#dfp #adsense

خاص – أي رئيس نريد للبنان.. رئيس “توافقي” أم رئيس “وفاقي”؟ (الدكتور دريد بشرّاوي)

حجم الخط

للبنان

الدكتور دريد بشرّاوي

أستاذ القانون الدولي الجنائي في جامعة ستراسبورغ ومستشار أول في المحكمة الجنائية الدولية، محام عام دولي أسبق في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.

تَطرح مسألة انتخاب رئيس جديد للبنان مشاكل معقدة وشائكة تكاد تؤدي الى تفكك الصيغة اللبنانية الحالية، أضف الى ذلك الفراغ الدستوري الذي طال أمده والذي قد يطيح بالكيان اللبناني بأكمله، ما دفع بالعديد من الاطراف الدولية والاقليمية وحتى ببعض المرجعيات اللبنانية السياسية والدينية الى القول بضرورة الاتفاق على رئيس تتطابق مواصفاته مع المعايير التي تطرحها غالبية القادة السياسيين اللبنانيين والدول المؤثرة او الفاعلة على الساحة اللبنانية. لذا بدأت بعض الجهات السياسية “المسترئسة”، تستعمل، خلال “بازاراتها” الرئاسية مع الرئيس بري والقطريين وفي تصريحاتها ومواقفها، تارة عبارة “الرئيس التوافقي” وتارة اخرى عبارة “الرئيس الوفاقي” الى حد دفع البعض الى الاعتقاد بأن الرئيس “التوافقي” هو فعلا رئيس “وفاقي”، ما لا ينطبق البتة على واقع الحال، وان اعتبر قسم من الساسة او من تشبّه بهم أن هذه العبارة أو تلك تحمل المعنى السياسي عينه.
ان عبارة “رئيس توافقي” ترادفها في اللغة الفرنسية كلمة “Président consensuel”، ما يعني، إذا ما اخذنا في الاعتبار الواقع السياسي اللبناني وما تمثل هذه الكلمة في قاموس بعض القيادات السياسية اللبنانية الواقعة تحت تأثير “اثارة” و”شهوة” الرئاسة، ان الرئيس “التوافقي” هو الرئيس الذي اختارته “قبل انتخابه” مجموعات او قوى سياسية متخاصمة على اساس تقاطع مصالحها المشتركة، وعلى اساس مفاوضات ومساومات ادت الى تفاهم مشترك بينها على تقاسم السلطة ومغانمها وعلى الحصول على ضمانات تُحفظ بموجبها لكل طرف طموحاته ومطالبه وحصته في “مزرعة” الوطن، كما تضمن ايضا مصالح الجهات الدولية او الاقليمية التي تتلقى الاطراف المتوافقة الدعم منها، كل ذلك من خلال اتفاق استباقي يوضع خلسة قبل العملية الانتخابية، او عملية تنفيذ العقد السياسي المتعلق بشخص الرئيس الذي قُّرِرَ له بأن يتسلم زمام الرئاسة. فتنطلق والحالة هذه اجراءات تعيين الرئيس المنتظر على اساس التفاهم الذي قد يحصل بين ممثلي القوى السياسية الاساسية في البلد حيث توضع مواصفات الرئيس وشروط هذا التفاهم تحت عامل تأثير التدخلات الخارجية والدعم الذي تتلقاه هذه الجهة او تلك من دول اقليمية او دولية. وبقدر ما يكون الدعم الاقليمي او الدولي المقدم لهذا الطرف او ذاك فاعلا وحاسما، بقدر ما تكون نسبة قرب الرئيس التوافقي او المتفق عليه الى هذا الفريق او ذاك مرتفعة. ويبدو بذلك ان الرئيس “التوافقي” هو رئيس لا طعم ولا لون ولا موقف ولا قيمة له، رئيس لا يؤدي اي دور ايجابي في عملية اختياره سوى الخضوع لرغبات وطنية وحتى اجنبية جمعتها وحدة الهدف الكائن في ان يحقق كل طرف ما يطمح اليه عبر الاتيان برئيس يضمن لكل جهة حقوقها المشروعة او المزعومة ومنها طبعا حقوقها الطائفية، رئيس يكون عليه التعهد بالمحافظة على الاستمرار السياسي لكل طرف من الأطراف، وبحماية انجازاته وان كان على حساب المصلحة العامة ومصلحة الدولة وسيادتها وقرارها الحر. وعليه فان الرئيس “التوافقي” هو الرئيس الذي يعتقد البعض ان بإمكانه ان يحقق لكل طرف سياسي ما يبتغيه، وان يطمئن هواجسه الخاصة المنبثقة من واقعه السياسي والاجتماعي والاقليمي وحتى الدولي، وان يقر بضرورة مشاركته الفعلية في السلطة، وان يؤمن مصالح من يرعاه ويشد أزره من الجهات الاقليمية او الدولية على الساحة الداخلية اللبنانية. وتتم بذلك عملية التوافق على الرئيس بغض النظر عن المصلحة الوطنية العليا، للتحكم بتأثيرات الميول السياسية الانانية والخاصة بطريقة تخال معها ان الوطن أصبح شركة تجارية يتنافس فيها الشركاء على تعيين رئيس عام لها او مدير يؤمن مصالحهم ويمكّنهم من السيطرة على زمام امورها والحصول على أكبر قدر ممكن من الربح التجاري الخاص. وعلى هذا المنوال، فان الرئيس التوافقي الذي يؤتى به على اساس هذه المحاصصة، يتحول الى مدير يقسّم الارباح والمغانم والسلطات والمراكز بالتساوي بين الافرقاء السياسيين الذين قرروا تعيينه رئيسا توافقيا.
اما كلمة “رئيس وفاقي” او رئيس موحّد وجامع فترادفها في اللغة الفرنسية عبارات ؛Président conciliateur et président rassembleur ou unificateur، ما يعني ان الرئيس “الوفاقي” هو الرئيس الذي بإمكانه أن يجمع غالبية نواب الأمة حول رؤيته وتطلعاته السياسية أو مشروعه السياسي وحول شخصيته بمعزل عن اي مصلحة خاصة او مكسب او مغنم ذي طابع مناقض لمبادئ سيادة الدولة اللبنانية واستقلالها وقرارها الحر ولقاعدة المساواة بين كل اللبنانيين، هو رئيس يتم اختياره بالانتخاب الديموقراطي الدستوري، وليس بالاتفاقات الجانبية والمسبقة والقائمة على المصالح الفئوية والخاصة والمساومات، على اساس انه الشخص الافضل او الوحيد القادر والمؤهل ان يجمع شمل اللبنانيين في بوتقة واحدة، وأن يكون رمز وحدة الوطن والرئيس الذي يدافع عن مصالح لبنان العامة وعن حرية ابنائه وكرامتهم والعيش المشترك في هذا الوطن. الى ذلك فان الرئيس “الوفاقي” هو الذي يحقق الوفاق على توجهاته ومخططاته السياسية، وهو الذي يدفع الاطراف السياسية المختلفة الى القبول به بالتأسيس على مواصفات شخصيته الحميدة ومنها الحكمة والحنكة السياسيتين، وعلى مشروعه السياسي المستقبلي الذي يساعد على اعادة الثقة بالاقتصاد اللبناني وبالعملة الوطنية.
الرئيس “الوفاقي” هو الرئيس الذي يجسّد في تصوره السياسي ارادة الشعب اللبناني اولا واخيرا، والذي يمكنه بفضل حكمته ان يوحّد هذا الشعب ويخرجه من مستنقع الصراعات الفئوية الطائفية ومن درك التبعية للزعامات التقليدية المبنية على اسس الطائفية والاقطاع السياسي والعائلي.
هو الرئيس الوفي لدم شهداء حرية لبنان واستقلاله وسيادته، والذي يحرص بكل ما اوتي من قوة على كشف هوية قتلة الشهداء الذين سقطوا بفعل اعمال ارهابية نكراء وكان آخرهم الشهداء لقمان سليم، الياس الحصروني وباسكال سليمان، وعلى محاسبة الفاعلين والآمرين والمخططين امام قضاء جزائي مختص، رئيس لا يغطي المجرمين القتلة ومن يقف وراءهم من دول او منظمات ارهابية، رئيس لا يساوم على سيادة الدولة اللبنانية ولا يتنازل عن قرارها الحر ولا يجعل من حزبه غطاء مسيحيا لدويلة السلاح على حساب سيادة الدولة، يؤمن بضرورة ان يبسط جيش لبنان وحده سلطته على التراب اللبناني كاملا من دون شريك او منازع تطبيقا للدستور اللبناني ولكل مدرجات القرارات الدولية المعنية بلبنان وعلى رأسها القرارات 1559، 1680 و1701، رئيس يعيد احياء اتفاقية الهدنة مع اسرائيل التي هي بالنسبة لطرفَيها المباشرَين، إطار قانوني لضبط النزاع بينهما وأداة للحفاظ على الأمن والسلم الدوليَين بالنسبة للأمم المتحدة، رئيس يعمل على تعزيز قدرات الجيش اللبناني ونشره على الحدود الدولية المرسّمة مع اسرائيل وسوريا، رئيس لا يوافق على وجود اي سلطة او مجموعة مسلحة لبنانية أو غير لبنانية على ارض لبنان خارج اطار الشرعية اللبنانية مهما كانت دوافع تسلحها، رئيس لا يقبل بمنطق الدويلات والمزارع والاقطاع والمحسوبيات، رئيس نظيف الكف لا يخجل بماضيه ولا بحاضره، رئيس يعمل على ضمان فصل السلطات واستقلالية القضاء اللبناني وتطهيره من بعض القضاة الفاسدين والتابعين، رئيس يمكنه ان يحارب الفساد والمفسدين والفاسدين، وان يفرض مبدأ المحاسبة والمساءلة وفقا لإحكام القانون وعبر المؤسسات السياسية والقضائية المختصة، رئيس يحترم احكام الدستور ويعمل على تعديل بعضها لاسيما الغامضة منها وتطويرها لتلافي كل مشاكل التفسيرات المختلفة والفراغ في المؤسسات الدستورية وخصوصا في سدة رئاسة الجمهورية، ما يساعد على ازدهار لبنان واعادة اعماره سياسيا واقتصاديا.
الرئيس “الوفاقي” هو رئيس لكل اللبنانيين من دون تمييز، يمكنه ان يكون فعلا رمز وحدة الوطن، رئيس يطمئن كل الفئات اللبنانية من دون استثناء، ويزيل الاسباب التي تشعر هذه الفئة او تلك بأنها مهددة في ديمومتها او في وجودها في وطن الارز، او بأن عليها ان تكون مرة اخرى من اهل الذمة في هذا الشرق، او بأن تعتمد سياسة المحاور والتحالفات، او ان ترتمي في احضان فئة اخرى او دولة ما، ليس لشيء الا حماية لوجودها، رئيس يُشعر المسيحيين خصوصا بالاطمئنان الى مستقبلهم في هذا البلد ويعيد اليهم مكانتهم وتمثيلهم العادل في السلطة وحقوقهم كاملة من دون انتقاص كما نص عليها اتفاق الطائف، وذلك لإنهاء الخلل الحاد الذي اصاب هذا التمثيل على مدى ثلاثين سنة من الوصايتين السورية والايرانية. الرئيس “الوفاقي” يكون ايضا رئيسا يواجه المشاريع والميول الدينية المتطرفة، ويؤمن بأن لبنان لكل ابنائه بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية او السياسية او الفكرية. هو رئيس يؤمن بلبنان الـ10542 كلم مربعا، رئيس واجه سلطة الوصاية ودويلة السلاح ولم يمالئ مسؤوليها، وتصدى سياسيا او فكريا لأعمال الاستبداد والتعذيب والترهيب التي تعرض لها شباب لبنان المقاوم على مدى سنوات طويلة، رئيس لا يقبل بأي تدخلات خارجية اقليمية او دولية صديقة او غير صديقة في شؤون لبنان الداخلية، رئيس يضع مصلحة لبنان فوق كل اعتبار، ويؤمن بمبدأ محاسبة الذين نكلوا باللبنانيين وافتعلوا جرائم حرب وابادة وضد الانسانية فيه على مدى سنين طويلة ومنها على الأخص الجناية ضد الانسانية التي أدت الى تفجير مرفأ بيروت، رئيس يعمل جديا على محاسبة مرتكبي هذه الجناية الأخيرة أكانوا محرضين أو مشتركين أو متدخلين أو مخططين، وعلى كشف مصير المخفيين اللبنانيين في غياهب السجون السورية وفي غيرها من السجون.
ان التوافق على المصالح الخاصة وعلى تقاسم المكاسب والسلطة في البلد لا يؤدي الى اختيار رئيس وفاقي يجمع شمل اللبنانيين، بل الى اختيار رئيس ضعيف لا لون، لا طعم ولا حول ولا قوة له، عديم الرؤية السياسية والتطلعات الوطنية، الى رئيس لوحة يصبح عاجزا عن القيام بمهماته الرئاسية كما يجب بفعل الصفقة التي اوصلته الى سدة الحكم.
لا يخفّن أحد من عدم توافق الزعامات السياسية على رئيس “توافقي”، اذ ليس كل رئيس توافقي يمكنه ان يحمل في جعبته مشروعا وفاقيا، والتوافق السياسي على شخص الرئيس لا يعني في كل الاحوال ان هذا التوافق يحمل الخير والامان والحلول الوطنية الناجعة للوطن الجريح. هناك العديد من الشخصيات التي لا تصلح ان تكون “توافقية”، لكنها تجمع في رؤيتها وتطلعاتها السياسية مواصفات الرئيس “الوفاقي”، والدليل الساطع على ذلك انتخاب القائد الشاب الشهيد بشير الجميل رئيسا للبلاد في وقت لم يحظ فيه على اي توافق وطني مسبق على شخصه. فبشير برهن منذ اليوم الاول لانتخابه انه رئيس وفاقي بامتياز وجامع وموحد لكل اللبنانيين، وذلك بفضل مشروعه السياسي، بما كان يتمتع به من شخصية قوية فذة ومن حنكة وحكمة فائقتين وبتوجهاته الرئاسية الوطنية التي كانت تقوم على أساس مصلحة لبنان اولا وعلى اساس توحيد ابنائه من دون اي تفرقة او تمييز. كذلك كان الحال بالنسبة الى الجنرال ديغول الذي استطاع جمع شمل الفرنسيين، وبناء جمهورية خامسة عظيمة على أسس الديموقراطية ومبادئ الفصل بين السلطات والرقابة على دستورية القوانين والمحاسبة العادلة، حيث أصبح قوام هذه الجمهورية وحدة الشعب الفرنسي وحريته وسيادته بعدما تحرر من نير الاحتلال.
فأي رئيس تريدون يا نواب الأمة؟ أتريدون رئيسا يقوده أفرقاء الوطن لا طعم ولا لون ولا موقف له؟ أتريدون رئيسا “توافقيا” من دون مشروع سياسي أو رؤية سياسية؟ أم تريدون رئيسا “وفاقيا” حكيما، رئيسا فعليا يدير البلاد بمشروعه الوطني وبحكمته وبقدرته على مواجهة الأزمات وعلى الدفاع عن لبنان السيد الحر والمستقل في المحافل الدولية؟ رحمة بما تبقى من وطن الأرز، اذهبوا حالا الى المجلس النيابي. انتخبوا بشيرا حكيما “وفاقيا” وانقذوا الوطن من الانحلال والزوال قبل فوات الأوان.
فمَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ.” (متى 11: 15)

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل