.jpg)
بدأ وهم “الانتصار” اعتباراً من العام 1992-1993 عندما تولّى الرئيس رفيق الحريري أولى حكوماته في الطائف، محاولاً نشر الجيش اللبناني في الجنوب لسحب كل الذرائع من إسرائيل ودفعها للتراجع إلى ما وراء الخط الأزرق الحدودي، بناءً على توصيات من الأميركيين والأوروبيين والعرب الذين كانوا يريدون إقامة دولةٍ فعلية في لبنان خاليةٍ من أي سلاح غير شرعي.
قامت قيامة محور الممانعة على الرئيس رفيق الحريري، واُوكلت مهمة التصدّي لهذا الاقتراح بشكلٍ رئيسي لقائد الجيش حينها إميل لحود الذي يذكر هذه الواقعة، ولكن من وجهة نظره هو، في كتاب مذكرات “عهد إميل لحود” للأستاذ كريم بقرادوني.
تمَّ تخوين الحريري واتهامه بالتآمر ضد النظام السوري و”المقاومة”، وفشلت محاولته الدبلوماسية بنشر الجيش في الجنوب وتحرير لبنان في ذلك الوقت، ووقعت حرب الـ1993، ثم حرب الـ1996، وتمَّ قصف شركات الكهرباء في الجنوب وجبل لبنان والشمال، وقرى بأكملها في الجنوب، وتمَّ تأخير الانسحاب الاسرائيلي حتى العام 2000، لا لشيء إلا من أجل أن يحتفظ حزب الممانعة بسلاحه تحت ذريعة “مقاومة الاحتلال الاسرائيلي”.
عندما أعلن إيهود باراك رئيس حكومة إسرائيل نيتّه سحب جيشه من جنوب لبنان بداية العام 2000، قامت عليه قيامة أبواق الممانعة، فمن منّا لا يذكر الصراخ المتواصل عن “الانسحاب الاسرائيلي المفخَّخ” و”الفخ الاسرائيلي”، محاولين بذلك الحؤول دون حصول هذا الانسحاب، أو تأخيره أطول فترة ممكنة على الأقل.
انسحبت اسرائيل في 25 أيار 2000، وحصل ترسيمٌ دولي للخط الأزرق، لكن تمَّ اختراع مسمار جحا جديد للاحتفاظ بهذا السلاح، وهو “تحرير مزارع شبعا وقرية الغجر” المتنازع عليهما بين لبنان وسوريا، وبدل أن يسارع النظام السوري بمنح الحكومة اللبنانية المستندات اللازمة لتأكيد لبنانية هذه المزارع على الفور، راح هذا النظام، بالتكافل والتضامن مع حزب الممانعة، يماطل ويماطل، أيضاً لتأخير انسحاب إسرائيل، وتمكين حزب الممانعة من إبقاء مبرراته السياسية قائمة للاحتفاظ بسلاحه.
لو أن النظام السوري قدّم تلك المستندات، لانسحبت إسرائيل منها تحت ضغط الأمم المتحدة والقرار 425 الذي أكدّت إسرائيل تطبيقه كاملاً في أيار العام 2000 إبراءً لذمتّها تجاه الدول الكبرى، والذي سيكون تطبيقه منتقصاً فيما لو قررت إسرائيل البقاء في مزارع شبعا بعد إثبات لبنانيتها.
مهما يكن من أمر، انسحبت إسرائيل إذاً في أيار العام 2000 ورفع حزب الممانعة راية النصر بعد تأخيره هذا الانسحاب لـ8 سنوات متواصلة، وكان وحده السيد العسكري والأمني المطلق في الجنوب، فيما وجود الجيش اللبناني في هذا الجنوب، كان مجرد وجودٍ رمزي في ظل عهد إميل لحود.
افتعل حزب الممانعة حرب تموز العام 2006 فأضحت قرى حدودية بأكملها رماداً ودماراً، وتشرّد الجنوبيون، ولم تقبل إسرائيل بوقف هذه الحرب إلا بعد استصدار مجلس الأمن القرار 1701 الذي يدعو لانسحاب حزب الممانعة بسلاحه من جنوب الليطاني، ونشر الجيش واليونيفيل فيه، أي أن هذا القرار أدّى نظرياً وعملياً إلى تقليص الوجود العسكري لحزب الممانعة في الجنوب، ووضعه تحت الرقابة اللبنانية والدولية المباشرة، بعدما كان هذا الحزب يسرح ويمرح عسكرياً على هواه تحت ضوء النهار، بلا حسيب أو رقيب.
مع ذلك، رفع حزب الممانعة شعار “النصر الإلهي”، لكنه بالمقابل، صار مضطراً للعمل سراً، حتى في قلب مناطقه بالذات، لتخزين الأسلحة وحفر الأنفاق، بعدما كان عمله علنياً متحرراً من أي قيود، وهو ما يُعتبر في المفاهيم السياسية والعسكرية، انكساراً عسكرياً وليس نصراً إلهياً. فالقرارات الدولية تُتخّذ بناءً على موازين قوى واضحة، وخرق هذه القرارات تحت جنح الظلام ليس من الانتصار بشيء، بل هو فعل تحايل على الحقيقة والوقائع التي عاد حزب الممانعة اليوم مكرهاً لدفع أثمان هذا الخرق مع كل فوائده المرهقة والمتراكمة منذ العام 2006 وحتى 8 تشرين الأول 2023.
اليوم أيضاً، افتعل هذا الحزب حرباً جديدة، خسر فيها الآلاف من مقاتليه، والمئات من أنفاقه ومخازنه، وخسر أمينه العام وقيادته، وتدمَّرت مناطق البيئة الشيعية بشكلٍ خاص، وتشرّدت هذه البيئة في أصقاع لبنان الأربعة وصولاً إلى سوريا والعراق، ودخلت إسرائيل إلى عشرات القرى الجنوبية في استعراضٍ استفزازي مقصود للقوة والانتصار…
بعدما كان هذا الحزب يتسلّح في السرّ تحت جنح ظلام القرار 1701، صار اليوم يستجدي المجتمع الدولي لتطبيق هذا القرار بحذافيره، متعهداً الانسحاب التام إلى ما وراء الليطاني، وموافقته على رقابةٍ لبنانية ودولية صارمة على وجوده العسكري جنوب الليطاني، وهذا ما تسميّه دعايته تلطيفاً “القرار 1701 ولا حرف ناقص أو زايد”، فيما إسرائيل ترفض وتضع شروطاً إضافية قاسية تسمح لها بالتدخل العسكري المباشر عند حصول أي خرق!.
مع ذلك كلّه، وبالرغم من كل هذا المسار التراجعي الانحداري منذ عام 1992، الذي أخرّ انسحاب إسرائيل في ذلك الحين، ثم أعادها اليوم بقوة إلى جنوب لبنان على أطلال قرى الجنوب المدمَّرة وبيئة الحزب المشرَّدة وشبابه المُستشهدة، فهو لا يزال يكابر ويبيع الأوهام مُصرّاً على ادعاء الانتصار، في محاولةٍ أخيرة منه، وحتى رمقه الأخير، للاحتفاظ بما تبقى له من سلاحٍ في الداخل اللبناني، ولإعطاء بيئته انتصاراً معنوياً وهمياً كاذباً يُبعد عنه كأس المحاسبة والمسائلة والمسؤولية من قبلها، ومن قبل بقية اللبنانيين…
جاء مسؤولٌ سياسي لتهنئة أحد القادة بعد معركةٍ عسكرية طويلة خاضها هذا الأخير وأدّت لانتصاره على أخصامه فعلياً لا وهمياً، فأجابه هذا القائد: انتصار واحد بعد من هذا القبيل والعوض بسلامتك علينا…
كان هذا الحديث يتعلق بانتصارٍ حقيقي لا وهمي… يمكنكم إذاً تخيّل واقع الحال مع انتصارات الحزب الوهمية!.
