#dfp #adsense

خاص ـ “فكر حر”: كسروان وجبيل لمن؟

حجم الخط

كسروان

تًكثِر بعض أبواق الممانعة في الآونة الأخيرة من حديثها عن أن كسروان وجبيل كانت تاريخياً للشيعة وبأن المسيحيين جاؤوا إليها دخلاء، مهدِّدين باسترجاعها من سكّانها المسيحيين، علماً أن هذه النغمة المُضحكة كان قد افتتحها المرحوم نصرالله عام 1983، بقوله إن كسروان وجبيل هي أرض شيعية، وقد جاءها المسيحيون غُزاة، وقد جاءت بهم الامبراطورية البيزنطية لزرعهم شوكةً في خاصرة المسلمين، متوعداً باسترداد هذه الأرض، وجعل لبنان ليس فقط جمهوريةً “إسلاميةً” وفق مذهب الفقيه طبعاً، بل مجرد جزءٍ من جمهوريةٍ “شيعية” أوسع بقيادة ولي الفقيه في طهران.

للتذكير بشكلٍ سريع فقط، نشأ المذهب الشيعي الاثنا عشري الذي تدعّي هذه الأبواق زوراً الانتماء إليه وهو منها براء، نشأ في سامرّاء العراق مع الإمام الشيعي الثاني عشر محمد ابن حسن العسكري، المولود سنة 869م، والمعروف بالمهدي المنتظر، أي أن هذا المذهب لم يُبصر فعلياً النور في العراق، إلا حوالى عام 900م، دعك من الفترة الزمنية التي استلزمته للوصول إلى لبنان مع الآتين من العراق، ممّا يعني أن انتشار هذا المذهب الإثنا عشري في لبنان كان متأخراً عن انتشار الدين المسيحي في لبنان وأنطاكيا وسائر المشرق مع المسيح ورسله بـ 9 قرونٍ، وعن انتشار المذهب الماروني مع رهبان مار مارون، بخمسة قرون.

لكن لا عجب طبعاً من هذا التزوير المفضوح للتاريخ القديم وقلب التواريخ والحقائق، طالما أن التزوير ماشي في الحاضر على قدمٍ وساق، وبوجود كل وسائل التواصل والتصوير. فالمخزن الذي ينفجر تحت البناية هو معمل قوارير أوكسيجين، واستهداف قيادة الارهاب العالمي في الرضوان التي تعقد اجتماعاتها تحت منازل المدنيين وغرف الأطفال، لا في عماد 4 و عماد 5، هو “اعتداء اسرائيلي غاشم على المدنيين”، وأحمر العلم اللبناني وبياضه صار معهم أخيراً لوناً أصفر، وحسن نصرالله حي يُرزق وسيطّل الإثنين او الخميس بالتزامن مع سحب اللوتو، و”توازن الرعب” هو كاتيوشا بمواجهة أف 35، وإسرائيل لم تدخل شبراً واحداً من الجنوب وانسحبت إلى إيلات، ومع ذلك فهي تفجّر الأنفاق في قرى جنوبية بعمق 5 كلم وأكثر.

ينفردون بإعلان حربٍ من طرف واحد على أقوى جيش في الشرق الأوسط، لكنهم يشكون ويبكون من “العدوان الاسرائيلي” عليهم. يعيشون في وهم “الصلاة مع السيد في القدس”، لكنهم يستجدون العالم لتطبيق القرار 1701 “ولا حرف زايد أو ناقص” والتراجع معه إلى ما وراء وراء الليطاني. قتلوا رفيق الحريري وشهداء ثورة الأرز ولم يتورّع زعيمهم بذاته عن تزوير وقائع وعرض صور لطائرات استطلاع إسرائيلية، زاعماً أنها كانت تراقب الحريري. توقّفوا عن نعي أسماء مسلحيهم بالآلاف وحوّلوهم بشطبة قلم إلى نساء وأطفال وضحايا مدنيين… وهل نعجب بعد إذا حاولوا تزوير تاريخ كسروان وجبيل أيضاً؟.

وإذا كانت الامبراطورية البيزنطية قد جاءت بالمسيحيين إلى لبنان غُزاة لزرعهم شوكةً في خاصرة المسلمين، بحسب قول المرحوم نصرالله، فهذه الأمبراطورية كانت قد خرجت من لبنان أواخر القرن السابع، أي قبل ظهور المذهب الشيعي الاثني عشري فيه أقلّه بـ 200 سنة، وكانت موجودة في لبنان، عندما كانت لا تزال تُعرف بالأمبراطورية الرومانية، قبل نشوء المسيحية والإسلام أساساً، أي أنها دخلت لبنان وخرجت منه قبل ظهور مذهب المرحوم نصرالله، فما دخله هو بموضوع الشوكة والغزاة، حتى لا نقول وما دخله أصلاً بإسلام الأمويين والخليفة معاوية وابنه يزيد الذي كان يحارب هؤلاء البيزنطيين في لبنان وقتها، والذي لا يعترف نصرالله أصلاً بشرعية خلافتهم؟. وكيف تكون بيزنطيا قد جاءت بالمسيحيين غزاة، وهي التي كانت أصلاً في الفترة التي يتكلم عنها المرحوم نصرالله، في موقعٍ دفاعي وتراجعي من الغزوات والفتوحات الأموية التي ما زال نصرالله وأبواقه يلعنون خلفائها في جلساتهم حتى اليوم!.

علماً أن الامبراطورية البيزنطية احتلت أراضي لبنان والشرق تحت مُسمّى الأمبراطورية الرومانية بدايةً منذ سنة 27 قبل الميلاد، ولاحقاً صارت الامبراطورية البيزنطية، بعدما تحولّت ديانتها تدريجياً إلى المسيحية في مرسوم ميلانو سنة 313م، وبعد أن انقسمت إدارياً إلى امبراطورية رومانية شرقية عُرفت بالبيزنطية، وامبراطورية رومانية غربية لم تُعمّر في الغرب طويلاً.

وإذا كان ثمّة غزوٍ قامت به الأمبراطورية البيزنطية للشرق عندما كانت لا تزال امبراطوريةً رومانية وثنية، فهي لأراضي الشعوب المشرقية القديمة، من عبريين وآراميين وأقباط ولاحقاً سريان، وبعض القبائل العربية الوثنية حينها في مصر وسوريا ولبنان والعراق وفلسطين والأردن، وليس لأراضي مذهب المرحوم نصرالله وأبواقه، باعتبار أن غزوتها لهذه المناطق سابقةً أصلاً لظهور الديانتين المسيحية والإسلام. فالذي يحق له التحدّث عن الغزاة والمطالبة بحقوق وأراضي، هم تلك الشعوب القديمة بالذات، وليس أبواق الممانعة التي تتحدث من منطلقٍ مذهبي بحت انوجد بعد تلك “الغزوات البيزنطية” بـ 900 سنة على الأقل، وليس من منطلقٍ قومي أو إثني أو حضاري قديم لا تعترف به أصلاً.

كسروان وجبيل لمن؟. في التاريخ المعروف، هي كانت بدايةً مأهولة بـ”الوثنيين” من كنعانيين وفينيقيين وآراميين ورومان، أعطوا قراها وبلداتها معظم أسمائها المعروفة اليوم بحسب الاشتقاقات اللغوية التي فنّدها بالتفصيل العلامة الكبير أنيس فريحة، ثم الروم اليونانيين والموارنة والسريان اليعاقبة الذي بنوا الأديرة والكنائس وخلّدوا أيقوناتهم ونقوشاتهم وآثاراتهم في كل زاوية من زوايا لبنان منذ القرون الأولى للمسيحية، ولاحقاً السنّة ثم بعض الفرق الشيعية، بعد ظهور المذاهب الشيعية بفروعها المتعددة اعتباراً من القرنين التاسع والعاشر وصعوداً…

أما في الحاضر، فكسروان وجبيل لكل أبنائها، وللشرعية الحقيقية لا شرعية الممانعة، ولبكركي، وللجيش اللبناني، وللرئيس فؤاد شهاب، والبطريرك مار نصرالله بطرس صفير، والأباتي شربل قسيس، والعميد ريمون إدّه، والشيخ غسان اللقيس، والمفكر فرج الله الحلو، والمفكر أنطوان نجم، والأديب مارون عبود، وللمقاومة اللبنانية الحقّة، وللصروح التعليمية والثقافية والاستشفائية والاقتصادية والسياحية والعمرانية والتنويرية المرموقة، وللحق والحرية والانسان… يلتزم أبناؤها بنسبة 99% منهم بالقوانين، ويدفعون ضرائبهم بانتظام، ولا يتخلّفون عن واجباتهم الوطنية، يحبون ثقافة الحياة لا ثقافة الموت، ويسعون لتعليم أولادهم وتربيتهم وتثقيفهم حتى يكونوا قبلة أنظار المجتمع ومصدر فخرٍ لهم وللبنان، لا ليكونوا فدا صرماية فلان أو علتان، يؤمنون بالتسامح والعيش المشترك والسلام والانفتاح والتطور والازدهار، والتاريخ لا يعنيهم إلا بقدر ما يتكامل مع هذا الحاضر المشرق، فالأنظار شاخصة دائماً إلى الأمام وإلى المستقبل، إلى حيث النور والحرية والازدهار والتطور، وليس إلى الخلف، ولا إلى الأفكار الرجعية المتخلفّة والأيديولوجيات المندثرة التي ولّى زمنها إلى غير رجعة.

أما المتخلّفون الظلاميون الذين يدّعون بالتهديد والوعيد، وتزوير التاريخ، حقاً تاريخياً لهم في أرض الحرف والحضارة كسروان وجبيل، لا لترقيتها وتطويرها بل لمجرد تحويل حاضر هذه المنطقة ومستقبلها نسخةً مظلمة وشريرة عن ظلاميتهم وتخلّفهم، فهؤلاء ليسوا فقط متخلّفيّن بفكرهم عن ثقافة هذه الأرض وتاريخها بمئات السنوات الضوئية، بل متخلفّون زمنياً عن وجود أبنائها الأصليين فيها بنفس النسبة لتخلّفهم الفكري عنهم، أي مئات السنوات الفعلية، ولا مكان لهذا الفكر المتخلف في حاضر كسروان جبيل ولا في مستقبلها، تماماً مثلما لم يكن له يوماً مقرّاً ثابتاً ومتجذراً في تاريخها المشرق المجيد.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل