#dfp #adsense

خاص ـ العيش بكرامة أو على الإعانة (النائب فادي كرم)

حجم الخط

خاص ـ العيش بكرامة أو على الإعانة (النائب فادي كرم)

عُقدت مؤتمرات دولية عديدة لأجل قضايا الشرق الأوسط، وتناولت بشكل خاص القضية الفلسطينية، كما الأحداث اللبنانية، التي ألحقها به محور المُمانعة، أي محور الصمود سابقاً، وبالرغم من كثافة هذه المؤتمرات، استمرت العقد متحكّمةً في قضايا المنطقة من دون حلول لعقود. بهذا الاطار أتى المؤتمر الأخير الذي انعقد في فرنسا، ليُركّز هذه المرّة على الدعم المالي لإعانة الشعب اللبناني والمُرتبط بمبادرات وقف إطلاق النار في غزّة  ولبنان، وخفض التصعيد العسكري، تجنيباً لتوسّع الحرب، وشمولها الدول الكبرى المُنظِّمة للمؤتمرات والمُرسلة للموفدين.

تستكمل إدارات الدول العاملة على خط وقف النار إيفاد موفدين، حاملين لأوراق تفاوضية تتضمن شروط الطرفين، وبالطبع، بغلبةٍ لصالح الطرف المُسيطر في الميدان، أي إسرائيل، بعد أن سدّدت ضربات مُحكمة على الطرف الثوري الإيراني بكامل أذرعه، مستفيدةً من وحدة الساحات التي أعلنها المحور بذاته فور بدء الحرب في غزّة بهدف الضغط على إسرائيل لوقف حرب القضاء على حركة ح، لتقوم إسرائيل بعد ذلك بربط هذه الساحات ببعضها البعض، والتنقّل بهجماتها المُدمّرة من واحدةٍ لأخرى، حسب حساباتها الميدانية، ومن دون البحث عن حججٍ جديدة لضرب القرى والمدن في كافة ساحات الوحدة.

إدارات الدول المُنظِّمة للمؤتمرات والباعثة للموفدين، تحرص على بثِّ صورة محاولاتها السلمية، متأملةً الاستفادة منها في إطار معاركها ومنافساتها الداخلية، ولكن، للأسف، تمرّ هذه المبادرات السياسية والسلمية، والدعم المالي الصادر عنها، من دون البحث الجدّي في عمق أزمات المنطقة وأسباب الاندلاع الدائم للحروب الوجودية فيها. وبالرغم من إشارة بيانات المؤتمر وغيره من المبادرات، لاستعدادها، للمتابعة مع أطراف منطقة الشرق الأوسط، بعد وقف الآلة العسكرية، للوصول إلى سلام حقيقي يمنع تجدّد الحروب، فإن دروس الماضي البعيد والقريب تشير بأن الحروب المتوقفة عند الهُدَنْ، من دون حسم ميداني، لا تؤسّس لسلم حقيقي، بل لحروب مستقبلية. فالمكاسب والشروط التي ينالها الرابح، والفرص الانقاذية التي يحصل عليها الخاسر للخروج من نكبته، تُعيد سباق التسلّح إلى السابق، لتأتي الحروب المقبلة بفصول أخطر من التي سبقتها، وأكثر ضراوةً بنسب كبيرة.

مع هذه المؤتمرات ذات الأهداف الآنية، تأتي النتائج على قدر وعي المسؤولين السياسيين في الدول الضالعة بالحروب، وفي المؤتمر الأخير الذي انعقد في فرنسا لأجل لبنان، أتت النتائج على قدر البحث عن الإعانات المادية، وليس الحلول الجذرية الكفيلة بتأمين الكرامة الوطنية. يتناسى، عن قصد، المسؤولون الرسميون اللبنانيون الأثمان الغالية التي يدفعها الشعب اللبناني من كرامته الشخصية ومن حياة عائلاته، ومن بيوته وجنى عمره، فيسعى هؤلاء، بإرشاد من محور المُمانعة، لقلب الصفحة على القرارات والخيارات التي أوصلت البلاد إلى المآسي، مستعينين بالإعانات كرشواتٍ، لإسكات الناس، ولدفعهم لغضِّ النظر عن محاسبتهم على تقاعسهم عن مسؤولياتهم، وسماحهم لخرق سيادة الدولة من قبل الدويلة.

إن المُخدّر المالي الذي تطمح السلطة اللبنانية الرسمية لتأمينه من خلال المؤتمرات، يُساهم إلى حدٍّ كبير بإفقاد الشعب اللبناني فرصته الثمينة، لبناء دولة المُحاسبة، وتسحب منه إمكانية تحرير نفسه من الخندق الغميق الذي وضعه فيه محور البحث عن الإعانات، بدل البحث عن الكرامات. إن هذا المحور المُدّعي دائماً بحصرية خوض معارك الكرامة، يرمي بيئته إلى العيش على الإعانة، متخلّياً مُسبقاً وعن سابق معرفة، عن حسابات تأمين الكرامة لها، فيتراكض خلف الدعم المالي من دولٍ يُطلق عليها لقب، الشيطان الأكبر، وأخرى يتَّهمها بالتعامل مع العدو، والتخاذل أمام الدفاع عن الحقوق.

كما يُطالعنا منظّرو محور البحث عن الإعانات بمداخلاتٍ اتهامية لمعارضيهم الداخليين، بالعمالة والخيانة، في الوقت الذي يرمون هم، عائلاتهم في حضون ومنازل هؤلاء المعارضين وقراهم وبيئاتهم، “ليس كل من يعيش على الإعانة فقد الكرامة، بل حتماً، كل من أوصله إلى العيش على الإعانة، هو الفاقد للكرامة الانسانية”. ليس العيش على الإعانة هو الإهانة، فلولا الأحداث الضخمة التي يواجهها هذا الشعب النازح، لما قبل الإهانة، ولكن حتماً، من سبَّب هذه المعاناة بحساباته السلطوية وبالتضحية بمصلحة شعبه لصالح حسابات مرجعيته الإقليمية هو المُهان إلى الأبد.

لأول مرّة في تاريخ الشعب اللبناني الحريص دائماً على تقاليده وقيمه، والمدافع دائماً عن كرامته، يضطر للعيش على الإعانة، ولكن، محطات تاريخه مليئة بصولات الدفاع عن الهوّية، ومراحل التحرّر من مشاريع التفريط بالكرامة. فالتاريخ الشريف يشي بأنه سيُعيد الكرّة هذه المرّة أيضاً، وأن كرة ثلج الكرامة بدأت بالتدحرج، وهذا فعلياً ما يُقلق منظّري محور العيش على الابتزاز لأجل نيل الإعانة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل