
وأخيرًا نزع “الحزب” آخر أقنعته “اللبنانية” وصار “أمينه العام” الجديد هو المسؤول الكبير في الحرس الثوري الإيراني محمد رضا فلاح زاده، الذي عيّنه المرشد علي خامنئي مُشرفًا مباشرًا على “الحزب”، وأصلاً بمجرد أن يكون أعلى موقع في هذا “الحزب” هو منصب “الأمين العام” وليس منصب “الرئيس” أو “القائد”، يعني بأن ثمة رئيسٍ أو قائدٍ لهذا الحزب يعلو منصب الأمين العام، ويُصدر إليه أوامره النهائية.
تعيين مشرف إيراني على “الحزب” بعدما كان أمينه العام السابق نصرالله قد أعلن بأنه جندي في ولاية الفقيه، بموازاة تواجد هذا “الحزب” في الجنوب اللبناني منذ عام 1982، يعني بأن ثمة تنظيمٍ إيراني مسلّح يضم أفرادًا لبنانيين بحسب تذكرة الهوية فقط، يحتل الجنوب اللبناني مانعًا الدولة اللبنانية من بسط سيادتها على كامل ترابها الوطني، خصوصًا بعد انسحاب إسرائيل عام 2000.
وبهذا المعنى أيضًا، فإن الصراع الذي تدور رحاه على أرض الجنوب اللبناني، ويتكبّد المواطن اللبناني أثمانه الباهظة، هو صراع بين الحرس الثوري الإيراني ممثلّاً بـ”الحزب” وفرقة الرضوان والعباس وعزيز وبدر وغيرها، وبين الجيش الإسرائيلي ممثلاً بلواء غولاني وفرقه 36 و91 و98 وغيرها.
والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا الإطار، ما دخل الشعب اللبناني بكل هذا الخراب والدمار والقتل والتهجير، وتطاحن الاحتلالات على أرضه؟ لماذا لا يحق للبنانيين أن ينعموا بوطنٍ حرٍ سيد مستقل على مساحة 10452 من دون ولا شبر أقل وولا شبر أكثر، تطبيقًا للدستور اللبناني، والقرارات الدولية ذات الصلة؟
“الحزب” لا يؤمن بكل الـ10452 من أساسه، لا بشبر أقل ولا بشبر أكثر، حتى كل رسائل أمينه العام الراحل نصرالله الى “المجاهدين” لا تأتي على ذكر شيء اسمه لبنان، ولا عن شيء اسمه وطن، بل هي رسائل تتحدث عن “الجهاد في سبيل الدين”، و”في سبيل الأمة”، لا في سبيل لبنان، وعن “تحقيق العدل الإلهي” لا عن تحقيق السيادة الوطنية، وهذه الـ10452 التي لا يريد جبران باسيل ودعايته البائدة ولا شبر أقل منها، هي التي يحاول حليفه حزب الممانعة تحويلها الى مجرد رقم صغير في أمّةٍ دينية كبيرة، لا أشبار ولا أمتار ولا كيلومترات ولا تعددية ولا حرية ولا ديموقراطية ولا حياة حزبية فيها.
ليست البطولة بإطلاق شعاراتٍ فارغة “ليس عليها جمرك”، كشعار الدعاية العونية البائدة “10452 ولا شبر أقل”، بل البطولة الحقيقية هي في إقناع حليف العونية في ورقة التفاهم، المشرف الإيراني محمد رضا فلاح وحزب الممانعة الذي يُشرف عليه، بالاعتراف بالـ10452 من أساسه، ومن بعدها يمكن لباسيل ودعايته البائدة إخبارنا عن الشبر أقل والشبر أكثر.
حتى ذلك الحين، يبقى شعار الـ10452 هو شعار البشير وأبطال “القوات اللبنانية” الذي سرقه ناهب الكهرباء، والمفسد في خزينة الدولة، وعرّاب الافلاس والانهيار، وصاحب الأقدام الفتنوية، وعاشق الكرسي والمُحرض على استمرار الحرب تحت شعار “المقاومة” حتى آخر مقاتل من “الحزب” حتى يقتات شعبيًا على بقاياه كالطائر القمّام، سرق هذا الشعار إذًا لتسخيره في خدمة الاحتلال الإيراني لجنوب لبنان، لا في خدمة لبنان الـ10452، ولا في خدمة الدستور اللبناني، ولا في خدمة القرار 1559 الذي ادعّى العونيّون أبوّة ميشال عون له، والذي يُكرّس سيادة لبنان من دون وجود ميليشيات مسلحّة يتحالف معها باسيل ويستفيد على ظهرها، سلطويًا، ونيابيًا، وماديًا، ولو على حساب مأن اللبنانيين وسلامتهم ولقمة عيشهم.
أمّا نحن، أصحاب شعار الـ10452، فلا نريده بـ “ولا شبر أقلّ”، خصوصًا لإيران التي تقتطع منه الجنوب وسواه من المناطق، وتجعل منها متراسًا متقدمًا لسياستها النووية، ولا نريده بـ “ولا شبر أكثر”، وخصوصًا أيضًا للجمهورية الدينية في إيران، التي تريد توسيع حدود لبنان ودمجها مع حدودٍ أخرى وصولاً الى إنهاء الـ10452 وإعلان قيام “الأمة”.
