
أثبتت الأحداث والتطورات الدراماتيكية في لبنان منذ تأسيسه عام 1920، أن بكركي ارتكبت خطأً عندما سعت مع فرنسا وعصبة الأمم لتوسيع حدود متصرفية جبل لبنان إلى ما هي عليه دولة لبنان الكبير اليوم.
فمتصرفية جبل لبنان التي استمرت منذ عام 1861 وحتى عام 1915، أي 54 سنة، وكانت تضمّ إليها مكوّنَين مجتمعيَّين أساسيَّين هما المسيحيون والدروز، مع أقليةٍ إسلامية، نعمت بالأمن والأمان والاستقرار والتطور طيلة تلك الفترة، حتى قيل فيها “نيّال يللي عندو مرقد عنزة بجبل لبنان”.
صحيحٌ أن فترة المتصرفية شهدت على أكبر هجرةٍ لبنانية إلى الأميركيَّتين بفعل ضيق مساحتها الزراعية، غير أن مساحة الأمن والأمان والاستقرار والحرية فيها كانت واسعة جداً، وتُعوّض للّبنانيين عن هذا الضيق الجغرافي.
أما دولة لبنان الكبير التي نشأت عام 1920 فلم تنعم بالأمن والأمان والاستقرار والازدهار، إلا في فترةٍ زمنية محدودة نسبياً، إذ منذ تلك السنة والحروب والصراعات والانهيارات تلاحق اللبنانيين، وعلى سبيل المثال لا الحصر، جاء في كتاب “تاريخ لبنان الحديث” للمؤرخ اليساري فواز طرابلسي ما يلي:
“رفض القسم الأكبر من سكان لبنان المسلمين الانتداب كما رفضوا “لبنان الكبير”، مختارين بدلاً منه دولة عربية مستقلة، وإذا تعذر ذلك، الوحدة مع سورية، فجابهوا إعلان لبنان الكبير بموجة من أعمال العنف ضد الفرنسيين في الساحل وجبل عامل والبقاع وجبل لبنان… بين 6 كانون الأول 1920 و6 كانون الثاني1921، هوجمت ثلاثون قرية مسيحية في جنوب لبنان، وفي أيار من ذلك العام، شنَّ أهالي بنت جبيل هجوماً على قرية عين إبل المجاورة أسفر عن مقتل نحو خمسين من أبنائها…”.
إذاً، قوبل إعلان دولة لبنان الكبير بهجوم شيعي على القرى والبلدات المسيحية في الجنوب وارتكاب مجزرة كبيرة بحقّهم، لا سيما بعد اجتماع شيوخ الشيعة وزعمائهم وعلمائهم في الحجير في 20 نيسان 1920 والذي عُرف بـ”مؤتمر الحجير”، وتقرر على إثره الهجوم على القرى المسيحية، بحيث تروي الأخت كلمنتين خياط في مقال بعنوان “حوادث عين إبل” نشرته مجلة المشرق اليسوعية في العدد 18 تاريخ 1920 ما حصل حينها، بوصفها شاهدة عيان على تلك الأحداث، وممّا تقوله “أن وجهاء الشيعة وعلماءهم، اجتمعوا في وادي الحجير وقرروا مهاجمة القرى المسيحية”، وتضيف أن هذا المؤتمر كان يخفي النوايا الحقيقية للمجتمعين.
كانت هذه الأحداث المأساوية تتكرر باستمرار في لبنان كل عشرة أو عشرين سنة، من فتنة 1958 إلى حرب ال 1975، إلى تعطيل عمل المؤسسات قبل الحرب وبعدها وخلالها، إلى استجلاب كل أنواع الاحتلالات الغريبة، إلى الانهيارات المالية والهجرة الجماعية التي شهدتها دولة لبنان الكبير، إلى أعمال العنف والاغتيالات والمجازر والحروب والصراعات واستشراء الفساد والمحسوبيات تحت شعار 6 و6 مكرر، إلى زعزعة الاستقرار الدائم، إلى انهيار مؤسسات الدولة وتخلفّها عن حماية المواطنين ممّا كان يُجبر المجتمع على حمل السلاح والكودرة ضمن تنظيماتٍ عسكرية حمايةً لأمنه ووجوده وأهله وبيته وقريته، إلى احتكار السلاح غير الشرعي وإعلان الحروب الأحادية التدميرية…الخ الخ.
خطأ بكركي عام 1920 لم يكن في أنها أنشأت دولةً لبنانية تعددية ديموقراطية تضمّ إليها كل الطوائف الإسلامية والمسيحية المشرقية وكل المضطهدين والمظلومين في الشرق، ولم يكن في أنها كانت تسعى لتطوير حياة كل هؤلاء آملةً بأن تذوب اختلافاتهم مع الوقت ليندمجوا في أمةٍ لبنانية واحدة اسوةً بما كانت عليه دول الغرب مطلع القرن العشرين، ولم يكن كذلك في أنها كانت تريد إقامة دولة قوية وعادلة تشكل منارةً حضارية وثقافية وعلمية وإنسانية في الشرق، بل الطامة الكبرى أن بكركي لم تأخذ في الاعتبار مواقف طوائف تأسيسية من هذه القضية النبيلة التي كانت تعمل لها.
فالطائفة السنّية بمجملها كانت معارضة لفكرة إنشاء هذه الدولة، والشيعة كانوا منقسمين إزائها، والروم الأرثوذكس كانوا يعارضونها بغالبيتهم، والدروز كانوا معها ولكنهم كانوا قلقين من تقلّص دورهم السياسي وصلاحياتهم فيها.
شكّل هذا القفز فوق إرادة كل هؤلاء، أرضيةً خصبةً لكل التدخلات الأجنبية، وصارت سياسة النكايات هي الغالبة في لبنان. فنكاية ببكركي وبالموارنة الذين لم يستشيروا المسلمين في خطوتهم، قرر المسلمون الوقوف مع الفلسطيني والسوري والإيراني والباكستاني ضد دولة لبنان الكبير، حتى ولو كان ذلك يصّب في غير مصلحتهم، كما أثبتت الأيام والأحداث… والمسيحيون فعلوا الأمر ذاته.
الخطأ البنيوي الذي ارتكبته بكركي سنة 1920 عن حسن نيّة، وجّل من لا يُخطىء، والذي أدّى إلى تحميل اللبنانيين بشكلٍ عام والمسيحيين خاصةً تداعياته الكارثية، اقتصادياً وأمنياً وسيادياً ومعيشياً وديموغرافياً، لم تعترف به بكركي حتى اليوم، ولم تسعَ بالتالي لمعالجة هذا الخطأ البنيوي من جذوره إنقاذاً لدولة لبنان الكبير ولشعوب هذه الدولة، بل يبدو أنها قررت القفز فوق كل المشاكل والتراكمات والانهيارات التي عصفت بهذه الدولة صنيعتها، من دون إجراء أي مراجعة نقدية لهذه التجربة وتبيان الخيط الأبيض لحسناتها من الخيط الأسود لسيّئاتها، ومحاولة الخروج بخلاصاتٍ دستورية وسياسية تستقي من دروس الماضي المريرة وتجاربه الدموية لإيصال كل اللبنانيين إلى شاطىء الأمان.
فتبويس اللحى وأخذ الصور الفوتوغرافية للمسجد والكنيسة، وللخوري والشيخ وهما يتعانقان، وعقد الاجتماعات الفولكلورية وصياغة البيانات اليوتوبية التي لا تعكس حقيقة الواقع على الأرض، لمجرد القول إن تجربة بكركي سنة 1920 كانت صحيحة وسليمة، ويجب الاستمرار بها حتى ولو على
أطلال هذا الوطن المشلّع ومآسي شعبه، هو الجمود الثقيل والاستنزاف القاتل بحدِّ ذاته، وبكركي ليست معتادة على الجمود، بل على الفعل والمبادرة والتعلّم من أخطاء الماضي لبناء لبنان جديد يليق بتضحيات جميع اللبنانيين وطموحاتهم.
هذا رأي فكر حر يتشاركه الكثير من اللبنانيين في السر وفي العلن، ولا يُعبّر بالضرورة عن موقف القوات اللبنانية، فاقتضى التوضيح.