#dfp #adsense

الدولة تتقدم على الدويلة

حجم الخط

بيئة الحزب

اليوم يكتشف بعض اللبنانيين من أنصار الممانعة أو حلفائها أو ممن يعتبرون أنفسهم مستقلين، ما كان السياديون مقتنعين به من زمان، وهو أن “الحزب” مجرد فصيل تابع للجمهورية الإسلامية الإيرانية، وأن أجندته لا تقيم وزنًا مهمًا للمصلحة اللبنانية العامة ولا حتى لبيئته الحاضنة عندما يكون الخيار بين إيران ولبنان.

أما هذا الانطباع الخاطئ لدى هؤلاء، فمردّه الى شخصية الأمين العام الراحل للحزب السيد حسن نصرالله، الذي امتلك على مر السنين والتجارب حضورًا وهيبة ومكانة جعلته يبدو بمنزلة القائد الذي يملك قراره. ولم يتنبهوا إلى أن نصرالله قال أكثر من مرة جازمًا إنه جندي في جيش الولي الفقيه، وإن “موازنة الحزب ومعاشاته ومصاريفه وأكله وشربه وسلاحه وصواريخه من الجمهورية الإسلامية في إيران”.

 

أثبتت الوقائع بشكل واضح بل فاضح أن طهران تملك الكلمة العليا في كل ما يخص “الحزب” قرارًا وتوجيهًا، في السياسة كما في الميدان. فصحيح أن شخصية نصرالله كانت تخفف من وطأة النفوذ الإيراني أقله شكلًا، لكن الصحيح أيضًا أن غياب نصرالله كشف المستور كليًا، وتبيّن أن إيران تتعاطى مع “الحزب” باستعلاء وفوقية، بل إنها لا تهتم بحفظ ماء وجهه تجاه بيئته والآخرين. وإلا ما معنى الرسالة التي أبلغها وزير الخارجية الإيرانية الى الرئيسين نبيه بري ونجيب ميقاتي برفض فصل الساحات والإصرار على مواصلة الحرب بحجة دعم غزة، وهو ما تسبب بسجال لم يخلُ من حدة مع رئيس الحكومة. وقد تولى رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف ترسيخ التباين اللبناني الإيراني بقوله إن بلاده مستعدة للتفاوض مع فرنسا على تطبيق القرار 1701 ما استدعى ردًا نوعيًا غير مسبوق من الرئيس ميقاتي، علمًا بأن قاليباف نفسه استكمل هذا المسار بقوله “إن المرشد والمسؤولين والشعب الإيراني هم الركيزة الأساسية للبنانيين”.

هذا الواقع المستجد ظاهرًا، يطرح أسئلة كبيرة على البيئة الحاضنة نفسها، وعلى الباقي من مسؤولين وكوادر وعلى عناصر الحزب وأهالي المقاتلين الذين سقطوا في صفوفهم.

وأولها: بأي حق تتنطح إيران للتفاوض باسم لبنان وعن الحزب نفسه وباسم “تضحياته والدماء التي سددها لخدمة عنوان إسناد غزة”؟ وهل ترضى هذه البيئة المنكوبة والمشردة والتي فقدت الآلاف من أبنائها وأصيب آلاف آخرون بإعاقات دائمة أو بجروح بليغة، أن تكون مجرد متراس للرهانات الإيرانية؟

إن في المسألة إهانة نافرة للحزب الذي فقد أمينه العام الرمز ومعظم قياداته وخيرة مقاتليه، وما زال مستمرًا في المواجهة على الرغم من الخلل الكبير في المعادلة العسكرية، فيما لم تُصَب إيران “بغمش” ولم يتعرض أي من مسؤوليها للاغتيال أقله خلال نيف وعام على انطلاق حرب غزة.

في مطلق الأحوال، تجربة “الحزب” كميليشيا مسلّحة باتت على المحك، في ضوء الخطأ أو الخطيئة التي ارتكبها بالتورط في الحرب غداة عملية “7 أكتوبر”، ولو كان هذا التورط قسريًا تلبية للتوجيهات الإيرانية، لأن ثمنه بات غاليًا جدًا، وهو يستدعي، في ما لو أن السيد نصرالله ما زال حيًا، أن يقول مجددًا “لو كنت أعلم”، أو “لم يكن باليد حيلة”.

 

وليس في الأمر حرج إذا اعترف بعض الأصوات الشيعية بأن سمير جعجع كان على حق منذ اللحظة الأولى بالدعوة إلى عدم الانغماس في وحول الحرب، بل وتوجيهه ما يشبه النداء للخروج منها، وهو الذي حرص منذ التصاعد الخطير في المواجهة مع عملية تفجير أجهزة “البيجرز” على التزام الصمت والتحفظ من رأس الهرم الى القواعد الحزبية وتجنّب كل ما يوحي بشماتة أو تشف، بل إنه قال خلال حلقة “صار الوقت” في الرابع عشر من تشرين الأول ردًا على سؤال حول تعليقه على اغتيال نصرالله: “بالنسبة لي لا خصومة على الصعيد الشخصي، طبعًا لم أكن سعيدًا باغتياله، والمسألة ليست إن شعرتُ بالحزن أم لا”.

على أن “القوات اللبنانية” التي راهن كثيرون من أصحاب النوايا السيئة على ردات فعلها سلبًا، فوجئوا بأنها حرصت حيثما أمكن على تقديم العون واستقبال النازحين في أبرز المناطق المحسوبة عليها على غرار منطقة دير الأحمر، أو حرصت على تجنيب بعض المناطق الحساسة أي احتكاكات كالأشرفية، من خلال الاكتفاء باستقبال النازحين كعائلات في الشقق الخاصة، فضلًا عن التشديد مع المرجعيات الأمنية المتمثلة خصوصًا بالجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي على معالجة أي إشكالات من خلال التنسيق اللصيق والتواصل الدائم معهما.

إن البيئة الحاضنة لـ”الحزب”، مدعوة اليوم لإعادة قراءة الواقع بهدوء ومنطق، على الرغم مما تعاني من وجع وخيبة، وأن تتخلى عن شعارات صُوِّرت لها كحقائق مقدسة أو لا تُمس، تجنبًا لمزيد من الإحباط. فالمسألة لم تعد مجرد مكابرة وإنكار، بل ثمة تحولات جذرية في المعادلة التي كانت قائمة، وهذه التحولات ليست بسبب الحملة العسكرية الإسرائيلية غير المسبوقة على الحزب فحسب، لأن “الحزب” ومن خلفه إيران يتحمّلان التبعات الكارثية الراهنة بسبب الإصرار على التورط  تحت عنوان وحدة الساحات، كما أن الساحة اللبنانية كانت تؤكد أكثر فأكثر على صعود التوجّه السيادي، وإلا لاستطاع “الحزب” وحلفاؤه فرض مرشحهم للرئاسة. ولكن تبيّن أن تكديس السلاح والاستقواء به لم يتح للحزب التحكم الكلي بالدولة ومفاصلها ولا سيما بمختلف وجوه الحياة السياسية، وإذ بهذا السلاح يتدرّج من مرتبة الفاعلية بذريعة مقاومة إسرائيل مرورًا بانحسار سطوته بعد الفشل في ترجمتها عمليًا على الواقع السياسي، وصولا ٍإلى تحوّله عبئًا ثقيلًا، وسيكون مصيره بالتالي في صلب المخارج التي ستطرح بعد وقف إطلاق النار ولو طال انتظاره.

 

أما في ما خص البيئات الأخرى، فإذا كانت البيئة السنيّة تراوح بين تعايش صعب مع النزوح من الجنوب والضاحية لا سيما في بيروت، فإن المسألة تبدو أسهل في طرابلس والشمال وصولًا الى عكار حيث الحالة التي يمثلها النازحون مضبوطة الى حد كبير والإشكالات قليلة نسبيًا باعتبار أن هذه المناطق لا تتحمّل وجود مجموعات تعتبرها في موقع الخصومة ويحمل أفرادها السلاح.

وبالنسبة للبيئة الدرزية، فإن واقع النزوح لديها يتم ضبطه بتنسيق منظم مع الحزب التقدمي الاشتراكي بشكل خاص لتجنّب أي إرباكات، لا سيما وأن الذكريات المشؤومة لـ7 أيار 2006 ما زالت ماثلة في الأذهان.

واللافت أن البيئة المسيحية الأكثر تنوّعًا في السياسة تتعاطى بعامة بشيء من الحذر مع النزوح المستجد، سواء بهدف تجنيب المناطق المسيحية وزر الغارات الإسرائيلية أو لتفادي صدامات مع النازحين الذين يحملون أسلحة فردية بنسبة تقارب الـ10 في المئة منهم، لكن الترتيبات قائمة مع الجيش على منع أي ظهور مسلّح وعلى معالجة أي خلاف أو إشكال بسرعة وحكمة، باعتبار أن التضامن الإنساني شيء والحسابات السياسية شيء آخر.

لبنان اليوم في قلب العاصفة، وقد تكون هذه العاصفة هي الأخيرة بما يعيد المشهد اللبناني إلى توازنه، أقله مع التخلي عن معادلة غالب ومغلوب والتي تصرفت على أساسها الممانعة على مدى عقود عدة، على أن يتم الانكباب بعد هدوء العاصفة وإنجاز الاستحقاق الرئاسي، على كيفية الوصول الى تركيبة تمنع تكرار المآسي والحروب والأزمات الدستورية، وتحفظ للمجموعات اللبنانية حقها في الاختلاف والنمو في إطار التعددية الفعلية تحت سقف الدولة والوطن الواحد.

 

أنطوان مراد ـ مستشار رئيس حزب “القوات اللبنانية” لشؤون الرئاسة

كتب أنطوان مراد في “المسيرة” ـ العدد 1758

الدولة تتقدم على الدويلة

حزب الله: سقطت الهيبة وحلّت الخيبة

إقرأ أيضًا 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل