.jpg)
عندما نتكلم عن الظاهرة الصحية في بلادنا، بالرغم من الكوارث والنكبات التي تطفو على سطح الأحداث، وتسطح رقبة البلاد تحت شفار مقاصل الموت، نعني، بذلك، استمرار غلبة جرأة التعبير على أسلوب الذين لا يزالوا يمارسون الاستقواء، ونعني، أيضا، تفوق الكلمة المجابهة على ذهنية المكبلين بكليشيهات يرددونها، بشكل دونكيشوتي لن تقيم لها وزنا حتى طواحين الهواء.
غادة أيوب، ساحة حاضرة للتصدي لأولئك المحتاجين الى ترميم منطقهم، والقابعين في غيبوبة عن العقل والروية والتفكير السوي، يديرهم مهندس للصوت يعمل على تعديل الطبقات، لتصبح كلها طبقة واحدة مملة تتكرر. فما نسمعه منهم، من على الشاشات، ومن خلف الميكروفونات، هو استعادة ممجوجة تذكرنا بالعصر الستاليني الآحادي النبرة، وبلهجة عالية التردد، وكأنها إشارة الى الغير، كل الغير، لكي يلتزم السكوت. لكن غادة أيوب التي اعتادت خطابا ذا مساحة واسعة من الحرية، والجرأة، هي نتيجة حتمية لرفض موجة القمع، وصد الأمر بكم الأفواه والعقول التي أرادوا أن ينشروا فيها وباء خبيثا هو العقم.
غادة أيوب تمتلك حلا وطنيا ترشيديا، تختصره بقولة ” لا “. لا، للضرر التشويهي الذي يطال سلامة عقول الناس، والذي يريد أن يرسخه بصامون بصارون، ذوو ألقاب متوسلة بالجملة، مفلسون، بعيدون عن الموضوعية والكياسة، وكأن رذاذ موجات الذكاء لم تبلل أمخاخهم. لا، لتوسل خطاب إيديولوجي يثور العنصرية، ويفرض أجندة تستنهض الانقلاب على الوطن، وتسوق لمشروع مشبوه يهدف الى انتداب جديد، أو استعمار مرفوض يسعى الى بسط حيثية ” كولونيالية “، أين منها سياسة التتريك في عصور الانحطاط. لا، للهيمنة الأمنية الاستقوائية التي تهمش شرعية الدولة، ومؤسساتها، والتي تبرمج لاستراتيجية تحكم القبضة على مفاصل السلطة، وتهدم مقومات الكيان، وتشلع الهوية والسيادة. لا، لتدعيم الانتماءات الدينية والعشائرية التي ترسخ التعصب، والانغلاق، وتقلص حتمية الولاء للوطن. لا، للاستيلاء على قرار الحرب والسلم، وزج لبنان في أتون حرب عبثية مدمرة لما نزل نشهد ويلاتها، حتى الساعة، ما يجعل البلاد تعبر زمن تراجيديا الأمن، والسلامة، وأحلام المستقبل، لتسود، في شعبها، الخيبة، والخوف، والدم، ونزيف الضحايا، والنزوح… فينبغي لمن يكتب عن مجريات اليوم، في الأواتي من الأيام، أن يقدم مقاله بعنوان: “يوم بكى لبنان”…
غادة أيوب، أيها السادة، واحدة من المفكرين المتنورين، في مزاجها عصب لبناني حار، يكتب وطنيته بماء الذهب، فهي تؤمن بالحاجة الى تبصير الشعب بالحاجة الى تحولات عميقة في بنية المجتمع، وفي الثقافة السياسية، انطلاقا من تأكيد للمبدأ الديمقراطي على أنه عملية بناء وتأسيس تبدأ بالإنسان، وتوسع رقعة الحرية والمشاركة. من هنا، فمرتجى غادة أيوب، ومعها من يجهدون لإعادة الوطن الى الوطن، هو بلورة أهداف وطنية أسلوبها التأطير، والتنشئة، والتثقيف، والتوعية، للوصول الى الأفضل، والأعدل، والأرقى، وما ذلك سوى مشروع حضاري متكامل يرسخ مفاهيم جديدة جدية للحرية، والعدالة، ولأيديولوجية الانتماء، بحيث لا تخبو آمال التقدم بالتغيير.
غادة أيوب، عندما وضعت الإصبع على ما يجري، من قفزة بهلوانية أودت بالبلاد الى السقوط في الهاوية، ومن صدمة شكلت واقعا أشد قبحا من جهنم، لم تكن مداخلاتها أهازيج نارية، إنما خضة لليقظة، بصرخة لها صدى، وبموقف ملتهب مستند الى ما في شخص غادة من كرامة حرة، ومن إيمان بأن الكرامة مواجهة وليست استجداء.
حسب، غادة أيوب، أيها السادة، أنها، بنبضها الوطني، انتصرت للبنان بشجاعة، فما كان الخوف، يوما، سلطانا يحكم الشجعان.