
في مثل هذا اليوم رحل الفنان الكبير ملحم بركات وهو صاحب أجمل حنجرة بين مطربي هذا العصر وصاحب جملة موسيقيّة متجددة دائمًا في الطرب الشرقي، موهوب، عنيد، صلب وظريف.
لذلك ارتأت الدائرة الثقافية في جهاز الإعلام والتواصل في “القوات اللبنانية” أن تلقي الضوء على مسيرته التي تضمّنت الكثير من الكفاح والشغب في الفن والغناء. حكايته بدأت في كفرشيما عام 1962، من والد مارس الفن كهواية، يدندن على العود ويرندح أغاني محمد عبد الوهاب وملحم يصغي إليه بإهتمام، يتأمّل أصابع يديه ويتعلّم. عندما كان يغيب الأب، كان “الصبي” يقفز إلى ظهر الخزانة ويلتقط العود ويأخذ في الطنطنة والضرب على الطبلة، فيتجمّع الصبية حوله ويصفّقون له وينادونه “مطرب الضيعة”.
في الثانية والعشرين، أصبح ملحم أستاذًا يُعلّم العزف على العود، علمًا أنه درس العود عبر مراقبة الآخرين، معتمدًا على أذنه الموسيقيّة وتحكّمه السليم في الإيقاع.
كان ملحم يستمتع بالغناء لعبد الوهاب ولا سيما قصيدة “عاشق الروح” من جهة، وأغاني “أم كلثوم” من جهة أخرى. إشتهر في كفرشيما، ثم طلب منه مرة العزف والغناء بين فصلي مسرحية “جنفياف”. هناك، لفت انتباه الموسيقي حليم الرومي الذي أثنى على موهبته.
بعد ثلاثة أعوام، تعرّف إلى عصام رجّي الذي سمع عنه الكثير، فانضمّ بواسطته إلى الأخوين الرحباني. لكن بعد أربعة أعوام قرر تركهما باحثًا عن خط جديد في التلحين لما يمتلكه من موهبة كبيرة في هذا المجال. تعمّق في التلحين حتى كانت الأغنية الأولى “بلغي كل مواعيدي” لجورجيت صايغ، تبعتها ألحان أخرى لمسرحية “حلوة كتير” مع صباح، وقدّم إليها ثلاث أغاني معروفة “المجوّز الله يزيدو” و”صادفني كحيل العين” و”ليش لهلق سهرانين” التي نالت شهرة كبيرة.
لكن مع اندلاع الحرب في لبنان، مرّ ملحم في فترات فقر وظلم وعوز دائم، فلجأ إلى صديقه الشاعر المرحوم شفيق المغربي الذي تعاون معه، فكانت أغنية “أبوك مين يا صبيّة” التي فتحت أبواب الحظ والشهرة أمامه وكرّت سبحة أغانيه “علواه يا ليلاه” و”عود يا حبيب الروح” و”يا لايمة ليش الملام” وتوّجها في أغنية “على بابي واقف قمرين” و”و”فرح الناس” و”حبيبي أنت”…
لم يكتف ملحم في تحقيق إنجازات شخصيّة، بل قدّم ألحانًا لمغنين ناشئين بلغوا ذروة الشهرة بفضل موهبته.
في 28 تشرين الأول 2016 رحل ملحم بركات بعد صراع مع المرض، هو الذي غنّى “صار بدنا حريق” عندما هاله وضع البلد، إلا أنّه في قرارة نفسه، لم يكن يحب وطنًا كلبنان، تمسّك بالبقاء فيه طيلة أيام الحرب، وتمسّك بتلقي العلاج في بيروت، حيث أسلم الروح، تاركًا خلفه إرثًا فنيًا كبيرًا لا تزال تبثّه وسائل الإعلام حتى اليوم، يُفرح الجيل القديم والجديد.