
.jpg)

.jpg)
.jpg)
.jpg)

وقع المحظور، وانزلقت المنطقة الحدودية، ومعها لبنان بأسره، في دوامة حرب استنزاف مفتوحة وضعت البلاد أمام منعطف تاريخي بالغ الخطورة. ومع اقتراب الذكرى السنوية الأولى لإعلان “الحزب” حرب الإسناد والمشاغلة في الثامن من تشرين الأول، عرف المشهد اللبناني تحولاً دراماتيكيًا كسر قواعد الاشتباك بين الطرفين المتحاربين، في تصعيد غير مسبوق.
شكّل السابع عشر من أيلول نقطة تحوّل كبيرة، حيث استخدمت التكنولوجيا لضرب “الحزب” في عمق الضاحية عبر اختراق أجهزة “البايجر”، ما أدى إلى إصابة مئات العناصر بينما تصاعدت العمليات لتستهدف قيادات بارزة، وصولاً إلى محاولة اغتيال نصرالله، وما تلاها من سلسلة اغتيالات طالت قادة الحزب المكشوفين أمام إسرائيل.
في خضم صراعٍ لا ناقة لهم فيه ولا جمل، وقف أبناء قرى مثلّث الصمود رميش، القليعة، ودبل بشجاعة لمواجهة عاصفة الحرب والنزوح. من جهة أخرى، دوّت صرخة أبناء عين إبل داخل الصرح البطريركي، تعبيرًا عن رفضهم التحوّل إلى نازحين في وطنهم، يعيشون على المعونات، كما ناشدوا البطريرك الماروني بشارة الراعي أن يحمي وجودهم وحقهم في البقاء على أرضهم.
وكانت بلدة عين إبل أُخلِيت بالكامل نتيجة تهديد إسرائيلي مباشر بينما شهدت دبل مغادرة جزئية لقاطنيها، بسبب الهلع الذي أصابهم إثر سقوط صاروخ على أحد منازل البلدة، مخافة وقوع حوادث مماثلة.
في المقابل، تؤكّد معلومات خاصة بـ”المسيرة” أن الصاروخ الذي سقط على بلدة دبل لم يكن إسرائيلياً، بل أطلقه “الحزب” باتجاه إسرائيل من منطقة خلف دبل لكنه أخطأ الهدف بسبب خلل ما أدى إلى سقوطه على أحد المنازل. ووفقًا للمصادر، مثل هذه الأخطاء تتكرر في سياق الحروب، إلا أن الثمن يدفعه المواطنون الآمنون في بيوتهم.
وتكشف المصادر أيضًا أن أصوات المعارك حول بلدة رميش خفتت بشكل ملحوظ. ووفقًا للتحليلات، يبدو أن “الحزب” قد انسحب أو تراجع من المنطقة، لكن لا أحد يعلم الحقيقة بشكل مؤكد.
على أن التطورات الميدانية عزّزت المعلومات، حيث لم تمّر أيام حتى قامت القوات الإسرائيلية برفع أعلامها في القرى الحدودية اللبنانية.
منطقة الأزمات
منذ انطلاق حرب الإسناد، تواكب “المسيرة” معاناة أهالي القرى المسيحية الحدودية من خلال تواصلها المستمر مع عدد من مسؤولي هذه البلدات. ومع ذلك، شكّلت أزمة الاتصالات عائقًا كبيرًا أمام مهمتها، ويؤكد منسق حزب “القوات اللبنانية” في بنت جبيل جوزف سليمان، لـ”المسيرة” أن المنطقة تعاني من أزمة اتصالات حادة بسبب وقوع الهوائيات في مناطق الاشتباك بين “الحزب” والجيش الإسرائيلي، ما تسبب في انقطاع الإنترنت، كاشفًا أن السكان يحاولون التقاط إشارة، لاستخدامها في عملية التواصل مع أحبائهم أو الجهات المعنية لتأمين احتياجاتهم الأساسية، ومتحدثّا عن تدهور في خدمات ألفا وتاتش.
ويؤكد سليمان أنهم تواصلوا مع النائب سعيد الأسمر ووزير الاتصالات لمحاولة إيجاد حل لتسهيل الاتصالات، وقد تلقوا وعودًا بالسعي في هذا الاتجاه، لكن العملية تواجه صعوبات بسبب الظروف الحالية في المنطقة.
الأوضاع الأمنية تزداد صعوبة حولهم، يتابع المنسّق قائلًا إنه وبعد التهديد الذي تلقاه أهالي عين إبل بالقصف والإخلاء، حصل نزوح كبير منها وانطلقت قافلة تتألف من حوالي 150 إلى 170 سيارة نحو بيروت. ولاحقًا إلى بلدة رميش حيث لجأت حوالى 70 عائلة، أي نحو 200 شخص، إلى مراكز إيواء في دير رهبان الكسليك، موضحًا أن أهل رميش استضافوا في منازلهم نحو 80 عائلة إضافية، أي حوالي 180 شخصًا.
ويشير أيضًا إلى أن النزوح الجماعي الثاني حدث بشكل مفاجئ، حين غادرت العائلات من دون أخذ أي من حاجياتها بعد سقوط قذيفة أثناء القداس. لكنه يضيف أنه بفضل التنسيق بين الجيش اللبناني وقوات الطوارئ الدولية، تمكّن الأهالي من التوجه لمدة ساعة أو ساعتين كحد أقصى ضمن قافلة صغيرة إلى عين إبل لجلب المستلزمات الضرورية التي تركوها وراءهم.
ويتابع كاشفًا أنهم كـ”قوات لبنانية” بذلوا جهدهم مبكرًا لتجهيز مراكز إيواء للنازحين في بيروت، كما فعل أيضًا حزب الكتائب اللبنانية. نتيجة لذلك، توجه العديد من العائلات النازحة من عين إبل ودبل ورميش والقوزح إلى هذه المراكز، بينما انتقل البعض الآخر إلى منازل أقاربهم حيث أمكن ذلك. وفي مراكز الإيواء، تسعى “القوات” إلى تأمين المستلزمات الضرورية للنازحين، ويذكر سليمان أن مجموعة من أطباء “القوات اللبنانية” قدّمت لقاحات ضد الإنفلونزا في مركزين بمنطقة بكفيا.
ويأمل سليمان أن تبقى بلدة رميش مأهولة بالسكان، حيث يبلغ عددهم نحو 6000 نسمة، مؤكدًا أن نزوح أهلها كان بطيئاً، لكن بعد ما حدث في دبل، زاد التهجير بشكل ملحوظ.
أما عن الامتعاض من أداء الأحزاب، فيعتبر أنه لا يعكس الواقع بالكامل، باعتبار أن من ترك منزل لديه متطلبات كبيرة ويعلق آمالًا أكبر بكثير من قدرتهم على تحقيقها.
قليعة الصمود
في حديث مليء بالعنفوان مع مجلة “المسيرة”، يشير كاهن رعية القليعة الأب بيار الراعي إلى أن أبناء البلدة اتخذوا قرارًا منذ بداية الحرب بعدم تركها، مؤكدًا أن هذا القرار ظل ثابتًا على رغم كل الظروف، وعلى رغم التحذيرات بضرورة الإخلاء، حيث وقفوا سدًا منيعًا في وجهه.
ويضيف الراعي قائلاً: “نحن بلدة مسالمة، لا نملك سوى سلاح الجيش اللبناني الشرعي وقوات الطوارئ الدولية الـUNIFIL، ولا ننخرط في أي تحركات حزبية أو عسكرية”.
وينبع إصرار أبناء القليعة على هذا الموقف من تعلّقهم العميق بأرضهم، كما يؤكد كاهن الرعيّة، مستعيدًا ما مرت به بلدتهم من حروب عديدة “عام 1860 و1920، وصولاً إلى حرب 1975، وكانت جميعها محاولات لإبعادنا عن أرضنا أو تحويلها إلى وطن بديل. لكننا، بفضل صمود شبابنا وأهل البلدة، واجهنا ونواجه هذه التحديات بالإيمان والثبات وبشفاعة القديس مار جرجس. شفيع البلدة”.
وفي الوقت الراهن، يعاني أبناء البلدة من نقص حاد في الرعاية الصحية بعد إغلاق مستشفى مرجعيون، إضافة إلى نقص المحروقات مع اقتراب فصل الشتاء. وعلى رغم كل هذه التحديات، يؤكد الراعي أن البلدة ظلت ثابتة في موقفها ولن تتراجع.
من جهة ثانية، يشير الأب الراعي إلى أن القصف مستمر ليل نهار، لكنه لم يصل بعد إلى منازل البلدة، لافتًا، إلى أنهم حرموا من قطاف موسم الزيتون بسبب تعرّض الأراضي الزراعية للقصف. ويوضح أيضًا أن نحو 270 عائلة نزحت إلى بيروت منذ بداية حرب الإسناد، فيما بقيت نحو 550 عائلة صامدة في البلدة.
رميش الثبات
التواصل مع الخوري جورج العميل، كاهن رعية السيدة في عين إبل، من بلدة رميش، لم يكن خاليًا من التحديات، إذ تعذّر عليه الوصول إلى الإنترنت إلا بعد عدة محاولات لإصلاح الشبكة. ويعبّر الخوري العميل لـ”المسيرة” عن أمله في ألا تنقطع الخدمة نهائيًا، حيث أن ذلك يعني دخول المنطقة في حالة من العزلة التامة. ويشير إلى أن الوضع لديهم لا يزال مستقرًا نسبيًا، معبّرًا عن ارتياحه لاستمرار وصول المساعدات إليهم من عدة جمعيات، فضلاً عن قدرة أهالي رميش على التنسيق مع الجيش اللبناني لتأمين نقل بعض الأغراض والمساعدات إلى القرية. كما يوضح أنه لا يوجد توغل بري في البلدة، على الرغم من انخفاض وتيرة العمليات العسكرية وخفوت أصوات الاشتباكات في العديد من القرى المحيطة، مما يعني أنها سقطت عسكريًا.
الكنيسة ودورها
وبعد المناشدات المستمرة لأبناء رعايا البلدات المسيحية الحدودية للكنيسة المارونية، يشير مدير المركز الكاثوليكي للإعلام المونسنيور عبدو أبو كسم لـ”المسيرة” أن التطوّرات تسارعت في الآونة الأخيرة بشكل ملحوظ، لكنه يؤكد على وجود تواصل مستمر ودائم بين المطارنة الموارنة والكاثوليك والكهنة في المناطق المتضرّرة، في محاولة منهم لدعم من تبقى في قراهم على رغم حاجتهم الهائلة للمساعدات والتي تفوق القدرات المتاحة. ويشير إلى أن عددًا من المطارنة والكهنة لا يزالون مقيمين في القرى المسيحية الحدودية لمساندة من تبقى من السكان. ومع انفتاح المعركة، يوضح أن الكنيسة لا تضغط على أحد للبقاء، بل تترك الخيار للأهالي لاتخاذ القرار المناسب.
يؤكد أبو كسم أن البطريركية المارونية ملتزمة بمساندة المجتمعات المتضرّرة في هذه الأوقات الصعبة، حيث تقوم من خلال مؤسسات تابعة لها مثل مؤسسة هديل، بجهود كبيرة لرعاية النازحين الذين لا مأوى لهم، وقد تم توزيعهم على مراكز في أنطلياس وأدما والشوير. ويضيف أن الكنيسة تتعاون مع منظمات أخرى مثل كاريتاس، النورج، والصليب الأحمر لتأمين كافة حاجياتهم. أما الطلاب النازحين، فيوضح أنه تم إدماجهم في المدارس الكاثوليكية.
كتبت ألين الحاج في “المسيرة”ـ العدد 1758
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]