
“وجاءوا إلى أورشليم. ولما دخل يسوع الهيكل ابتدأ يُخرج الذين كانوا يبيعون ويشترون في الهيكل، وقلب موائد الصيارفة وكراسي باعة الحمام ولم يَدَع أحدًا يجتاز الهيكل بمتاع وكان يعلم قائلًا لهم: أليس مكتوبًا، بيتي بيت صلاة يدعى لجميع الأمم وأنتم جعلتموه مغارة لصوص”؟ ـ الكتاب المقدس ـ إنجيل مرقس ـ الفصل 11 ـ الآية 15 – 17.
لم يكن ما قام به السيد المسيح محط ترحيب أو قبول من مَن كان يتربص بدعوته ورسالته شرًّا وحقدًا وكرهًا، للحق المطلق المتجسد وللحقيقة التي امتدت ألفي سنة ونيف، إذ يُكمل الكتاب المقدس في الفصل نفسه في الآية التالية، بعد ثورة غضب المسيح على اللصوص مصادري الأملاك العامة والخاصة في ذاك العصر: “وسمع الكتبة ورؤساء الكهنة فطلبوا كيف يهلكونه، لأنهم خافوه، إذ بهت الجمع كله من تعليمه”… تمامًا كما لم يكن ولن يكون ما يقوم به ويقوله المدافعون عن هيكل الوطن المسلوب من لصوص هذا العصر، والمتصدع تحت حروبهم وارتكاباتهم محل ترحيب أو تأييد إذ “يطلبون كيف يهلكونهم” أو يهلكونهم كما فعلوا مع قافلة شهداء 14 آذار، لأنهم خافوهم وبهت الجمع كله من اللبنانيين من تعاليمهم”.
لم تكن ردة فعل المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد عبد الأمير قبلان على كلام البطريرك الراعي في 2 تشرين الثاني 2024، الا تكرارًا لما دأب المحور والمفتي نفسه على قوله والقيام به، تخوينًا وتشويهًا وتزويرًا للحقائق التي ما تنفك ترد على لسان رأس الكنيسة وأبنائها من كافة الطوائف المسيحية وبقية طوائف الوطن اللبناني.
قد يكون تركيز طالب هلاك القائلين بالحقيقة على جزئية “النازحين” من كلام البطريرك الراعي، محاولًا النيل منه، إيمانيًا مسيحيًا واعظًا مبشرًا مدعيًا حرصًا أكبر من حرص رأس الكنيسة على رسالة المسيح، مرده الى التهرب من الإجابة الواضحة الصريحة على مساءلة الراعي الصالح التي تصيب جوهر المسألة والأزمة المسببة للنزوح غير المنظم وتداعياته غير الشرعية، بالاعتداءات على الأملاك الخاصة والعامة ومن ضمنها المدارس الرسمية والخاصة. إذ يساءل “الحزب” ومِن ورائه يسأل قبلان على لسان البطريرك: “أين رأي الشعب في الحرب المدّمرة بين الحزب وإسرائيل، إنّه حتمًا ضدّها لأنّه هو ثمنها: ضحايا مدنيّة رجالًا ونساءً وأطفالًا، وكأنّنا أمام حرب إبادة، تُستعمل فيها أحدث الأسلحة والصواريخ، من دون شفقة ورحمة. الشعب ضدّ هذه الحرب التي دمّرت المنازل والمؤسّسات ودور العبادة، والتي هجّرت ما يزيد على المليون ونصف مهجّر. وتبدّد اقتصاده وماله وعمله ووظيفته. وفوق ذلك لا وقفًا لإطلاق النار، بل المزيد من الضحايا والتدمير والنزوح والجرحى بعشرات الألوف. فإلى متى؟ بالحرب الجميع خاسر ومنهزم ومكسور”.
الأكيد أن هذا ما يغيظ “تجار الهيكل والمقامرين والمغامرين به” اليوم تمامًا، كما أغاظهم كلام الراعي في محطات كثيرة مماثلة. فعلى سبيل المثال يقول البطريرك في 27 شباط 2021: “نحن نواجه حالة انقلابية بكل ما للكلمة من معنى على المجتمع اللبناني ولكل ما يمثل وطننا من حالة حضارية في هذا الشرق… لا يوجد دولتان أو دول على أرض واحدة ولا جيشان أو جيوش على أرض واحدة ولا شعبان أو شعوب في وطن واحد، وأي تلاعب بهذه الثوابت يهدد وحدة الدولة… لا تسكتوا عن تعدّد الولاءات ولا عن سلب أموالكم ولا عن الحلول السائبة ولا عن خرق أجوائنا، ولا تسكتوا أيضًا عن فشل الطبقة السياسيّة ولا عن فوضى التحقيق في جريمة المرفأ ولا عن تسييس القضاء ولا عن السلاح غير الشرعي وغير اللبناني، ولا عن الانقلاب على الدولة والنظام ولا عن نسيان الشهداء… ويلٌ لمَن ينسى شهداءه ويُقايض عليهم”.
أما بالنسبة الى ذريعة التهجم وتوجيه الاهانات والتهديدات والتي وردت على لسان الراعي عن النازحين “المقاومين”، على ما أطلق عليهم قبلان، فقول سيد بكركي: “…النزوح سيكون، إذا أهمل، سببًا للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية بين المواطنين. فيجب المزيد من الوعي، والمحافظة على الأملاك الخاصّة، وعلى العيش المشترك… ويجب تحرير المدارس الخاصّة والرسميّة لكي تتأمّن التربية والتعليم لأطفالنا وأجيالنا الطالعة. وهذا الأمر هو في عهدة وزارة التربية والحكومة. إنّ التربية والتعليم هما عنصران أساسيّان في حياة أطفالنا وشبابنا، وهما ضروريّان كالطعام…” وهذا تمامًا ما ورد في البند السادس من بيان القمة الإسلامية ـ المسيحية التي عقدت في 16 تشرين الأول 2024 بحضور وتوقيع رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى وموافقة ومباركة المفتي الجعفري الممتاز، إذ يؤكد المجتمعون الموافقون على “ضرورة استضافة هؤلاء النازحين الضيوف، إلى أن يعودوا إلى بلداتهم وقراهم ومساكنهم، والعمل على تقديم العناية اللازمة والرعاية لهم، مع التأكيد والحرص على احترام الملكية الفردية، وبالتالي رفض أي نوع من أنواع التعديات على الأشخاص وأملاكهم”، كما ورد أيضًا في البند الرابع من البيان الصادر في 28 تشرين الأول 2024 عن الكتل النيابية مجتمعة ومن ضمنها كتلتي “أمل” و”الحزب”، التنمية والتحرير والوفاء للمقاومة، إذ يؤكد المجتمعون الموافقون على “خضوع جميع المواطنين سواسية من مقيمين ونازحين للقانون وقواعد الانتظام العام واحترام الملكيات الخاصة وعدم الاعتداء عليها أو استعمالها بغير موافقة أصحابها”، لتصبح المدارس الخاصة والعامة المشغولة من النازحين، مشمولة بما نص عليه الكتاب المقدس ومارسه السيد المسيح على تجار الهيكل، ومشمولة ايضًا بما ورد في البيانين الآنفين الذكر، ومشمولة أخيرًا بقرار وزير التربية بفتح المدارس أمام التلاميذ، حفاظًا على التربية والثقافة والتعليم وعلى العام الدراسي.
ومع كل ما تقدم، تسقط مواعظ وانتقادات وهجومات وتهديدات المحور من دينيين وزمنيين وعسكريين أمنيين حزبيين، مع سقوط مَن طلب هلاك السيد المسيح ويطلب اليوم هلاك المسيحيين، عبر ضرب راعيهم متوهمين تشتتهم والقضاء عليهم.
تبقى الرسالة العميقة المتجددة الدائمة والمستمرة المترجمة لما يحصل في كل مكان وزمان وظرف من الظروف، ما عبر عنها السيد المسيح في الكتاب المقدس في انجيل متى 10:16: “هَا أَنَا أُرْسِلُكُمْ كَغَنَمٍ فِي وَسْطِ ذِئَابٍ، فَكُونُوا حُكَمَاءَ كَالْحَيَّاتِ وَبُسَطَاءَ كَالْحَمَامِ”.
.jpg)