
الحروب تُقرأ بنتائجها، تماماً كالمختبرات العلمية بتقاريرها، حين تُصدر أبحاثاً ودراسات مُثبتة علمياً. وكما تختلف أهمّية المختبرات، تختلف أيضاً العِبر الناتجة عن الحروب حسب أهمّيتها. فبعض الحروب تدوّن فصولها في الكتب التاريخية والمناهج التعليمية، وأحد هذه الفصول ستكون الحرب الدائرة حالياً بين إسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، إمّا مباشرةً في بعض الأحيان، وإمّا بأذرعها في معظم الأوقات. وستحتلّ أحداثها مساحة مهمّة من مجلّدات المؤرّخين والخبراء التقنيين والعسكريين والسياسيين، والدبلوماسيين أيضاً، لكثرة ما نشهد حتى الآن خلال جولاتها المتعدّدة من مناورات متنوّعة، دبلوماسية وإعلامية ودعائية متلازمة مع الجولات العسكرية.
من أهمّ الدروس التي تمّ التقاطها من البدء، هي أنه بغضّ النظر عمّا تقوم به الأنظمة والمنظّمات التابعة لها، من عسكرةٍ لشعبها وأدلجةٍ لأتباعها ورفعٍ لنبرة صوتها، فإن الركيزة الأساسية التي تُسهم في النصر العسكرين تكمن في مدى تأمين السلطة السياسية للتقنيات التي تسمح بتطوير القوى العسكرية المُقاتلة. هذه المعادلة ظهرت بوضوح منذ اللحظة الأولى لاندلاع الحرب الحالية، في التفاوت الشاسع بين إمكانيات الجيش الإسرائيلي وإمكانيات القوة العسكرية الرسمية الإيرانية وأذرعها، ما فرض واقعاً غير تقليدي للمعارك الحاصلة، فباتت السيطرة الإسرائيلية الجوّية والتكتيكية والمخابراتية كبيرة إلى حدّ عدم فتح المجال لأي توازن يُذكر بين الجهتين.
ثم جاءت المواجهات الميدانية التي كان من المتوقّع أن تشهد بعض التوازن النسبي بين الطرفين، لتُكمل المسار الذي فرضته إسرائيل من البدء، حيث عاجلت في ضرب قيادات المحور قبل انطلاق المعركة الميدانية، لتقضي على أي أمل بالمواجهة المتعادلة، أضف إلى هدفها المُبيّت من التباطؤ في الاختراقات الميدانية، ليتبيّن أنه لتجنّب دفع الأثمان الكبيرة من العسكر، مستعيضةً عن ذلك بشنّ حرب استنزافية طويلة الأمد لم يكن يتوقّعها الطرف الإيراني، الذي أوهم نفسه على مدى السنوات العشرين الأخيرة، بانتصار لم يُحقّقه في حرب 2006 التجريبية.
هزم التطور التقني والمخابراتي والبحثي والمعلوماتي، العسكرة الغبيّة، وتقدَّم التطور الاقتصادي على الأدلجة المتزمّتة، وتفوَّق الاستقرار المالي والاجتماعي على الأوهام والبطولات والتضليل الإعلامي. كما نجح التطور الاقتصادي والتقني والسياسي والاجتماعي، بضرب القوة الأكثر تطويراً للأجهزة القمعية والأيديولوجية في العالم الحديث، في مهدها.
نجد في كتب التاريخ أمثالاً كثيرة ومقارنات دقيقة، بين المحاور ذات القدرات الاقتصادية العالية، والمحاور ذات العسكرة والأدلجة. ففي القرن الماضي، زمن الحرب الباردة بين محور الاتحاد السوفياتي والمحور الغربي، سقط في نهايته محور السوفيات، ليس بضربة عسكرية تلقّاها، بل باهتزازٍ داخلي سياسي نتيجة محاولات إصلاحية داخلية، لم تفلح بايجاد حلٍّ للأزمات المالية من داخل النظام، بل فقط بإسقاطه كلياً، وما محاولات إنعاش الاتحاد الروسي من قبل الرئيس الحالي فلاديمير بوتين اليوم، إلا البرهان على أولوية الاقتصاد على العسكرة. فمشروع بوتين الحالي لإنشاء مجموعة دولية مالية بديلة عن عملة الولايات المتحدة الأميركية، أي “البريكس”، يشي بإدراكه أنّ العسكرة المترافقة مع الأزمات المالية والاجتماعية والانغلاق الداخلي، لن يوصل إلى امتلاك مفتاح السيطرة الدولية.
والمثل الثاني الذي يمكن أن نستند اليه، هو الحروب العربية – الإسرائيلية التي انتهت دائماً لصالح إسرائيل، بالرغم من القدرة العسكرية التي أثبتتها الجيوش العربية على تحقيق توازن عسكري في عدد من المعارك الميدانية، ولكن الغلبة بالنهاية كانت من حصّة التقدّم التقني والنوعي، وفي ترجمة ذلك مكاسب سياسية.
أمّا المثل الذي نستخلصه من زمننا هذا، فهو المقارنة بين كوريا الشمالية، التي لا توفّر شهراً من أشهر السنة إلا وتستعرض فيه صواريخها الباليستية، من أجل ابتزاز كوريا الجنوبية والولايات المتحدة الأميركية مالياً. فالتسلّح والعسكرة اللذين أنفقت عليهما المليارات بدل إعالة شعبها الفقير، لم يجلبا لها تقدّماً إقليمياً، وها هي تبتزّ خصومها الذين حقّقوا التقدّم الاقتصادي، لتسدّ نواقصها الناتجة عن تخلّفها الاقتصادي، مستندةً على فرصة ابتزاز الدول صاحبة الاستقرار المالي والاجتماعي والسياسي، التي تُفضّل تجنّب الحروب حفاظاً على السلام الذي تتمتّع به، وهذه زاوية أخرى تفتح لنا الباب لاستخلاص عبرة أخرى من الحرب الإسرائيلية – الإيرانية الدائرة.
فمحور المُمانعة استند في فتح حرب وحدة الساحات على حسابات خاطئة، عندما اعتقد أنّ إسرائيل غير مستعدّة لدفع أثمان الحروب، وأنها تفضّل التسويات حفاظاً على الاستقرار. لكنّ إسرائيل المتقدّمة علمياً وسياسياً وبحثاً، فاجأت حسابات المحور بدخولها حرباً طاحنة، تعمل من خلالها على رسم مرحلة جديدة للمنطقة، تسمح لها بإبعاد الخطر المصيري الذي هدّد وجودها منذ نشأتها، وتفوّقها العلمي والتقني والبحثي والمخابراتي فسح لها المجال لتحوّل الفخ الذي نصبه لها محور الممانعة، إلى فرصة للاندماج في المجتمعات الشرق أوسطية.
من خلال الحرب الدائرة، نصل إلى خلاصة أن “للصبر حدود”. فمحور المُمانعة الذي تمادى في سياسة ابتزاز الدول الإقليمية والكبرى، دفعها جميعها إلى اعتبار استمراره بمشروعه مصدر إزعاج وإعاقة لمصالحه وللاستقرار المُزمع تحقيقه في المنطقة، والمُناسب للمشروع الاقتصادي الضخم المُخطّط له، والذي لا يُمكن البدء به من دون تأمين الاستقرار الأمني. إن عنجهية قيادات المحور وانسداد أفق رؤيتهم نتيجةً لتعنّتهم الأيديولوجي وتخلّفهم الثقافي، ورفضهم للانفتاح الفكري والاعتراف بالآخر، أدّى بهم إلى عدم الانتباه إلى أن مرحلة التسويات التي استغلّوا من خلالها غنج الإدارة الأميركية “الأوبامية” لهم، قد انتهت، وأنّ المناورات الدبلوماسية التي لا يزال الموفدون الأميركيون يقومون بها تناغماً مع الجولات العسكرية الإسرائيلية، تُنذر بأنّ ما كُتب قد كُتب، وأنّ مشروع محور المُمانعة وصل إلى نهاياته، وأنّ القوة الاقتصادية والتقنية قد قضت على العسكرة الغبيّة.
القوة الاقتصادية لوحدها لا تكفي لتأمين الاستقرار الأمني والدفاع عن سيادة البلاد، لكنّها الركيزة الأساسية للتمكين من العسكَرَة الذكيّة والمتطوّرة. ومهما صغُرَ حجم البلاد، وتجاورها مع دول أكبر منها لها أطماع فيها، فالقوة الاقتصادية والسياسية والعلاقاتية والتقنية، التي تُساهم بوحدة الشعب وتماسكه حول القضايا السيادية، هي الشرط الأساسي الذي يُمكّن البلاد من ردع أي غزوٍ لها، وبحال حدوثه، تستطيع الدفاع عن نفسها، عسكرياً بالتقنيات المتطورة، واجتماعياً بالتماسك الفعلي، وسياسياً بالعلاقات الدولية.
لتحقيق القوة الاقتصادية قواعد وظروف وشروط، وهي حتماً ليست بمتناول يد الأنظمة الفاشلة التي تُركّز على حماية قياداتها بالعسكرة الهادفة لقمع الداخل. فدول كإيران الثورة، إيران الولي الفقيه، هي أبعد ما تكون عن تحقيق القوة الاقتصادية، والانفتاح الاجتماعي، والتبادل الفكري والثقافي، وأبعد الدول عن تأمين التقنيات الضرورية للعسكر وللشعب وللإدارة. هي تماماً، نوعية الدول النقيضة للاقتصاد القويّ، وهي من نوعية الأنظمة الرافضة للقوة الاقتصادية، حيث ترتاح مع عسكرة المجتمع، لضبطه وقمعه.
لبنان الذي كان قبل غزو محور المُمانعة له منذ ستينيات القرن الماضي، قوياً اقتصادياً، لم تكن قوته تُقاس بضعفه، كما كان يحلو للبعض ترداده، بل كان قوياً بقوة اقتصاده، وانفتاحه على العالم الحرّ. أمّا لبنان الذي وضعت يدها عليه بعض المنظمات العسكرية المُمانعة، وحوّلته منصات فوضوية لمجموعاتها العسكرية، فبات أضعف الدول وأفشلها.