#dfp #adsense

الكرامة.. بين الوزير وعلما الشعب!

حجم الخط

علما الشعب

لا نعرف ما إذا كانت حادثة علما الشعب، تحصل في مكان ما من هذا العالم المأزوم، مهما بلغت درجة التخلف والتراجع فيه. بلدة جنوبية في عز النكبة والدمار والتهجير، يتوقف مصير تلقيها للمساعدات المشروعة كأي بلدة منكوبة في لبنان، على اعتذار أهاليها، لمسؤول في تلك الدولة البائسة، جُرحت مشاعره الرقيقة، لأن البلدة كشفت أنها لا تتلقى ما يحق لها من مساعدات، وأن المساعدات التي خصصت أساسًا لها، رفض المسؤول المجروح في كبريائه أن يسلمهم إياها!

هنا علما الشعب، البلدة المسيحية الوحيدة في قضاء صور، وأكبر قرى القضاء من حيث المساحة، إذ تبلغ نحو 6000 كلم مربعًا، عدد سكانها نحو 3500 نسمة، مزنرة ببساتين الزيتون والأفاوكا والقشطة والمانغا والسنديان. وهنا في علما الشعب الجميلة، بيوت كانت تضاهي القصور، وخير كان يدفق من بيوت أهلها ومن بساتينهم، ومن حسن ضيافتهم وحسن الجيرة مع القرى المحيطة بها، ولكن منذ نحو السنة توقفت منظومة الحياة تلك، كما غالبية قرى وبلدات الجنوب، ونزح سكانها تباعًا وأقفلت البيوت على فرح الحياة، ودُمرت في غالبيتها أيضًا، واحترقت المساحات المزروعة خيرًا وبركة، بسبب تبادل القصف في الجنوب بين “الحزب” وإسرائيل. صارت الضيعة الحلوة الرامشة على شاطئ صور الجميل، بلدة منكوبة مثل كل الجنوب، ونزح أهاليها الى أقارب لهم في بيروت، أو الى شقق استأجروها ليعيشوا بكرامة، من دون منّة من أحد، او من دون توسل المساعدات من هنا وهنالك، وأيضًا من دون مكابرة على الوضع المروع الذي وُضعوا فيه من دون إرادتهم.

سنة كاملة عبرت بويلاتها، ولم تسأل الدولة يومًا عن الاهالي هناك، وكيف توزعوا وما إذا كانوا يحتاجون أي مساعدات، عينية أو طبية أو تدفئة وما شابه، سنة كاملة والدولة في غياب تام عن علما الشعب ومعاناة أهاليها، بعكس ما يجري مع سواها من المناطق المجاورة مثلًا، حيث تجندت لأجلهم وزارات الدولة ومن بينها وزارة الشؤون الاجتماعية، بينما غاب كل ذلك عن أهالي علما الشعب.

منذ نحو الشهر وفي خلال حلقة تلفزيونية مع الزميل مارسيل غانم في برنامج “صار الوقت”، تحدث الأهالي عن معاناتهم لوحدهم، وكيف أنهم يحاولون مساعدة بعضهم البعض بمبادرات فردية في ظل غياب تام للدولة، ويومذاك كشف ابن بلدة علما الشعب، حنا زعرب وهو عضو في البلدية، أن الضيعة تعاني إضافة الى نكبة الدمار والنزوح، تعتيمًا إعلاميًا لافتًا، اضافة الى غياب كامل للدولة، علمًا أن البلدة كانت تبلغت أن 100 حصة غذائية خصصت لأهاليها من قبل وزارة الشؤون الاجتماعية، ولما توجهوا لاستلام الحصص، وبعدما كانت البلدية جهّزت مستودعًا لهذه الغاية، رفض الوزير هيكتور حجار تسليم تلك الحصص، بحجة أن ثمة نازحين آخرين يعانون أكثر من اهل علما الشعب، وبالتالي هم أحق منهم بتلك المساعدات. “نحنا ما بدنا كراتين إعاشة ولا معكرونة ولا علب طون ولم نطالب أحدًا بمساعدات من هذا النوع، نحنا مش شحادين، نحنا مواسمنا ما منبيعها إنما نوزعها على الأهل والاقارب، نفسنا كبيرة كتير وكل ما نريده الصمود وفقط الصمود، لأن عمّرنا ضيعتنا كل شبر بندر، لكن يحق لنا كما يحق لسوانا من أبناء البلد، بتلقي المساعدات، فأين الغلط؟” يقول زعرب.

لما علم الوزير وسمع ما سمعه من أهالي علما الشعب، استشاط غضًبا وانتفض لكرامته، وسُرب له كلامًا مسجلًا، سمعه اللبنانيون، أعلن فيه صراحة أنه لن يساعد علما الشعب بعد اليوم ما لم تقدم له البلدة اعتذارًا علنيًا، وأن لا رجال أساسًا في البلدة!

“بدل ما يتعاطف مع الضيعة الوحيدة المسيحية بقضاء صور، بيقلدنا جميلة بكرتونة إعاشة؟ ليش من بيت بيو هالاعاشة أم ماذا؟ نحن لا نقف على كرتونة إعاشة من مسؤول بالدولة، أصلًا نحن لا نعرف الدولة هناك، لأنها نستنا من زمان، ولكن مضطرين على قرع الأبواب لمساعدة أهلنا بأي طريقة ممكنة، عيب ما يجري، نحن نعضّ على جرحنا ونناضل ونتعب لأجل البقاء والعيش بكرامتنا، والوزير بيحكينا بكرتونة إعاشة؟ والله عيب” يقول زعرب بمرارة كبيرة، “بيوتنا كانت قصور، لا بيت في البلدة مساحته أقل من 300 متر، حفرنا الصخر ونحن نناضل للبقاء فوق، جايي الوزير يحكينا بكرتونة إعاشة وبالاعتذار؟ على ماذا يجب أن  نعتذر، لأنه قال إن لا رجال بيننا؟ أم لأننا صمدنا قدر الإمكان؟ أم لأننا نساعد بعضنا البعض من دون جميل الدولة؟ نحن لم نُسئ اليه، ولا حكينا شي غلط، لم نذكر اسمه حتى، وعلى أساس تدخل أحدهم لحل المشكلة بيننا، فوجئنا بالصوت الذي سرّبه، هيدا كلام مسؤول؟” يقول ابن بلدة علما الشعب.

“في كل الأحوال نحن لن نتوقف عند هذه التفاهات، ضيعتنا تتهدم وبيوتنا على الأرض وهي مش أراضي الوزير ولا هي بيته، وطلع معو إنو ما في رجال بالضيعة؟ فليفعل الوزير ما يريد، مش فرقانة معنا، لكن نحن مضطرين ندق على الأبواب، لأن في أهل لازم نساعدن بهالظروف المستحيلة” يقول زعرب.

لا يكترث أهالي علما الشعب لما قاله الوزير، غضبوا لأنه حاول النيل من كرامتهم، لكن الأمور توقفت عندهم عند هذا الحد، فثمة مصائب أكبر تلاحقهم، “الكرامة فوق الوجع، النزوح ودمار البيوت بيوجع كتير، بس الوجع بيقوينا لأن وجعنا هو صليبنا، نحمله برجاء مع المسيح ومنه نستمد القوة والصلابة” يقول زعرب، ويمضي مع أهل علما الشعب، لمواصلة نضالهم لأجل الحياة الكريمة، يدًا بيد يتساعدون ليكونوا دائمًا في الكرامة كما اعتادوا في قريتهم الجميلة، الى أن تعود الدولة الى كنف الدولة، ويصبح كل مسؤول في هذه الدولة البائسة مسؤولًا عن كلامه وتصرفاته، وعن أبناء الدولة من دون أي تمييز، تحقيقًا لأهدافه الشخصية، ومن دون ذمية أو تواطؤ أو انسحاق على حساب الكرامة والسيادة، ويقولون للوزير وسواه، نحن أهل علما الشعب أول وآخر عاداتنا وتقاليدنا هي الكرامة والعنفوان والانحناء فقط لمجد الصليب.​

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل