداتهم له بإنشاء دولة لبنان الكبير بحدودها الحالية. يمكنك يا منتحل صفة مؤرخ، مراجعة عشرات الوثائق حول هذا الموضوع التي نشرها المؤرخ الحقيقي انطوان حكيّم المتخصص في أرشيف “الكي دورسيه” الفرنسي.
سواء قبلت بهذا الواقع أم لم تقبل، الموارنة كانوا أكبر المساهمين في انشاء دولة لبنان الكبير، ليس بعلاقتهم مع فرنسا فقط، بل من خلال تراكم ثقافي وحضاري وفكري وجهد يومي، استمر لأكثر من خمسة قرون، وبالتحديد مع إنشاء المدرسة المارونية في روما سنة 1584، فالمفهوم الدولتي هو مفهوم غربي بحت، وقد نشأ في مؤتمر وستفاليا سنة 1648، وتبنّاه الموارنة في الشرق منذ ذلك الحين، وصولاً الى تأسيس دولةٍ تعددية حرة سيدة، على قدر أفاقهم وطموحاتهم الواسعة، قبل أن يأتي محور الممانعة القديم والجديد ـ القديم، ليعكس كل فشله ودونيته وتخلفه على هذه الدولة، موصلاً الأمور الى ما وصلت اليه اليوم.
يضيف المدعو قبيسي:
“ولنتفق ثانيًا على أن مجد لبنان إنما يكون لمن حرّروه و/ أو طوّروه، وليس لأحد سواه”.
لنتفق قبلاً يا قبيسي، على أنكم استجلبتم الاحتلال الاسرائيلي الى الجنوب اليوم، لأن ادعاؤكم بالتحرير كان مزغولاً وشعارًا باطلاً، أنتم لم تحرروا شيئًا على الاطلاق، بل أخرّتم الانسحاب الاسرائيلي عقودًا طويلة، لمجرد الاحتفاظ بسلاحكم واستخدامه في الداخل لاغتيال قادة الرأي والأحرار، دعك من ارتهانك لنظام الأسد والنظام الإيراني. عن أي تحرير تتحدث وأمينكم العام الجديد إيراني؟ وعن أي مجد تتحدث وشعبك منكوب مفلس بفعل سلاح الخردة الذي تحتفظون به بين الأبرياء وداخل البيوت. وعن أي تطوير تتحدث، ومحورك نهب البلد وهجّر الأدمغة وحوّل لبنان مستودعًا لسلاح الخردة والتنك وثقافة الموبيلاتات وعصابات الكابتاغون والمخدرات، بعدما كان لبنان الحضارة والاشعاع والعلم والنور؟
تطويركم يسير بالمقلوب نحو مجاهل التاريخ وكهوف الماضي والعقائد الشمولية البائدة، وإذا استمريّتم بهذا التطوير قد تصلون في نهايته الى أحضان الديناصورات.
هل تعرف لماذا ترفضون التخلي عن سلاح الخردة على الرغم من الدمار والموت والافلاس والتشرد الذي استجلبه لكم وللبنانيين؟ لأن السلاح بكل بساطة هو قيمتكم المضافة الوحيدة، الذي تستطيعون الاستقواء به والحصول على مكتسبات وسلطة ومحاسيب وفساد في الدولة. تخيّل نفسك من دون سلاح؟ وهيا، أخبرني عن صروحك الثقافية، والعلمية، وعن تميّزك الحضاري والعالمي والانساني والحقوقي والسياسي والاستشفائي! حضارة الممانعة الوحيدة هي حضارة السلاح والاغتيالات والموبيلاتات والمخدرات، هذا هو لبنانكم الذي اُعطي لكم “مجده”.
حتى وأنتم في قعر الهوة التي جلبتموها لأنفسكم، ما زلتم مصريّن على المكابرة وعلى حكايات أبو ملحم، حول المؤتمر التأسيسي المفترض لسلب المسيحيين وباقي اللبنانيين صلاحياتهم. أعود وأكرر لك، لا تُخطئوا الحساب، لا تُخطئوا الحساب، اقعدوا عاقلين وتأدبوا كمان، وتأدبوا، خذوا العبرة من كل حروبكم الفاشلة والمدمرة والفوفاش، وخذوا العبرة من كل تاريخنا الذي بنى سويسرا الشرق.
يقول المدعو قبيسي بأنه ليس لرئيس الجمهورية صلاحية في تشكيل الحكومة، صحيح يا قبيسي بأن الطائف أخرج رئيس الجمهورية من السلطة التنفيذية، لكن الميثاق الوطني والعرف قد أعاداه اليها، ثم ان رئيس الجمهورية يمتلك حق التوقيع على تشكيل الحكومة بعد عرضها عليه من قبل رئيس الحكومة، ولا يمكن بالتالي تشكيل حكومة الا بعد توقيع رئيس الجمهورية. مهما يكن من أمر، الاجدر بك يا قبيسي أن تفكر بأمور أكثر إلحاحًا اليوم، ومنها كيفية انتشال نفسك وشعبك من الحفرة التي أوقعكم السلاح بها، واترك الأمور الدستورية والسياسية لأربابها، ولا تكابر ولا تعاند بوجه معراب التي تحاول إنقاذكم من شر أنفسكم ومن شر سلاحكم رغمًا عنكم.
يقول المدعو القبيسي في مكان آخر:
“منذ أكثر من ألف عام ارتبط الموارنة بفرنسا؛ فقد نظر الملك الفرنسي لويس التاسع (قائد الحملة الإفرنجية الرابعة لتحرير القدس) إلى المسيحيين في لبنان كجزء من فرنسا، فساعدهم وعاونهم وأرسل إليهم الهدايا، والأهم، أنه تعهّد بحمايتهم في رسالة واضحة وصريحة مؤرّخة في 24 أيار من العام 1250 فيها: “نحن مقتنعون بأن هذه الأمة التي تُعرف باسم القديس مارون، هي جزء من الأمة الفرنسية”.
اولاً، علاقة الموارنة بفرنسا التي تستجدونها اليوم، وتلهثون خلفها لوقف إطلاق النار، والتي تنشر قوات منها في “اليونيفيل” لحماية الجنوب وأهله، هذه العلاقة تاريخية ومتجذرة وليست خافية على أحد، المشكلة أن الأمر استلزمكم ألف سنة، حتى تصلوا الى الخلاصة التي وصل اليها الموارنة في علاقتهم بفرنسا.
ثانيًا، كان حريًا بك وانت تجتزأ رسالة الملك لويس التاسع، أن تذكر فيها كيف أن الموارنة عرضوا على الملك لويس التاسع تزويده بخمسين ألف مقاتل ماروني لمساعدته في حملته، ولكن بما أنك متطفل على التاريخ، سأخبرك بسّر لا تعرفه، وهو أن هذه الرسالة التي تستند اليها، مفبركة ولا أساس لها من الصحة، وقد اخترعها بعض المؤرخين في القرن السابع عشر تقربًّا من فرنسا وتحببًا بها، ليس أكثر.
يقول القبيسي أيضًا:
“وعيّن الملك لويس الرابع عشر لبنانيين مسيحيين موارنة من أسرة آل الخازن، قناصل له لدى لبنان، وبعده كتب المطران الماروني نقولا مراد إلى الامبراطور الفرنسي نابليون الثالث “نحن عبيد جلالتكم”، وفي العام 1845 رفع الموارنة العلم الفرنسي على قمم جبال لبنان”.
اذا راجعت يا قبيسي لغة التخاطب في تلك العصور لوجدت انها تزخر بمثل عبارات “العبيد، وجلالتكم، والخضوع لأقدامكم، الخ”، فهذه كانت من أدبيات المراسلة، خصوصًا لمن يكون أرفع مقامًا وموقعًا، فالرسائل الموجهة من العشائر الشيعية الى الولاة العثمانيين تتضمن الكثير من عبارات “الانحناء عند اقدامكم”، هذا كان مفهومًا في تلك العصور، أما ان تنتقل تلك الأدبيات الى القرن الواحد والعشرين فهذا غير مفهوم، وأكبر مثال على ذلك قول السيد نصرالله بأنه مجرد “جندي في ولاية الفقيه” مع العلم انه زعيم شيعة لبنان، ويُفترض به أن يكون برتبة جنرال على الأقل وليس جنديًا.
في الختام يقول قبيسي:
“وما دويلة سعد حداد وإسقاط 17 أيار وإخراج القوات المتعددة الجنسيات و… إلّا عبرة. فاعتبروا”.
اتفاق 17 ايار اسقطته رئيس الجمهورية أمين الجميل بعدما كان مجلس النواب اللبناني، بنوابه الشيعة قد أقرّه، ووافقت عليه الحكومة مجتمعة، ولا فضل لمحور الممانعة في ذلك. ثم إنك تتكلم يا قبيسي وكأنك لم تخض حروب القتل والموت بمواجهة الشعوب العربية السنية والدرزية من سوريا والسويداء الى 7 أيار و11 أيار، الى العراق واليمن، وكأن محورك لم يستجلب عداوات معظم الشعوب من أقصى الكرة الأرضية الى أقصاها، هذه الشعوب التي كانت داعمة لك سنة 1982 و1983، ولم تعد بغالبيتها الساحقة اليوم.
عندما سقطت دويلة سعد حداد، التي كانت تضم اليها 70% من العناصر الشيعية، كان اللبنانيون والعرب والرئيس رفيق الحريري والعالم يعمل لتحرير لبنان وتطبيق اتفاق الطائف، أما بعدما اغتال محور الممانعة الرئيس الحريري واستجلاب كل أنواع العداوات على نفسه، فصار يلزمه حكيم حتى يطببه مما هو فيه، فاسمعوا النصيحة من حكيم، واقبلوا الدواء من الحكيم قبل فوات الآوان، وقبل ان يعيد محورك الفاشل إحياء دويلة سعد حداد على أنقاض بيئتك المشردة من جديد. فخذوا العبرة واعتبروا.
