.jpg)
لقد أشار علماء الأنتروبولوجيا السياسية الى أن الكيانات تنقسم الى ما قبل الدولة، والى ما بعدها، وهذا يؤكد على أن بعض التجمعات البشرية لم يستكمل، بعد، أسس الدولة، بالمفهوم الحديث، أو أنه لم يصمد أمام التعريف الدقيق للدولة. من هنا، يبدو لنا أن ما سمي الدولة، عندنا، هو باطل يتستر بالحق، أو هو شل فاضح لإيديولوجية الدولة مراعاة لنقيضها الحتمي، أي الرجعية، والتخلف، والعصبيات، والدويلات، ليبقى المجتمع مفككا، جاهلا، مقسما، إقطاعيا، ويبقى ناسه في تبعية رعناء، استئصلت منهم ثقافة التحول، والطموح، ليسيطر، فيهم، مناخ الخزي والتوعر.
لم تكن الصدمة هائلة عندما دحض البعض، عندنا، وهو، في هويته، “على الورق”، مفهوم الدولة ذات السيادة، وشوش تحديدها ليخالف المصطلحات المتداولة في العالم الراقي. وقد استفز هذا البعض، بفائض الفوضى، والهمجية، والغزو الممنهج، نظام الدولة، وحضور مؤسساتها، وأصدر بيان نعي لكرامة سلطتها، ما جعل المواطنين يعاينون دراما وطنية، أو تفخيخا لكل نقلة ممكنة الى عصر التطور، والنور. وهذه الغوغائية، بالذات، كان أساسها الانحدار الى انتماء دون وطني، وولاء لخارطة غير خارطة الوطن، واستعيض عنهما بلوثة عصبية عشائرية هدمت منظومة القيم، وأرست وصمة عار شوهت محيا المدنية، وانتهكت الحقوق والحريات.
هذه هي الدولة النظرية، أو شبه الدولة، التي تخلت عن دورها الوظيفي في حفظ الكيان، والأمن، والدستور، وتقاعست عن مواجهة الاستقواء، ونأت عن أبسط واجباتها بالتمسك بقرارها، فبدلا من أن تكون انتصارا للوطن، ولكرامة الإنسان فيه، أعطت صكوك تملك سلطوي لمن يحتكمون الى قانون القوة، ما يستدعي، حتما، اتهامها بارتكاب جريمة موصوفة، ومدانة من شرعة حقوق المواطنين. إن هذه الدولة النظرية انتدبها فاسدون، وقطاع طرق، وتبعيون للخارج، ففتحوا للوطن، بذلك، باب جهنم.
إن البند الوحيد في جدول أعمال اللبنانيين، اليوم، هو استعادة الوطن المسلوب، أو عودة الوطن الى الوطن، بقيام دولة هي الدرع الحصينة للبلاد، وهذا خيار له مذاق خاص، يعيد الأهمية للمعطى القانوني لمفهوم الدولة، ويعري عصابات الذين تسلطوا عليها، الأصليين منهم والطارئين. ومن الطبيعي أن يكون لهذا البند متفرعات إلزامية تقضي باستعادة مفاتيح البلاد من عراب نسف مقومات الدولة، بجيشها، وقضائها، واقتصادها… لذلك، ولكي تسدل الستارة على مرحلة بغيضة ذات طقوسية بائدة، عدائية، وإلغائية، ينبغي مدمكة عقيدة وطنية إطارها الفكرة اللبنانية، يطمئن لها الشعب، وتعمل الدولة بموجبها في كل الشؤون والمسائل، وتدافع بها عن المجتمع. وهذه العقيدة تؤسس لكيان منفتح على الشرق والغرب، ومستقل عنهما، ومستند الى نظام سياسي يحافظ على السيادة والمواطنة، ويضمن للناس الحرية والحقوق.
إن اللحظة التي نمر بها، اليوم، تستدعي رسم استراتيجية واضحة للوطن، وهي الممر الإلزامي للعبور بالبلاد من موتها الكلاسيكي، الى إحياء القيمة النهضوية التي ينص عليها الدستور، وشرعات الأمم، والتي يجب أن تسري مفاعيلها على الجميع، تحقيقا لكرامة الوطن، وسيادة الدولة على كل مساحة لبنان، بنشر قواتها الشرعية دون سواها ممن شكلوا باستقوائهم الخبيث كابوسا جعل الوطن يكابد المصير الأسود. كذلك، من الواجب، أيضا، تطبيق معادلة الحقوق والواجبات على الشعب، كل الشعب، ومحاربة الفساد والمفسدين، الذين لوثوا سمعة لبنان بالرذائل، والموبقات، من دون أن تسري فيهم كليشيه ” عفا الله عما مضى “…
لقد نزف وطننا حتى بات جثة، وفقد رمزيته وطنا للحريات، ونموذجا فريدا في أوقيانوس أحادي الهزج، وبيع في سوق السكاكين المأجورة، ونشر وكلاء الخارج، فيه، ثقافة الكره والتنكر للولاء، ونحرت كرامته بالارتهان، ولم يعد له لون في غابة الألوان المستوردة المتوترة، ويبس نشيده عندما هدرت أهازيج ساذجة تعتدي على الهوية والعلم…
إن الدولة المرتجاة هي التي يكون الولاء لها عفويا كالإيمان، محررة من كل العلل التي تطعن الحقوق، تمتلك القدرة على الفعل، ولا تطلب حقها به من أحد، سيدة حرة في قراراتها واتجاهاتها، منفتحة من دون قوقعة أو انعزال، ديمقراطية ترفض بربرية القمع والرضوخ لظروف الظلم والاستقواء، تناضل من أجل السلام، والحريات الملازمة لوجودنا في الزمن، وتسعى صوب الترقي الذي هو خميرة الأجيال…
إن هذه الدولة المرتجاة ليست فولكلورا ناجما عن نزوات أو هرطقات، ولا تنظيرا يستشيط لسنه مفوه يدعي أنه من ملافنة القانون السياسي، إنما هي طرح موثوق، وطني وشعبي، قوامه إضرام الوجدان الوطني في ذوات الناس، بالوعي، والفكر المنفتح، واليقظة، وهي طريق تحرري مشدود الى الحياة الكريمة، تعبر بالوطن الى ضفة الرقي، والتطور، وإفساح المجال أمام الإمكانيات الشابة الهائلة… كل ذلك ليتجلى لبنان على مساحات الدنيا، وليعيد تبييض صفحته في صفحة التاريخ.