#adsense

خاص ـ قطاع “التربية” الخاسر الأكبر.. “لكل حل ألف صعوبة” (مارتن حبشي)

حجم الخط

التربية

في ظل حرب اندلعت من رحم “الأوهام”، وتحت وطأة موجة من الألم والتدمير والتهجير، يقع قطاع “التربية” تحت مقصلة “الجهل”، وتشرّع جهنم أبوابها من جديد تحت عنوان “مدارس بسمنة ومدارس بزيت”. ففي ظل إنهيار الوطن وتقهقر الشعب بحكم غياب الدولة، يبقى القطاع التعليمي الضحية الأولى نسبياً والخاسر الأول نتيجة مسلسل متعدد الحلقات من غياب “العدل” وانعدام الدولة.

“التعليم مستمر والقضاء عادل.. إذاً لا تخافوا”، عبارة قالها رئيس الوزراء البريطاني ونستن شرشل عندما قالوا له “سماء بريطانيا تمطر ناراً من ضربات هتلر”. يومها كانت بريطانيا قلعة العلم والتربية والعدل، لذلك بقيت الدولة التي لا تغيب عنها الشمس والوحيدة بلا عيد استقلال. ها إن القلم يكتب هذا الواقع، وهو متكاسل الحركة، فلبنان بات بحكم “الجهل” وطناً يبكي العدل والعدالة أسفل منابر “العمالة”، ويضحّي بالعلم أولاً، ليفتدي الحروب العبثية، والقرارات المجحفة.

منذ أن اندلعت الحرب الموسعة بين “الحزب” والجيش الإسرائيلي، بات الوطن بحكم الضياع والصدمة، انعدام في خطط الطوارئ وهزلية في إدارة الأزمات، فشرّعت المدارس أبوابها أمام كل نازح من الضربات والدمار، وباتت المناطق الواقعة تحت الحرب، بشللٍ حتمي إثر الهجمات الإسرائيلية المتتالية عليها.

في ظل المساعي لتجنيب القطاع التربوي مرارة هذه الكأس، كان إعلان وزارة التربية باستمرار التدريس في المناطق الآمنة نسبياً، على أن يكون التعليم “عن بعد” في المدارس غير الآمنة. بالطبع، أتت القرارات مرفقة بأوراق على أنها “خطط”، غير أن الواقع الأليم يفرض “العكس”. فهل التعليم عن بعد يعتبر حلاً للمدارس الواقعة تحت وطأة الحرب بشكل مباشر، أم أن أنصاف الحلول أحكمت قبضتها فبتنا أمام انعدام العدل وانكسار المساواة؟.

أولاً، يذكر أن قطاع التربية في لبنان يقسم ما بين “المدارس الخاصة” و”المدارس الرسمية” و”المدارس نصف المجانية”، وبحكم الطبيعة الحيوية للأمور تكون المدارس الخاصة بشكل كامل، خصوصاً المرموقة منها، أكثر مرونة وحركة مع الظروف، لاستقلاليتها في التمويل والصرف. أما الواقع فألقى بثقله على “المدارس الرسمية” التي بأغلبها باتت مراكز إيواء بظل انعدام الخطط الرسمية لاستيعاب النزوح، و”المدارس نصف المجانية” التي باتت في حيرة من أمرها، خصوصاً تلك التي تقع في مناطق “الحرب”.

على هذا المستوى، تابع فريق موقع القوات اللبنانية الإلكتروني هذا الملف عن كثب، وفي جولة له على المدارس المتأثرة بشكل مباشر بفعل الحرب، أشار المدير التربوي في كافة أقسام المدرسة الوطنية المارونية الواقعة في بعلبك الخوري طوني رحمة، إلى أن “هذه الإشكالية المطروحة معقدة جداً، نحن في حيرة من أمرنا ولا أجوبة مباشرة لهذا الموضوع، لأنه عادة يكون الإنسان أمام خيارات عديدة فيما نحن اليوم أمام السيّئ والأسوأ. فاليوم عدد كبير من تلاميذنا لا يزال في بعلبك، وهؤلاء لا يمكنهم المتابعة بفعل العامل “النفسي” حتى ولو كان لديهم الكتب والمستلزمات التقنية، فهم في ضغط نفسي وحالة نفسية مؤلمة جداً وسط هذه الحرب”.

عن مدى مرونة المدرسة في التعاطي مع هذا الواقع؟، يقول رحمة: “نحن كمدرسة تقدّمنا بالعديد من المقترحات إلى الأهالي ليساعدونا في الاختيار الأفضل. الفئة الأولى التي تحدثت عنها مسبقاً، تقع في خانة المشكلة النفسية وهي غير قادرة على المتابعة، إذ هناك “خوف وجودي”. أما الفئة الثانية، فتتشكّل من الذين تشرّدوا بسرعة بفعل الحرب وأماكن الدمار، والذين انتقلوا من بيوتهم بأقل المستلزمات الأساسية للحياة، وبالتأكيد دون “شنطة المدرسة واللابتوب”، هؤلاء اليوم أمام واقع يفتقد لوسائل التعليم، فكيف يمكننا المتابعة معهم بالتعليم عن بعد؟، فهؤلاء يفتقدون الإمكانية الكاملة ما عدا نسبة قليلة منهم، لذلك هناك استبعاد للتعليم عن بعد بشكل عام”.

أضاف رحمة: “كذلك، هناك فئة من المهجرين تمتلك القدرات التقنية، واصطحبوا معهم الكتب واللاب، غير أنهم في جو غير مناسب للتعليم، والمرجح أنهم في غرف قد يتخطى عدد الأشخاص فيها الـ10 وربما عدد العائلات، وبشكل خاص في حال تعدد الأطفال في المكان الواحد، أي واحد منهم سيستخدم اللابتوب بحكم تغيّر الصفوف والمراحل؟. لذلك بات وضع “التعليم عن بعد” صعباً جداً بكل الأحول”.

أما عن التلاميذ الموجودين في المناطق الآمنة، فيوضح الخوري رحمة أن “هناك التلاميذ الموجودين في أماكن آمنة كمنطقة دير الأحمر، وهي منطقة آمنة نسبياً، غير أنهم غير حاضرين نفسياً لبداية عامهم الدراسي، فهم يستمعون للأخبار ويتأثرون بالأجواء، إضافة إلى الضعف الكبير للإنترنت في المنطقة وهناك صعوبات للمتابعة، علماً أن من بين هؤلاء التلاميذ أشخاص قد تسجلوا بأقرب مدرسة خاصة، وبقي الموضوع عالقاً هنا”.

أما على مستوى الطرق المعتمدة حالياً من قبل المدرسة للتعاطي مع الوضع الراهن، أشار رحمة إلى أن “المدرسة حالياً تستخدم تقنية “الواتساب” لإرسال الدروس والصور والفيديو والروابط الإلكترونية والأوراق التحضيرية، ليبقى التلميذ في حالة عمل مستمر. غير أن الكثير من التلاميذ لا يتجاوب مع العمل المنزلي، بسبب حالة الإحباط والذعر”.

ختم رحمة معتبراً، أن “كل هذه الحلول المطروحة أمامها ألف صعوبة وصعوبة، ناهيك عن واقع الأساتذة، فمنهم المهجرون ومنهم الأساتذة الذين لا يزالون تحت القصف، ومنهم من هم في المناطق الآمنة، وترافقهم المشاكل التقنية وتوفر الكتب والإنترنت. كذلك منهم من يقيم في الفنادق، أو نازح في بيوت الضيافة، مع ما يرافقهم من أزمات الإنترنت وضعفها في المنطقة”.

هكذا يظهر الواقع الأليم في منطقة بعلبك، وهي جزء من هذا البلد، وتابعة لـ”التربية والتعليم”، فباتت اليوم مجهولة المصير متأرجحة بين نتائج حرب عبثية، وانهيار لدولة ضحّت أولاً بالعلم والتعليم.  فهل يبنى وطن على ركام المدارس؟. علّنا نتعلم من تجربة بريطانيا فنرفع العلم والعدل فوق منبر الحكم.

اقرا ايضاً: خاص ـ أطفال تحت الحروب.. “سفكٌ للمستقبل” (مارتن حبشي)​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل