
بين مدن صاخبة تنضح بالحياة وأحياء منكوبة تلملم الـ”أطفال” الضحايا من تحت الركام، صورٌ، ألمٌ، ظلمٌ وحكايات. أصوات المدافع سرقت السلام من تلك الأزقة والبيوت، وأصبح القتل “مباحاً” بحجة الانتصار المزّيف، وبات تراب الوطن أسفل مقصلة “الحسابات الخارجية”. فالأنظمة تتبدل ولعبة الأمم لا تستكين، وتبقى الشعوب فقط “وقود مراحل” وأحجاراً على خرائط الدول.
وسط هذا الصخب من الظلم ورداءة الزمن، بات أطفالنا أسفل ركامٍ أفقدهم حق الحياة وتاجر بحريتهم بيعاً وشراءً، مخضعاً إياهم للعبة “العرض والطلب” السياسية.
في يومٍ مضى كتب مراراً “ارفعوا الكأس عن الوطن”.. أطفال الجنوب ليسوا “كبش محرقة”.. فنحن لا نتكلم عن أولاد فحسب، إنهم المستقبل. في يومٍ مضى كان نداء فحسب، أما اليوم فباتت المحرقة بذاتها تطال الأطفال على صعيد الوطن، ركاماً متساقطاً أو أنفاساً ترتعد.. “ضربة من هنا” وتهجيرٌ من هناك وأصوات تموج الليل خوفاً.
بات الأطفال تحت رحمة “الحروب”. ربما الأجيال الأكبر “متأقلمة”، إنما هل يبرر التأقلم استمرار انتهاك الحياة وقدسيتها؟.
هكذا بات القدر، محكومٌ هو على منبر التاريخ والجغرافيا، يرمي بظلمه على المجتمعات فيجعلها مجرد محركات للأنظمة، إذ فقط لأنهم ولدوا في “الشرق” بات مصيرهم أن يكونوا ضحايا.
ليس ما يكتب فيض من مشاعر، فمن غابت عنه جراح الشعب فليبحث عنها جيداً، ليجدها متناثرة مرمية بين ركام بيوت راكمت مع حجارها آمالاً وأحلاماً وأطفالاً ومستقبلاً.
على هذا المستوى وفي خضم حروبٍ تنهك مجتمعنا، ما واقع الأطفال اليوم؟، هل تنتهي الحرب عند الطفل بالحلول السياسية، أم نحن أمام نتائج بعيدة للحروب العبثية؟.
طبعاً لكل مادة دواءٌ بالمادة.. فالحلول السياسية ستكون وسط لعبة “تدوير الزوايا”، لنصل إلى اتفاق يصافح الأطراف فوق أحلام الضحايا وآمالهم. فكما قالها محمود درويش، “سيتصافح القادة وتبقى تلك الأم تنتظر ابنها”.
انطلاقاً من قدسية الحياة وقدسية الطفولة، قام فريق موقع القوات اللبنانية الإلكتروني بجولة بحثية حول هذا الموضوع، وفي حديث مع المختصة بعلم النفس إيليسا السقلاوي، اتضح أن “الحرب تؤثر بشكل مباشر على شخصية الطفل، فخلالها يتعرض الطفل إلى عوارض القلق والخوف المستمر والاكتئاب واضطراب النوم بشكل خاص، مع ما تشكله الضربات الجوية من أصوات عنيفة تقلق الكبار والصغار.
أضافت السقلاوي: “يمكن لهذه المشاكل أن تستمر مستقبلاً فتصبح على شكل “الاضطراب ما بعد الصدمة”، إضافة إلى المشاكل الاجتماعية خصوصاً على المستوى العلائقي، كذلك الاكتئاب ومشاكل التواصل والثقة”.
حول “السلوكيات” وتأثير واقع الحرب عليها، أوضحت المتخصصة بعلم النفس ذاتها، أن “التأثير يمكن أن يكون كبيراً على السلوكيات، كسلوك العنف، والتوجه إلى الآفات الاجتماعية بهدف الهروب من الواقع والألم النفسي ومحاولة التكيّف”.
حساسية هذا الموضوع ليست حصراً في إطار حماية “الطفل” وصون حقوقه، إذ أن البحث يتسع ليشمل الرؤية الأوسع والأشمل.
بالأرقام، وبحسب تقرير لـ”اليونيسيف” نُشر بتاريخ 26 أيلول 2024، بلغ المتوسط اليومي لعدد الأطفال الذين قتلوا في لبنان في أسبوع واحد، وهو الأسبوع الأول من الحرب الموسعة بين “الحزب” والجيش الإسرائيلي، أكثر من ضعف عدد الأطفال الذين قُتلوا يومياً خلال نزاع عام 2006 المدمِّر.
كما أنه وبحسب تقرير آخر صادر عن “اليونيسيف” بتاريخ كانون الأول 2023، حذّرت المديرة الإقليمية لليونيسف لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، من أن العام 2023 كان العام الأكثر دموية بالنسبة للأطفال في الشرق الأوسط وفلسطين، إذ وصل العنف المرتبط بالنزاع إلى مستويات غير مسبوقة.
إضافة إلى ذلك، التقارير الصادرة لعام 2024، تنذر بأزمات اجتماعية ضخمة نتيجة انهيار فئة “الأطفال” تربوياً وغذائياً، خصوصاً على مستوى الصراعات الدائرة في الشرق الأوسط.
هذا “العنف” و”الظلم” القاتل والمنطوي تحت سقف “الحريات”، يمهّد لتأسيس المجتمعات المتفككة والمنظمات المتطرفة. فالإعلام يصوّر لنا “تنظيمات التطرف”، لكن هل يصوّر لماذا خلق التطرف؟، هل من صورة تبحث حول تاريخ الإجرام؟، ألم يكن يوماً طفلاً يسمع صدى المدافع ويستشم رونق البارود ليصبح بذاته المدفع الجاهز للإنفجار؟.
ليست الحروب من تحمي المجتمعات، وليست ثقافة السلاح من تبني الأوطان. أطفال لبنان المقاومون في العلم والمعرفة والتطور هم مستقبل بلد يطمح أن يعود لزمن الستينيات، أما أصوات المدافع وأفكار “الحرية” المزيفة فلن تبنى سوى أجيالاً من الانحدار.
ألمُ الأمس سيكون مرارةً للحاضر وقنبلة للمستقبل. كل ذلك نتيجة غياب الدولة وغياب القرار وغياب القانون.
في النهاية، قيل يوماً “من يتصوّر أن تلك البذرة الصغيرة هي شجرة مثمرة قائمة بجذعها وأغصانها بعد زمن؟”، بالتالي، كم من البذور قتلت اليوم لتحيا أنظمة الفساد والإفساد؟، وكم من الأطفال والشباب قتلوا على باب مستقبلهم فداءً لـ”أوهام لا متناهية”؟.