النائب د. فادي كرم
قد تكون المحاسبة من أهم صفات المجتمعات الأكثر استقراراً وتطوراً وحضارةً، والميزة الأهم للدول الناجحة، والشرط الأساسي والضروري للتحكّم بعلاقات الشعوب مع بعضها البعض ومع المؤسسات الرسمية ومع المسؤولين والأحزاب، وهي الضابط الأقوى في مسيرة السلطات السياسية والإدارية، فالمحاسبة إن حضرت، حضرت معها العدالة، وإن غابت حلّت مكانها الفوضى.
في المرحلة المصيرية والخطيرة التي يمرّ بها لبنان، لا مفرّ من إجراء محاسبة مفتوحة لمن ضحّى بلبنان وأدخله في أتون حرب لا علاقة للمصلحة اللبنانية بها. فالمحاسبة المتجرّدة الحرّة في لبنان حالياً، ضرورية لتُبعد البلاد عن الاضطرابات والمواجهات المُسيئة للعلاقات الوطنية، وعلى كل الأطراف الارتكان إليها، تجنّباً للإحراج بين كافة الفئات المكوّنة للبلاد، أي بين الفئات التي ظُلمت نتيجة لتجاهلها عند إعلان الحرب، والفئات التي تتحمّل مسؤولية اندلاع هذه الحرب.
أدوّن سطور هذه المقالة على وقع الغارات والدمار والقتل، في الوقت الذي تدوّن الآلة العسكرية الإسرائيلية صفحات إجرامية لن تُمحيها مفاوضات الموفدين الدوليين ولا تسويات تقاسم النفوذ الإقليمي، حتى ولو عملت المرجعية الإقليمية لمحور المُمانعة، في طهران، والتي دفعت لبنان إلى الحرب، على تمويهها بانتصاراتٍ وهمية في سوق تبادل المصالح الكبرى. مهما كانت نوعية التسويات القادمة، أكانت متوازنة أو بأرجحية ما لطرف ما من الأطراف، فإنها لن تنسينا أن وطننا قد دُمّر. يتوقّف قلمي بعد كل فكرة أدونها، لأضبط عباراتي التي أُفرغ غضبي من خلالها ضد الطرفين اللذين سبّبا الدمار لوطني، من رماني في الحرب ومن استغلّها لتدميري.
لم أرغب يوماً الابتعاد عن الواقعية في تحليلاتي السياسية لأجل الحفاظ على المبدئية، لكنني اعتمدت الربط والتجانس بين الاثنين معاً، وتبعاً لذلك، أعتقد أنه لم يحن وقت منطق المحاسبة في وطني، ممّا ينتج عن ذلك استمرارية ذهنية عدم التمييز بين المنافسة والمحاسبة، وبين الصدق والرياء، وبين الحس بالمسؤولية والتخلّي عنها لصالح الاستخفاف بشؤون الوطن. هذا في الواقعية السياسية، لكن في المبدئية، فالمحاسبة تتحوّل إلى ظلم بحال الاستنسابية فيها، إذ إن المحاسبة للطرف الذي أدخل لبنان في الحرب، وحده، تكون منقوصة، فالمحاسبة العادلة يجب أن تطال أيضاً أطراف السلطة التي أمَّنَت خلال السنوات الماضية التسويات والمحاصصات الداخلية التي أوصلت الدولة إلى الضعف وعدم الفعالية، التي سمحت للدول صاحبة المشاريع التوسّعية لبناء دويلة في الداخل اللبناني أقوى من الدولة.
الحرب نتيجة، ولكنها الحدث الأكثر صخباً وخطراً، والذي يفضح ما سبقه وتسبّب باندلاعها. يقول جبران خليل جبران “لم نعد نريد العدل في أوطاننا لأنه مستحيل، نطالب بتوزيع الظلم بطريقة عادلة فقط”. هذا كان نتيجة لغياب المحاسبة بالأساس، فنُظلم ونُظلم، لمرّاتٍ ومرّات، وفي كل مرّة ننطق بالحقيقة، نُظلم، وفي كل مرّة نُنبّه، نُظلم. ظُلِمنا عندما طالبنا الدولة اللبنانية والأطراف اللبنانين باحترام القرار الأممي 1701، وحبّذا لو أخذوا بكلامنا لكنّا تجنّبنا كل ما يحدث لنا الآن، ونُظلم الآن لأننا نُذكّر ونُحذّر من عواقب عدم احترام القرارين الأممين 1559 و1680، وسنكتشف بعد الحرب حجم الخراب والأثمان الكبيرة التي ستدفعها الأجيال المقبلة نتيجة للحرب، فلمَ القبول بعد الآن باقتسام الظلم، في حين إننا نقوم بما تُمليه علينا المسؤولية الوطنية؟.
نُصرّ على البقاء على منهجيتنا، بالنظر بعمق وبصدق إلى القضايا الوطنية، وبجدّية وليس بسطحية نيل المواقع والنفوذ والمصالح الخاصة، والتصنيف الأهم الذي نأخذ به ونعتبره، هو التصنيف الذي أعطاه يوماً المُفكّر اللبناني الحرّ، شارل مالك، فحسب قوله، إن التصنيف الأهم والأعمق للبشرية ليس حسب الدين أو العرق أو السلالة والجنس والسن والطبقة، بل حسب معيار التمييز بين الذي يبدأ تفكيره وينتهي بأن شيئاً يأتي من لا شيء، وبين الذي يبدأ تفكيره وينتهي بأنه يستحيل أن يأتي شيء من لا شيء، أي بين القائل بإمكان المعلول بلا علّة، وبين القائل بأن لكل معلول علّة، وحتى ولو كانت مجهولة”.
إذا كانت الفئة الأولى أقرب إلى الغرائزية، وحب المكاسب، وعدم البحث عن أسباب النكبات، فالفئة الثانية تذهب دائماً الى تحمّل المسؤوليات وإيجاد الحلول، حتى ولو كانت الأزمات من صنع غيرها. وفي الوقت الذي تقوم به الفئة الثانية بطرح الأمور المتعلّقة بشروط وقف الحرب، لا توفّر الفئة الأولى الغرائزية الفرصة لمهاجمتها وتخوينها وترهيبها. لذا، فان غرائزية الفئة الأولى تمنعها من التفكير السليم واللجوء إلى حكمة الاعتراف بالخطأ، لأنها تخاف على مكتسباتها وسلطاتها وتحكّمها ومشروعها، من المحاسبة. ولأن الفئة الثانية تسعى لمواجهة الأزمات بشكل مباشر، من خلال إطلاق المُحاسبة على الجميع، فستكسب منزلة القيادة الإنقاذية لهذا البلد من العذابات الطويلة الأمد، ومن الفشل المستمر.
منهجية التسويف ومسح الجوخ وبوس اللحى، سقطت، وانتهى زمنها، لأنها لم تبنِ وطناً، بل بنت علاقات نابعة من الصفات الغرائزية، فيها من الغرام والانتقام، ومن الاستغلال و”الخوزقة”، وفيها من الهمجية والكذب. أمّا منهجية بناء الدولة التي تبنّيناها، ففيها من المحاسبة ما يكفي لاسترداد حقوق الدولة والناس

.jpg)