صحيفة النهار – عبدالوهاب بدرخان
عام الفظائع والأهوال في غزّة أثّر سلباً إلى حد كبير في التفاعل الدولي مع الحرب على لبنان. كان المجتمع الدولي استنفد كل جهوده عبثاً في السعي إلى وقف الحرب على غزّة والضغط لإيصال المساعدات وزيادتها، إذ إن الحملة الهمجية استهدفت عمداً منذ أيامها الأولى ضرب البنية التحتية ومرافق الخدمات، متقصّدة تعطيل مقوّمات الحياة في القطاع. وقبل أن يمضي عام على أسوأ حروب التاريخ الحديث، كان الجميع، في مجلس الأمن والجمعية العمومية ومختلف المنظمات الأممية، فضلاً عن معظم الحكومات، قد يئس وأدرك مكرهاً أن إسرائيل والولايات المتحدة لا تريدان إنهاء هذه الحرب. وعلى رغم أن الميدان أظهر أنه لم يعد هناك ما يمكن تحقيقه عسكرياً، وأن إطلاق الرهائن لا يتم إلا باتفاق على وقف النار، وضعت إسرائيل في حسابها احتمال عدم استعادة الرهائن أحياء ووجدت في قتل المدنيين الفلسطينيين وتجويعهم وسيلةً لمواصلة الحرب في انتظار إعلانٍ من “حركة ح” بـ “الاستسلام”.
هذا ما يبحث عنه قادة العدو في لبنان: الاستسلام، أيّ نوع من الاستسلام، لاستخدامه في تخصيب طموح “تغيير وجه الشرق الأوسط” ليكون إسرائيلياً وليس إيرانياً، ولا عربياً بطبيعة الحال. كيف أثّرت حرب غزّة في لبنان، خصوصاً لناحية الدعم الأميركي- الغربي المطلق لإسرائيل، ما مكّنها من تطبيق كل أنواع الوحشية وصولاً إلى الإبادة بكل عناصرها، من دون إدانة أو فرملة أو شبح محاسبة؟
اعتاد العالم مشاهد القتل والتدمير، حتى إن الحرب المستمرة على لبنان منذ أربعة وأربعين يوماً لم تُثر ردود الفعل المفترضة، ولم تحرّك أي مبادرات استثنائية، وكأن البلد بات بلا أشقاء ولا أصدقاء، أو كأن هؤلاء جرّبوا ما يستطيعون لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من غزّة وأهلها، وانتهوا إلى فشل، فما عادوا يريدون المحاولة. وعندما انتقلت الحرب إلى لبنان لم يكن في وسعهم سوى تركه لـ “الوساطة” الأميركية التي يعرف الجميع أنها لا يمكن أن تنطق إلا بالشروط الإسرائيلية.
لم يُطرح حتى مجرد اقتراح وساطة عربية كالتي أوجدتها الظروف لغزّة، ولأسباب معروفة منها أن “حركة ح” فضّلت التفاوض غير المباشر عبر مصر وقطر، تأكيداً لـ”استقلاليتها”، وما كانت لتفوّض إلى السلطة الفلسطينية التفاوض عنها، ولا كانت إسرائيل لتقبل بأن تفاوض السلطة بالنيابة عن “حركة ح”، وفي النهاية لم يفضِ هذا النهج إلى الخاتمة التي تمنّتها “حركة ح” أو تخيّلتها، فاختارت مواصلة ما تعتبره “حرب استنزاف” وكأن القطاع لا يزال بكامل عافيته. أما بالنسبة إلى لبنان فكانت هناك ظروف تسمح بتجنّب الحرب وعدم إعطاء إسرائيل فرصة لتدمير مناطق واسعة من الجنوب والبقاع، خصوصاً بعدما اتضح أن لا جدوى من مساندة غزّة. غير أن “حزب إيران/ الحزب” رفض كل العروض الأميركية والفرنسية لـ”الحل الديبلوماسي”، وكان ذلك في الواقع رفضاً إيرانياً، لأن التفاوض يجري بمعزل عن طهران، مع وجود اتصالات بينها وبين الأميركيين.
لا يزال هناك الكثير مما لم يُكشف عن الإرباك الذي أحدثه “طوفان الأقصى” وتوقيته في صفوف “محور الممانعة” و”ساحاته” وخططه للحرب الشاملة. لكن “حركة ح” تمكّنت من توجيه أكبر ضربة لإسرائيل ففجّرت حرباً بلا نهاية ضدها، ولا تعرف الآن كيف تدير خسارتها. أما “حزب إيران” فورّط نفسه في مساندة غزّة وأخطأ في تقدير نوع الحرب وحجمها، وهو يعرف الآن أنه لن يربحها، لكن الأخطر أنه لا يعرف أن يخسر.