#dfp #adsense

تأمُّل في مآسي المسيحيين المشرقيّين

حجم الخط

لم يقدّر لمسيحيي العالم، ما قدّر لمسيحيي المشرق من نصيب كان سبب بؤسنا وعلّة مجدنا. فنحن، من دون المسيحيين الآخرين، بنو هذه الأرض التي أبصرت وجه المسيح: من كلمته الآرامية لغتنا الأولى. ومن عاداتنا أمثال إنجيله.

حملنا محنة المسيح، فأصبنا في خاصرتنا، على الصليب، بطعنة رمح من كلّ جنديّ فاتح، وتكسّرت على صدورنا نصال الرماح فوق نصالنا.

لكننا حملنا أيضًا، مع الهوان، شرف الحضارات وفرحها، تلك التي لا يمكن أن ننقطع عن واحدة منها، لأنها نياط القلب المشرقي كلّه.

هذه الالتزامات والعطايا، من غنى الشرق والغرب، كانت علينا أثقالاً، ألقيت على عاتقنا، فحملناها كصليب.

كانت عطايا وبلايا، إذ ما من نعمة إلاّ وهي على شكل صليب.

فصليبنا، قد يعده لنا الصالبون، لكنه فينا ومنا أولاً.

نحن وإياه حال واحدة. هو معنا أبداً أنى ذهبنا، هو معنا ومعيننا الروحي والفكري.

أعتق ما في الشرق:

صليبنا هو أن نحفظ الأمانات ضد الخيانات.

لم يقم بيننا حقاً أحد يمكن اتهامه بخيانة عظمى، بل مصيبتنا أننا نريد أن نفي بكلّ الأمانات، لكثرة ما تعددت لدينا الالتزامات والعروض والروابط، ولارتباطنا بأعتق ما في الشرق، وبأحدث ما في الغرب، تنازعتنا رياح التناقضات.

وأحكمت عقدها حول عنقنا، فكلٌّ يريدنا تغريباً وتشريقاً:

هذا يغرّبنا وذاك يشرّقنا.

هذا يعرّبنا وذاك يجرّبنا.

هذا يجرّنا إلى اليمين وذاك إلى اليسار…

بينما نحن طامعون دائمًا بأن نكون نحن نحن.

كنا إذا فشلنا دفعنا جزية الفشل، وإذا نجحنا فرض علينا ثمن النجاح: ندفع للسماء ثمن عطاياها لنا، وللأرض ندفع ضريبة عن مأخذها منّا.

نخدم الغرب بإخلاص، ونحن غرباء عنه، ونخدم الشرق بتفانٍ، ونحن في أهله حائرون.

وقد يربح هذا أو ذاك على حسابنا، ونحن خاسرون أبداً في الدنيا، كل شيء.

حسبنا، إن نعرف، في اختبار المسيح نفسه، أن كل من أراد جمع الأضداد، وضم النقائض والجدليات والحضارات، وابتغى الجمع بين الله والإنسان، بين اللاهوت والناسوت، هو حتماً مسمّر على خشبتين متعارضتين، وهناك مصلوب كالمسيح، مشهود عليه زورًا، متروك وحده، لكنه يقوم في أحد الأيام.

هذه هي أوراق اعتمادنا، ممهورة بالدم والدمع: إما أن نمزقها وننفض غبار أرجلنا عن المشرق، ونرحل إلى غير دار، وإما أن نطويها ونستقيل من هذا الهمّ الروحي المبرح…

هذان الرأيان قائمان في ذهنيّة المسيحيّة.

ولكن، لا هذا، ولا ذاك. لا الرحيل، ولا الاستقالة.

علينا أن نبقى هنا، هذه أرضنا، هنا هويتنا، هنا رسالتنا.

أن نبقى رسالة، حتى لو تنصّل منها كثيرون، رسالتنا هي علة وجودنا ومبرّر استمرارنا.

رسالتنا هي أرضنا الأولى ووطننا وذاتنا.

من دونها، نحن عراة من أي أرض ووطن وذات.

نحن هنا في هذا الشرق لنبقى، لأن الشرق، كما يعترف أشرف أبنائه لنا، يحتاج إلينا.

عظة في كاتدرائية مار جرجس في نيسان العام 2000

 

الكلمة موقف، أيًا يكن موقِعُها ووَقعُها. في الفكر، في السياسة، في الدين، في الثقافة، في المجتمع، في الاقتصاد، في البيئة…

وحتى تصبح هذه “الكلمة” عابِرة في الزمان والمكان، تفتح مجلة “المسيرة” صفحتها “آخر الكلام” لكتَّاب وسياسيين ورجال دين وفكر وفلسفة واقتصاد، ليسطِّروا عليها كلمة… وموقف.

“المسيرة”

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل