.jpg)
لقد حدّد القاموس السياسيّ الدّولي مفهوم السيادة، بأنّها السّلطة العليا للدولة في إدارة شؤونها، في الدّاخل، وفي علاقاتها الخارجيّة. وهذا يعني، تحديدًا، أنّ الدولة، وحدَها، تمتلكُ أحاديّة القرارِ، وهي صاحبةُ السّلطة، من دون شريك، على كامل مساحة الوطن. كما أنّ لها وجهًا خارجيًّا يتمثّل في علاقاتها بغيرها من الدُّول، ضمن حدود احترام استقلال كل دولة، وعدم جَواز التدخّل في شؤونها الداخليّة الخاصّة.
واستنادًا الى هذا التّعريف، نستنتج أنّ السيادة هي ركنٌ أساسيّ من أركان الدولة، بالإضافة الى الأرض والشّعب والنّظام، وهي مُطلَقة لا تقبلُ التّنازلَ عنها، وهي حصريّة لا تقبلُ التّجزئة. من هنا، فإنّ الدولة التي تتمتّع بالسيادة، ينبغي ألّا تخضع لأيّ سلطة غير سلطتها، فالسيادة صفة ملازِمة للدولة، لا تستمدّها من غير ذاتِها، ولا يشاركها، فيها، أيٌّ غيرُها. وبالتالي، أصبحت السيادة شعارًا للكرامة الوطنيّة، باعتبارها أفضلَ تجسيدٍ لمعاني الحريّة، والاستقلال، والحقّ في تقرير المصير.
إنّ السّؤال البديهيّ، اليوم، هو : هل تملك الدولة اللبنانيّة مواصفات السيادة، في ظلِّ التدخّلِ المعروفِ الهويّة، حاليًّا ؟؟؟ بمعنى : هل نحن أمامَ مشروع مشبوه يرمي الى فرضِ استعمارٍ جديدٍ عنصريٍّ، ذي حيثيّةٍ ” كولونياليّة “، ما يذكّرُنا بسياسة التّتريك التي مارستها السلطنة العثمانية ضد الشّعوب العربية، في زمن الانحطاط ؟؟؟
لقد ” أتحفَنا “، مؤخَّرًا، بعضُ المسؤولين، من داخِلِ مساحةِ لبنان، ومن خارجِها، بتصريحاتٍ همّشت سيادة الوطن، وشرعيةَ الدولة، وهي معروفة الخلفيّاتٍ، تمامًا، أي جعل لبنان محميّةً مُنتَدَبَةً مسلوبة الحريّةِ، بهدفِ إدارتها، ببديلٍ مُحَضَّرٍ ثيوقراطيٍّ راكِد، وتفريغِ الوطن من حضورِه الدّولي، ومن هويّتِهِ الكيانيّة، واستخدامه ورقةً مُساوِمَةً على طاولةِ المفاوضات، أو التّسويات.
الحقيقةُ المُرّة هي أنّنا نعيش في ” جمهوريّةِ الموز “، وهو شعارٌ ساخرٌ، في الظّاهر، ومُرُّ في مضمونه، إذ ينتقصُ من نظامٍ غير مستقرّ، في دولةٍ حكومتها صُوَرِيّة، وأكثرُ أركانِها، وزعمائها، إمّا عملاءُ تابِعون، وإمّا دُمًى خشبيّة لا صوتَ لها، ولا صورة، بحيثُ لا نجدُ في أكثرِ مفاصلِ الوطنِ نبرةَ مواجهة، بل تَمَلُّقًا، وخُنوعًا، وممارسةً لوضعيّةِ الانبطاحِ بطريقةٍ غرائزيّة. من هنا، ينبري جماعةُ الخارج، بسفاهةٍ غير مسبوقة، وبلا مراعاة لسيادة البلاد، أو اعتبارٍ لدستورها، بانتهاكٍ موتورٍ لكرامةِ الوطن، وارتهانٍ كريهٍ لقرارِه، وتدميرٍ فاضحٍ لسلامتِه، وذلك، بادّعاءِ حقِّ الوكالةِ عن شعبِ لبنان، ومؤسّساتِه، وبتنصيبِ بعضِ ورثَةِ الشيطان، والإرهاب، والقتل، أولياءَ عليه، وكأنّنا لا زلنا في شريعةِ الغاب، ونحن كذلك.
ما أحوجَنا، اليوم، الى خطابٍ مُواجِه، جريء، قوامُهُ، فقط، الدّفاعُ عن حرمةِ لبنان السياديّة، في مقابِلِ هذا التدخّلِ الأرعن، المُنحرِف، المُستَشري في انتهاكهِ كرامة الوطن، والمتفلِّت من ضوابطِ السّلوكِ السَويِّ في مبادئِ التّعاطي السياسيّ بين الدُّوَل المستقلّة. وما أحوجَنا، كذلك، الى اصطفافٍ وطنيٍّ عام، غيرِ مُتَشَوَّهٍ بالشّعبوية، والمصلحة، والوصوليّة، ومُلتَزِمٍ بالدفاع عن سيادةِ لبنان، وهي القيمة المركزيّة العُليا من قِيَمِ المواطنة، وهي المحورُ الثّابتُ الضّامنُ حتى لا يتحوّلَ الوطنُ الى سادوم العصرِ الحديث.
ومَنْ له أُذُنانِ….