.jpg)
لا يملك أي مسؤول لبناني شيئاً من شجاعة الكاتب والشاعر الفرنسي التاريخي فيكتور هيغو (1802 – 1885) الذي وضع “قبعة حمراء على القاموس” (بمعنى تحريره من تصنيف عباراته بين نبيلة وعامّة، ومن أريستوقراطية المفردات الكلاسيكية)، و”سمّى الخنزير باسمه” je nommai le cochon par son nom (قاصداً قول الحقيقة على قسوتها).
فالمسؤولون اللبنانيون، ورغم ثقل الحرب والمعاناة، يداورون في توصيف الأزمة الخطيرة التي يعيشها لبنان ويلتفون ويدورون حول السبل الموضوعية والواقعية التي تؤدّي إلى معالجتها، ولا يواجهون الحقائق المريرة.
هم يتلطّون تارةً تحت عبارة عامة هي”تنفيذ القرار 1701″، وتارةً ثانية تحت وثيقة مطبّقة جزئياً منذ 35 سنة هي “اتفاق الطائف”، وثالثة تحت عبارة “العودة إلى اتفاق الهدنة” المرسوم بين لبنان وإسرائيل منذ العام 1949، ولا يجرؤون على كشف المضامين الحقيقية لهذه العناوين الثلاثة التي تلتقي حول أولوية الدولة اللبنانية الشرعية وحقها الحصري في امتلاك السلاح وقرار الحرب والسلم وصون السيادة، وترفض وجود أي سلاح غير شرعي، وتفرض سيادة لبنان الكاملة على حدوده المعترف بها دوليّاً.
وكعادتهم منذ انتهاء الحرب سنة 1990 بفعل اتفاق الطائف، يتهرّبون من إعلان الحقيقة والتزامها، وهي أن كل هذه الوثائق المحورية ترفض وجود سلاح ومسلّحين من خارج الشرعية، وحين يُقال لهم مثلاً إن اتفاق الطائف والقرار 1701 ينصّان على حل جميع المليشيات المسلّحة، أي سلاح “الحزب” في مأساتنا الراهنة، يلتزمون صمت العاجز أو الخائف أو المتواطىء، بل يذهب بعضهم إلى إنكار هذه الحقيقة كما فعل أخيراً الرئيس نبيه بري حين أسقط القرار 1559 من متن القرار 1701، قائلاً “صار ورانا وينذكر ما ينعاد”، متصرّفاً على هواه بنص الفقرتين الحاسمتين الثالثة والثامنة من نص هذا القرار الأخير، واللتين تنصّان بوضوح على نزع السلاح غير الشرعي عبر تنفيذ القرار “المذكور” و”المنعاد”!
بل إنهم يذهبون في إنكارهم إلى حدّ تخوين كل من يدعو إلى تطبيق القرار 1701 ومن ضمنه القراران 1559 و1680، وكذلك اتفاق الطائف واتفاق الهدنة بحذافيرها ومندرجاتها كلّها، لا لشيء إلّا لمراعاة سلاح “الحزب” رغم ما سبّبه من كوارث ومآس، إمّا تزلّفاً وإمّا خوفاً، وعلى الأرجح رغبةً في تكريس ثنائية السلاح والفساد التي عاثت وعشعشت في عافية لبنان السياسية والأمنية والاقتصادية والمالية والحضارية منذ سنوات طويلة.
والنتيجة الواضحة لهذه “التقيّة” السياسية الخطيرة هي انهيار الثقة بطبقة المسؤولين، ليس فقط لدى اللبنانيين في الداخل بل لدى الدول المعنية بانقاذ لبنان من محنته، عرباً وغرباً، والتي لا تجد شريكاً في السلطة اللبنانية يملك شجاعة القول والفعل.
وما يزيد الوضع بؤساً أن هذه السياسة العرجاء والعوجاء رمت بدائها السلطات الروحية التي خرجت ببيان أمس يقول كثيراً ولا يقول شيئاً على الطريقة الإنشائية التي تمشي بحذر بين النقاط لمراعاة الخواطر والعواطف واعتبارات الطوائف، بدون الاقتران بخطوات تنفيذية على الأرض.
وفي المحصّلة، مواقف سياسية وروحية تحاذر التصدّي لجوهر المأزق اللبناني ومسبّبات الحرب وشروط وقفها وإنقاذ ما تبقّى قبل الانهيار الأخير.
وطالما أن لبنان يفتقر إلى مسؤولين منقذين، ببعض شجاعة فيكتور هيغو، يسمّون المرض باسمه ويساهمون في استئصاله، فإن المصير سيبقى مرهوناً لحرب بدون أفق، إلى أن تمتدّ يد دولية وعربية من فوق أمواج الموت لإنقاذ الغريق، ووضعه في غرفة عنايتها الفائقة.
