صحيفة النهار – روزانا بومنصف
قبل ساعات قليلة من وصول الموفد الأميركي آموس هوكشتاين إلى بيروت، سُرّبت أفكار قيل إنها مضمون ورقة بمطالب إسرائيل تصرّ فيها على السماح للقوات الإسرائيلية بالمشاركة في تحركات لمنع “الحزب” من إعادة التسلح وإعادة بناء البنية التحتية بالقرب من الحدود الإسرائيلية اللبنانية، وتطالب بأن يتمتع سلاح الجو الإسرائيلي “بحرية العمل” في المجال الجوي اللبناني. سارع مسؤولون أميركيون إلى القول إن “من غير المرجح أن يقبل كل من لبنان والأمم المتحدة والمجتمع الدولي أي شروط إسرائيلية تسمح باستمرار العمليات الإسرائيلية في الأراضي اللبنانية”.
وهوكشتاين بنفسه حين سئل من عين التينة عن الموضوع قال إنه لن يعلق “على تقارير مختلفة في الإعلام عن أجزاء مختلفة، ومغالطات مختلفة، وتكتيكات ومفاوضات مختلفة”. إنها السقوف المرتفعة للتفاوض من الجانبين في ظل إعادة “الحزب” تزخيم المواجهة تفادياً لأن يكون في موقع القبول بالشروط نتيجة الضعف أو الاستضعاف. وذلك في الوقت الذي تكشف فيه معطيات ديبلوماسية تراقب ما يجري ميدانياً وتملك ما يكفي من المؤشرات على أن الواقع قد لا يعكس حقيقة الأمور كلياً.
يصعب الجزم بإمكان نجاح التفاوض الذي أطلقه الموفد الأميركي حول وقف النار في لبنان وما إن كان يمكن أن يسير وفق قرار لبنان الرسمي أم ينتظر في الدرجة الأولى نتائج الجولة التي بدأها وزير الخارجية الأميركية أنتوني بلينكن من إسرائيل لإحياء محادثات وقف النار.
فهذه الجولة تسير في موازاتها مقترحات على غرار الاقتراح المصري لوقف النار في غزة على أثر زيارة قام بها مسؤولون أمنيون إسرائيليون للقاهرة بعد أيام على قتل قائد “حركة ح” يحيى السنوار. يعتقد ديبلوماسيون أن إيران تحتاج ومعها الحزب إلى هذا “الانتصار” على الأقل لأنهما لا يزالان يتمسكان بصفقة متكاملة تتضمّن إنهاء العمليات الإسرائيلية في قطاع غزة. ومن غير المرجح، حتى مع إعلان لبنان الرسمي رغبته في وقف النار من دون ذكر وقف النار في غزة نتيجة الإحراج الكبير من جراء التدمير الكبير لأملاك اللبنانيين واستشهاد الكثيرين منهم، أن تقبل إيران والحزب العودة إلى القرار 1701، مجتزأً أو كاملاً، أقله حتى الآن، من دون وقف النار في غزة. وهذا على الأقل ما قاله وزير الخارجية الإيراني من بيروت وكذلك ما ردّده من بعده نائب الأمين العام للحزب نعيم قاسم.
وكشفت فرنسا قبل يومين أنها تجري “حواراً صعباً مع طهران كي تنخرط في عملية وقف النار في لبنان”، حتى لو أن ذلك يعني للبعض أن إيران تريد هذا الحوار مع الولايات المتحدة والمقايضة معها لقاء ذلك مهما كان ما يهم طهران في هذه المرحلة.
الخشية في ضوء المعطيات الديبلوماسية نفسها في هذا الوقت إذا استمر التعثر، المزيد من انهيار لبنان وتحلل مؤسساته. ومن ثم إن الحزب الذي، وإن كان يحتفظ بقدرات صاروخية فإن حال الاستنزاف قد تقوده إلى خفض قدرته على المواجهة مع الوقت علماً بأن هذه القدرة ليست كما روّج لها أو تم توقعها لا سيما بعد اغتيال قيادته، غير آبه إزاء عدم الاهتمام الخارجي بتدميره ككيان ميلشيوي خارج سلطة الدولة اللبنانية، تماماً كما حصل بالنسبة إلى “حركة ح” التي تضاءلت قدراتها إلى حدّ كبير جداً ولو أنها لا تزال تمسك بورقة الرهائن للمساومة على إنقاذ ما بقي ولجأت إلى حرب العصابات فحسب. لا بل إن هناك اتجاهاً دولياً لعدم الاعتراض على تدمير إسرائيل قدرات الحزب العسكرية وسواها ربما والاستفادة من ذلك لإتاحة الفرصة أمام استعادة لبنان الدولة التي كان يعوق الحزب قيامها أو يمهد لأن تكون الدولة التي يصوغها هو وفق ما أضحت المواقف التي عبّر عنها مسؤولوه خصوصاً في تعطيلهم انتخاب رئيس للجمهورية. وليس قليلاً أو سهلاً، وفق أصحاب هذه المعطيات، أن يضطر الحزب إلى قصف قرى لبنانية من بعيد كان يحتل فيها مواقع أمامية يتصدى فيها لإسرائيل أو ألا يكون حاضراً فيها راهناً لمنع توغل الجيش الإسرائيلي في الجنوب. فهذا له حساباته وتقديماته، وذلك فيما يواجه الحزب تحديات داخلية جمّة ليس أقلها نزوح بيئته ومواجهته أزمة استمراره كتنظيم عسكري محلي أو إقليمي كذلك. فهذا له تداعياته الكبيرة عليه كما على إيران.