
ختم الجزء الأول من هدف وغاية نزوله إلى أرضنا بختمه ثلاثين سنة عاشها متواريًا في وداعته وعمله الدؤوب وطاعته لوالديه. وأمَّا الجزء الثاني فقد أفتتحه بثلاث سنوات هي المشروع الأبويّ الأكمل الذي لأجله أرسله أبوه السماوي كي يغيِّر وجه الأرض ويوجِّه بني البشر إلى حيث يلبسون حُلَّة أبناء المُلك والملكوت. نهض المعلِّم نهوضًا فاجأ علماء الدنيا وأساطين علومها وآدابها، بمدرسةٍ شرَّع أبوابها ومناهجها على ضفاف بحيرة تتغاوى بأشرعةِ مراكب الصيَّادين. أقلام تلامذة تلك الكليَّة الجنَّاشرية صنَّارات تجيد لغة الأسماك وتحترف الكتابة على دفاتر زرقاء، أوراقها مائيَّة الصَّفحات ذات أزياح متماوجة، بينما قوارب التلامذة الصيادين تخضع لامتحان الرياح والأمواج والإيمان!!
استجاب لك سمعان بن يونا من دون تردد وأنتَ تولِّيه قيادة أخوتِه الأحد عشر في رحلة اصطياد أبناء آدم وحواء، العالقين منذ أول دهور الخليقة في تشابكِ أغصان شجرة معرفة الخير والشَّر، وها نحن خاصَّتُك قد لبَّيناك ونلبِّيك ونسير في ظلالك، إن كان إلى جبل التطويبات أو جبل الموعوظين، إن كان إلى جبل الصَّامدين أو إلى جبلٍ ذي قمَّتين متعاكستين شكلاً، متلازمتين مضمونًا، قمة التجلِّي وقمة الصَّلب. قمَّتان تشبهاننا ونشبههما، تلتحمان بنا التحام النور بالمكيال، ونلتحم بهما التحام الأقدام الحافيّة الناذرة بخشونة حجارة معابر النَّاذرين الحفاة، حتى من ما يجنّبهم سطعة الشَّمس وسطوة الصّقيع. إنَ أيَّ قياس فكريّ عقائديّ تثقيفيّ، يعلو مقاييس أدب التيجان، يعتبره الماسكون بخناق هذا الشرق المكلوم، فشلاً في التربية الوطنية المتعارف عليها أنها تربية العين، كي لا تعلو على الحاجب، حتى ولو كان حاجبًا على باب حاجبٍ أعلى منه صفًا في علم التزلّف والتَّسكع والتَّمسكن. إن سقوف وأبراج مرابع حكّام ألف ليلة وليلة وألف لعنة ولعنة، هي معيارهم الأعلى، بقَدر ما هي عارهم، عار عِقدِهم الصدئة المتجنزرة، وحساسياتهم المفرطة من القامات الشامخة كِبرًا على الهوان والرؤوس المرفوعة تحديًا لجاذبية الانحناء والجباه العصامية العاصية المتيقظة لسهولة وسائل الانحدار والاندحار!!
نهار خميس صعودِك، كان آخر معبر أرضيّ تجتازه صاعدًا مؤتمنًا على أمانة وزنات، تسلَّمتها من أبيكَ ميثاق عهد خلاصي مُبرَم حتى انقضاء الدهر، بين الأقنوم الأول وبين من هم على صورته ومثاله من أوائل الخليقة إلى منتهاها. ذلك الخميس الفاصل بين ما يرى ومالا يرى، قد صوَّر ما أمكن لتلاميذك أن يروه في آية ارتفاعكَ من بينهم، ووثَّق كل ما لا يراه إلاَّ المعطى لهم نعمة وموهبة تصوُّرهم للحظة وصولك وجلوسك عن يمين الآب!
ماذا كان هذا الشرق والعالم معه لولا تلك الإجابة المعجزة: “ها أنا أمَةٌ للرب فليكن لي حسب قولك”. لولا أمومة هاتيك البتولة، أما انتهى الشرق ميتمًا لأيتامٍ تشرف الأصنام على تربيتهم، وتنوب الذئاب عن الرعاة في رعاية حملانهم، وتُغزل الأشواك صوفًا يحشو فرشَهم!
جبلنا جبل لبان مستخرج من دهرية جزعه اللبناني، ومنجمُ بخور ناصع البياض مغزول غزل نفناف ثلجه المنذور للشمس والريِّ والينابيع. أما كان أستمرَّ هذا الجبل الربَّاني مشاعًا يستبيحه لصوص المتاحف الشجرية يجزّون ويقطعون شجر أرزه أخشابًا أقرب إلى النفائس يصادرونها لبناء هياكل ضائعة بين ملكية الله وملكية سليمان لولا جلالة ومهابة الصوت النَّافذ كالأمر الناهي والنهائي، إلى مسامع موسى قديم وجديد: “إخلع نعليكَ من رجليكَ، فالأرض النَّاظر إليها هي أرضي المقدسة”. صوتُك الوصية يا رب، يحصِّن لبنانك، وعدًا لنا بلبنان آت، متجاوزًا مطارح الخطر وكمائن الزوال ومطبّات الخوف والتخويف والترهيب، وجراح أبنائه حناجر تنشد: “إذا اصطفَّ عليّ عسكر فلا يخاف قلبي وإن قام عليَّ قتال فبكَ ثقتي”!!
يا مالكَ وقفنا اللبناني
منذ نيِّف وألفين وأربعة عشرين جمعةٍ عظيمة، ارتفعت لاهوتًا يعيد الاتّصال بألوهيتكَ، وانتقلت ناسوتًا مثخنًا بمئاتٍ من جراح وندوب، ملأت حضن أمك الحزينة الكليَّة التصبُّر على الأسى، والتجالد على الفجيعة، والتكابر على الانكسار، والتماسك على خبط الصّدر، والتنزُّه عن رديَّات النَّدب!
مِن نيِّف وألفين وأربعة عشرين صرخة عتاب: “إلهي إلهي لماذا تركتني”، ونحن نجدِّد تجديدًا لبنانيًا وجوديًا، وكالةً موقَّعةً بلحسة المسمار ليدكَ المثقوبة، ومصدَّقة بلسعة السياط على لحمكَ العاري، ومختومةً بمزيج دمك ودمع مريمكَ، هي الوكالة التي أوكلت جبالنا اللبنانية بجبل جلجلتكَ، وتوأمت جزعَ صليبك مع جزوع سندياننا المتباهي بالصخور صلبانًا.
وقع خطواتِك على طول طريق مهانتِك يغصُّ في لهفاتنا غصَّة جرس برنَّاتِ حزنه، ويا حزننا على أنفسنا إن رنَّت فيها ذات الفضة التي جرجرتَك في وقع خبطِ خشبتكَ على صخرة الدم، حيث لا عذرٌ لنا حتى ولو احتمينا بتقويات بليدة، والتحفنا بنصوص سميكة لابدة، وتدثَّرنا بطبقات من نصوص تحجبنا عن غبطة انتظار موعد هبوب ريح قدوسة تعصف بغرورنا وادِّعائنا، فتبدّد كل ما فينا من أوهام بجبروت أصبح عالة علينا، وتلاشي منا أوهانًا لازمتنا ملازمة العلّة.
نهايتنا محتومة وأكيدة وداهمة إن أحصينا أعدادنا السكانية على حساب إحصاءات أشباه يوليوس قيصر، وبالنا تائه بالهواجس والبلبال أنَّ المسكونة الجديدة تبنَّت عن أيمان وحق ويقين، إحصاء أبتدأ منك أنت الطفل المضجع المقمّط في مزود يقع ضمن نطاقِ رعيان يسهرون على قطعانهم وقتَ هجعات الليل!!
يا ابن الأنسان ولبنان
مزودكَ هو الوطن الكونيُّ الوحيد العجيب بين أوطان هذا الكون الشَّاسع الذي اتَّسعت فرشة تبنه لولادة الإله والإنسان معًا داخل مغارة رعيان وماشية، شهدت على أقدس وأقسى مغامرة يغامر فيها أبٌ بابنه الوحيد، إنقاذًا لإنسانيَّةٍ أفلستها مقامرة القادة العميان بأرصدتها.
بقاؤنا في هذا الشرق بقاء جغرافي مرتبط يا يسوع بالتنسيق بين تاريخ ولادتِك وتواريخ ولادتنا، كي ندركَ بأنّ كلّ ما دفعته ثمنًا لانتمائك الميلادي الجسدي إلى شرقنا وشرقيتنا، هو ذاته المتوجِّب علينا أن ندفعه ثمنًا لانضمامنا إلى نسبِك العائلي المتسلسل من الآب والأبن والروح، وصولاً إلى أمومة العذراء وأبوّة النجّار، والثمن الثمين الأثمن، إن توصَّلنا إلى كيفيَّة لبننة مزودك لأجل لبنانًا تدوم أزمنة توالده ما دامت أعياد ميلادك تملأ السماء والأرض!!
لئلا يضيع منّا صليبك مرةً أخرى في تشابك أدغال هذا الشرق، ولئلا نضيع ضياعًا مقصودًا وملتويًا عن كل محيط جبل صلبك، متغافلين متجاهلين بأنَّ مواعيد القيامة لا تعطى مجَّانًا إلاَّ لمن استحقَّوا حملَ جسور الصلبان ونعوش الشهداء!
ونحن كأبناء إنجيل العهد الجديد، هل ما زلنا متيقظين متذكِّرين يعقوب وأخاه يوحنا ابني زبدى، وهما يستعطفان ويستجديان يسوع كي يجلسهما عن يمينه ويساره في يوم مجده.. لكن نهار تحوَّل الملك جرحًا كاملاً مرفوعًا فوق مملكة الجمعة العظيمة، معلَّقًا بين كسوف الشمس وتصدُّعِ حجاب الهيكل، كان يهوذا خائنًا قانطًا منتحرًا، وبطرس كيفا جبانًا رعديدًا جاحدًا، ثمَّ نادمًا باكيًا لاجئًا إلى صياح الديك. أما الأخوان يعقوب ويوحنا فقد تناسيا مطالبتهما بأحقية الجلوس عن يمين الملك وشماله، وتواريا كما توارى معظم خاصَّته، فلم يجلس عن يمين أبن الله إلاّ لصُّ اليمين ولصُّ الشمال!!!