.jpg)
أستاذ القانون الدولي الجنائي والقانون الجزائي الخاص في جامعة ستراسبورغ- فرنسا
مستشار في المحكمة الجنائية الدولية- لاهاي
محام عام أسبق في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان
محام عام أسبق في فرنسا
بتاريخ 11 آب 2006 صدر القرار الدولي الرقم 1701 عن مجلس الأمن بالإجماع بهدف انهاء الحرب بين إسرائيل وحزب الله في جنوب لبنان وتسليم سلاح هذا الحزب الى الدولة اللبنانية ونشر الجيش اللبناني في منطقة جنوبي الليطاني. غير ان هذا القرار الذي لم ينفذ البتة بدأ مؤخرا يطرح العديد من التساؤلات والاشكاليات المتعلقة بتفسيره وبآلية تنفيذه وخصوصا منذ أن فتح حزب الله ما سماه بجبهة الاسناد لغزة على الحدود اللبنانية مع إسرائيل، اذ أن كل فريق من فرقاء النزاع يريد تطبيقه أو حتى عدم تطبيقه وفقا لوجهة نظر مختلفة تتوافق مع مصالحه ومخططاته، وكل جهة من الجهات السياسية اللبنانية وحتى الإقليمية كانت تعطيه وما زالت تفسيرا مختلفا عن الآخر وذلك طبقا لتطلعاتها ولرغباتها السياسية والمصلحية. ومن الثابت أن القرار لم يطبق يوما كما يجب وبكل مندرجاته وفقراته القانونية وانه تعرض للكثير من الخروقات سواء من قبل إسرائيل، أو من حزب الله أو من الحكومة اللبنانية أو حتى من قبل القوات الدولية لحفظ السلام على الخط الأزرق.
ولكن قبل الخوض في مسألة مضمون ونطاق تنفيذ هذا القرار الدولي وفي مفاهيم فقراته القانونية ومفاعيلها وقوتها التنفيذية، لا بد من الإشارة الى ثوابت عدة نص عليها وأكد على ضرورة احترامها أكان في مقدمته أم في متن نصه.
تتلخص هذه الثوابت بالنقاط والعناصر الأساسية التالية:
• ان الوضع في لبنان يشكل تهديداً للسلام والأمن الدوليين:
ما يعني أن مجلس الأمن اتخذ القرار 1701 مطبقا بعض مواد الفصل السابع من شرعة الأمم المتحدة والتي تتيح له تحديد الوضع الذي يشكل تهديديا للأمن والسلم الدوليين لا سيما أحكام المادة 39 من الشرعة الواردة تحت الفصل المذكور والتي تفيد بأنه قبل أن يكون في وسع مجلس الأمن اتخاذ تدابير إلزامية، عليه أن يقرر وجود أي تهديد للسلم أو إخلال به أو وقوع عدوان. وعلى هذا الأساس القانوني، حدد المجلس بموجب القرار 1701 التهديدات المحتملة أو العامة التي تشكل خطرا على السلم والأمن الدوليين في جنوب لبنان والناتجة عن الصراع الذي نشب بين إسرائيل وحزب الله وفرض بعض الإجراءات والتدابير الملزمة التي لا تستوجب اللجوء الى استعمال القوة عملا بأحكام المواد 39 الى 41 من الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. مما يفيد بأن بوسع مجلس الأمن، متى شاء، اتخاذ التدابير اللازمة والتي يرتئيها ضرورية، بما فيها استعمال القوة والقيام بعمل عسكري “لحفظ السلم والأمن الدوليين في هذه المنطقة، في حال عدم تنفيذ بنود القرار 1701 وذلك عملا بأحكام المادة 43 من ميثاق الأمم المتحدة.
• التذكير بكل قرارات مجلس الأمن السابقة المتعلقة بلبنان خصوصاً القرارات 425 و426 (1978) و520 (1982) و1559 (2004) و1655 (2006) و1680 (2006)، والتأكيد على انه من الضرورة أن تبسط الحكومة اللبنانية سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية طبقاً لبنود القرارين 1559 (2004) و1680 (2006) ولبنود اتفاق الطائف ذات الصلة، وأن تمارس سيادتها بشكل كامل بما يؤدي إلى عدم وجود أي سلاح غير شرعي بدون موافقة الحكومة اللبنانية وعدم وجود أي سلطة غير تلك التي تمارسها الحكومة اللبنانية. وبناء عليه، يصر القرار 1701 على تطبيق كامل لبنود اتفاق الطائف والقرارين 1559 (2004) و1680 (2006) اللذين يفرضان نزع أسلحة كل المجموعات المسلحة في لبنان، بما فيها سلاح حزب الله، لتصبح الدولة اللبنانية تملك وحدها، وطبقاً لقرار مجلس الوزراء المتخذ بتاريخ 27 تموز/يوليو 2006، أسلحة وتمارس سلطتها على كامل التراب اللبناني.
• ضرورة الاحترام الكامل للخط الأزرق
يكرر القرار تأكيد دعم مجلس الأمن الحازم للاحترام الصارم للخط الأزرق. ويذكر على هذا الصعيد أنه كان قد قام فريق من الأمم المتحدة برسم خط الانسحاب الذي يسمى بالخط الأزرق. كما قام فريق لبناني إسرائيلي بمراقبة الانسحاب الإسرائيلي إلى ما وراء الخط، وسجل الفريق اللبناني تحفظه على الخط الأزرق خصوصًا فيما يتعلق بمزارع شبعا، ولكن الأمم المتحدة لم تأخذ بوجهة النظر اللبنانية وبالخريطة المقدمة من قبل الحكومة، وأعلنت أن إسرائيل قد انسحبت وطبقت القرار 425 كاملًا، وإن مزارع شبعا ليست لبنانية بل سورية وتابعة لمسؤولية الـ «اندوف» (UNDOF) وليس لقوات الـ «يونيفيل» (UNIFIL). وهذا يعني أن الأمم المتحدة تعتبر حتى اليوم أن مزارع شبع عير داخلة ضمن الخط الأزرق وتعود ملكيتها الى سوريا حتى اثبات العكس. وبالتالي تخضع المزارع للقرار الدولي رقم 497 (الذي يرفض الاحتلال الإسرائيلي للجولان)، وتحضر فيها قوات قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك “أوندوف”.
• التأكيد على سيادة الدولة اللبنانية ووحدة وسلامة أراضيها
يؤكد القرار 1701 على تمسك مجلس الأمن الثابت كما ذكر في كل قراراته السابقة، بوحدة وسلامة أراضي لبنان وسيادته واستقلاله السياسي داخل حدوده المعترف بها دولياً كما هو وارد في اتفاقية الهدنة الإسرائيلية اللبنانية الموقعة في 23 آذار/مارس 1949.
• إقامة منطقة عازلة
يقيم القرار 1701 منطقة عازلة بين الخط الأزرق والليطاني خالية من أي مسلحين أو ممتلكات أو أسلحة غير تلك التي تنشرها في المنطقة الحكومة اللبنانية وقوة الطوارئ الدولية المسموح بها طبقاً للفقرة 11 من القرار.
على الرغم من صراحة وصرامة هذه الثوابت والقواعد، لم يحترم أطراف النزاع مندرجات القرار 1701 ولم تقم الحكومة اللبنانية ولا حتى قوات حفظ السلام بتنفيذ الموجبات الملقاة على عاتقها بموجب هذا القرار لأسباب سياسية وأمنية وأهمها قبض حزب الله على مفاصل ومقدرات الدولة اللبنانية وعلى قرار الحكومات اللبنانية المتعاقبة، يضاف الى ذلك عجز وتلكؤ قوات حفظ السلام عن القيام بمهامها وبموجباتها وفقا لما ينص عليه القرار الأممي وتخلف المجتمع الدولي وخصوصا مجلس الأمن عن اتخاذ إجراءات عملية، صارمة وملزة لتنفيذ مندرجات القرار 1701 والقرارات الأخرى الملزمة لاسيما منها القرارين 1559 و 1680 طبقا للفضل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. لذلك ونظرا لما يطرحه القرار 1701 من مسائل حملت العديد من التفسيرات المتضاربة، لا بد من تفنيد مضمون مندرجاته قبل معالجة الإشكاليات النصية القانونية الناتجة عن التفسيرات المتعلقة بنطاق تطبيقه، بآليات وطرق تنفيذه وبقوته التنفيذية الملزمة.
أولا: في مضمون القرار الدولي 1701
خلافا لما يدعيه البعض، اتخذ قرار مجلس الأمن الرقم 1701 ليس فقط من أجل انهاء الاشتباكات المسلحة بين إسرائيل ومنظمة حزب الله وإقامة منطقة عازلة بين الخط الأزرق وجنوبي الليطاني، وانما أيضا بهدف تمكين الدولة اللبنانية من استعادة سلطتها وسيادتها ليس فقط على جنوب البلاد وانما أيضا على كامل التراب اللبناني ومن تجريد المنظمات المسلحة اللبنانية وغير اللبنانية من سلاحها ومن ضبط الحدود والمعابر اللبنانية البرية والبحرية ومنع التسلح وإدخال السلاح غير الشرعي الى لبنان. وفي هذا السياق، يشير القرار، في مقدمته، الى التعهد الذي قطعته الحكومة اللبنانية في خطتها المؤلفة من سبع نقاط، ببسط سلطتها على أراضيها بواسطة قواتها المسلحة الشرعية بما يؤدي إلى عدم وجود أي سلاح بدون موافقة الحكومة. ويؤكد القرار على التزام الحكومة اللبنانية بهذا الخصوص وعلى أنه بوسعها أن تطلب الدعم من قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة وعلى أنه سيتم استكمال وتعزيز عديد هذه القوة ومعداتها ومهمتها وحقل عملياتها بهدف تمكين الحكومة اللبنانية من تطبيق القرار 1701 بكامل مندرجاته.
• انسحاب فوري لمسلحي حزب الله وللقوات الإسرائيلية، سحب السلاح وإقامة منطقة عازلة واحترام الخط الأزرق
إضافة الى احترام صارم من الجانبين للخط الأزرق، اتخاذ إجراءات أمنية تمنع استئناف العمليات الحربية وخصوصاً إقامة منطقة بين الخط الأزرق والليطاني خالية من أي مسلحين أو ممتلكات أو أسلحة غير تلك التي تنشرها في المنطقة الحكومة اللبنانية وقوة الطوارئ الدولية المسموح بها طبقاً للفقرة 11 . ويشير القرار أيضا في متنه الى ضرورة الانسحاب الفوري للقوات الإسرائيلية بالتزامن مع سحب قوات وسلاح حزب الله وانتشار الجيش اللبناني في المنطقة العازلة بين الخط الأزرق وجنوبي الليطاني، والى المقترحات التي عرضت في خطة الحكومة اللبنانية والمؤلفة من سبع نقاط تتعلق بقطاع مزارع شبعا. وعلى هذا الصعيد، رحب مجلس الأمن بالقرار الذي اتخذته الحكومة اللبنانية بالإجماع في السابع من أغسطس 2006 بنشر قوة مسلحة لبنانية من خمسة عشر ألف جندي في جنوب لبنان بالتزامن مع انسحاب الجيش الإسرائيلي إلى ما وراء الخط الأزرق وبطلب مساعدة قوات إضافية لقوة الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان (يونيفيل) حسب الحاجة. ولهذه الناحية، يؤكد القرار 1701 في مقدمته على ضرورة تسهيل دخول القوات المسلحة اللبنانية إلى المنطقة العازلة وعلى عزم الأمم المتحدة من جديد على تعزيز القوات المسلحة اللبنانية عبر تزويدها بالمعدات اللازمة كي تتمكن من القيام بمهامها، ويذكر صراحة بأن مجلس الأمن يدرك المسؤولية التي تقع على عاتقه في المساعدة على وقف دائم لإطلاق النار وتسوية طويلة الأمد للنزاع، إذ يعتبر أن الوضع في لبنان يشكل تهديداً للسلام والأمن الدوليين.
وإذ يصر مضمون القرار 1701 على منع الأعمال الحربية فورا من جانبي الخط الأزرق بوقف فوري من قبل حزب الله لكل هجماته ووقف فوري من جانب إسرائيل لكل هجماتها العسكرية، يطلب من الحكومة اللبنانية وقوة الطوارئ الدولية كما هو مأذون لها في الفقرة الحادية عشرة، نشر قواتهما في كل الجنوب، ويطلب من الحكومة الإسرائيلية أن تسحب، تزامناً مع بدء هذا الانتشار وبموازاته، قواتها من جنوب لبنان) الفقرة 2 (.
• بسط سلطة الدولة اللبنانية ليس فقط في جنوب لبنان وانما على كل الأراضي اللبنانية
ولكن بالإضافة الى الإصرار على ضرورة وقف اطلاق النار وعلى انسحاب القوات الإسرائيلية من مناطق لبنان التي احتلتها وكذلك على عدم تواجد أي قوة مسلحة لبنانية غير الجيش اللبناني في المنطقة العازلة بين الخط الأزرق وجنوبي الليطاني) الفقرة 2 والفقرة 4 (، ينص القرار على ضرورة أن تبسط الحكومة اللبنانية سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية طبقاً لبنود القرارين 1559 (2004) و1680 (2006) ولبنود اتفاق الطائف ذات الصلة، وأن تمارس سيادتها بشكل كامل وغير منقوص بما يؤدي إلى عدم وجود أي سلاح بدون موافقة الحكومة اللبنانية وعدم وجود أي سلطة غير تلك التي تمارسها الحكومة اللبنانية ليس فقط في الجنوب اللبناني وانما على كافة الأراضي اللبنانية )الفقرة 3 (. وبهذا الخصوص، يؤكد القرار دعمه الحازم للاحترام الصارم للخط الأزرق بغض النظر عن الإشكالية التي تطرحها مسألة ملكية مزارع شبعا المثارة في خطة الحكومة اللبنانية المؤلفة من سبع نقاط والتي تتعهد بموجبها احترام الخط الأزرق وببسط سلطتها على أراضيها بواسطة قواتها المسلحة الشرعية بما يؤدي إلى عدم وجود أي سلاح سوى سلاح الشرعية اللبنانية، وذلك وفقا لبنود القرارين 1559 (2004) و1680 (2006) ولبنود اتفاق الطائف ذات الصلة، ما يؤدي الى ممارسة الدولة اللبنانية سيادتها بشكل كامل وإلى تجريد المنظمات المسلحة اللبنانية وغير اللبنانية من سلاحها والى وعدم وجود أي سلطة غير تلك التي تمارسها الحكومة اللبنانية.
• ضبط الحدود البرية والبحرية
ينص القرار 17021 صراحة على ضرورة مراقبة وضبط الحدود البرية والبحرية مع سوريا ومنع استيراد أو ادخال أي أسلحة وكذلك منع بيع أو تسليم أي أسلحة أو معدات مرتبطة بأية منظمة أو مجموعة أو جهة في لبنان باستثناء تلك التي تسمح بها الحكومة اللبنانية. كما ينص على منع أي قوة أجنبية في لبنان لا تحظى بموافقة الحكومة اللبنانية. وتأكيدا على ضرورة تطبيق القرارين 1559 و1680، طلب مجلس الأمن في متن القرار 1701 من الأمين العام للأمم المتحدة أن يضع وبالاتصال مع الممثلين الدوليين الأساسيين والأطراف المعنيين، مقترحات لتطبيق بنود اتفاق الطائف والقرارين 1559 (2004) و1680 (2006) ذات الصلة وخصوصاً البنود المتعلقة بنزع الأسلحة وترسيم الحدود الدولية للبنان ولا سيما في المناطق حيث الحدود متنازع عليها أو غير مؤكدة بما في ذلك الاهتمام بقضية مزارع شبعا، وتقديم هذه المقترحات خلال ثلاثين يوما )الفقرة 10 (.
• تدعيم عديد وعتاد وحقل عمليات ومهام قوات الطوارئ الدولية
بهدف تمكين قوة الطوارئ الدولية من تقديم الدعم اللازم للجيش اللبناني كي يستطيع من فرض سلطة الحكومة اللبنانية وسيادتها في كل جنوب لبنان وعلى كامل الأراضي اللبنانية، نص القرار 1701 في الفقرة 11 منه على ضرورة استكمال وتعزيز عديد ومعدات ومهمة وحقل عمليات قوة الطوارئ الدولية، وعلى السماح بزيادة عديد هذه القوة ليبلغ خمسة عشر ألف رجل على الأكثر، ثم أن مجلس الأمن فرض على هذه القوة، عملا بأحكام الفقرة العاشرة من القرار 1701، تنفيذ المهام الأساسية التالية:
– مراقبة وقف الاعمال الحربية.
– مرافقة ودعم القوات المسلحة اللبنانية بالتزامن مع انتشارها في كل الجنوب، بما في ذلك على طول الخط الازرق بينما تسحب إسرائيل قواتها المسلحة من لبنان كما هو وارد في الفقرة الثانية من القرار، على أن تنسق هذه القوات نشاطاتها المرتبطة بتنفيذ المهمة المذكورة مع الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية )الفقرة 11 ب و ج(.
– مساعدة القوات المسلحة اللبنانية على اتخاذ إجراءات عملانية من اجل اقامة المنطقة العازلة المنصوص عليها في الفقرة من القرار ) الفقرة 11 ه(.
– مساعدة الحكومة اللبنانية، بناء على طلبها، على تطبيق الفقرة 14 من القرار التي تضع على كاهل هذه الحكومة موجب ضمان أمن حدودها ونقاط الدخول الاخرى وضبطها بما يمنع دخول أية أسلحة أو معدات مرتبطة بها بدون موافقتها، على أن تطلب الحكومة اللبنانية من قوة الطوارئ الدولية كما هو مأذون لها في الفقرة 11من القرار، تقديم الدعم الكافي لها من أجل تنفيذ هذا الموجب الدولي. وتنفيذا لهذه المهمة الأساسية.
– اتخاذ الاجراءات اللازمة : تلبية لطلب الحكومة اللبنانية التي تريد نشر قوة دولية لمساعدتها على ممارسة سلطتها على كل الاراضي، يسمح لقوة الطوارئ الدولية، بموجب الفقرة 12 من القرار 1701، اتخاذ الإجراءات اللازمة في كل القطاعات التي تنتشر فيها قواتها، والعمل عندما ترى ذلك ممكناً في حدود امكانياتها. ويقع، في هذا الاطار، على عاتق قوات الطوارئ الدولية القيام بكل ما يلزم من أجل أن لا يستخدم قطاع عملياتها الدولية لنشاطات عدائية أيا تكن طبيعتها، ومقاومة المحاولات التي تهدف إلى منعها بالقوة من تنفيذ مهامها وواجباتها في اطار التفويض الذي منحه لها مجلس الامن الدولي، وحماية موظفي ومقار ومنشآت ومعدات الامم المتحدة، وضمان أمن وحرية تحرك موظفيها والعاملين في القطاع الانساني، من دون المساس بمسؤولية الحكومة اللبنانية، وكذلك حماية المدنيين المعرضين لتهديد وشيك من اعمال عنف جسدية عملا بأحكام الفقرة 12 من القرار 1701 . وبهدف تمكين قوة الطوارئ الدولية من القيام بالموجبات والمهمات التي يفرض عليها القرار 1701 تنفيذها يكون، بموجب الفقرة 13 من هذا القرار، لزاما على الامين العام للأمم المتحدة ان يضع قيد التنفيذ وبالسرعة اللازمة اجراءات من شأنها ضمان ان تكون قوة الطوارئ الدولية قادرة على القيام بالوظائف الواردة في هذا القرار المذكورة أعلاه، وعليه أن يدعو الدول الاعضاء إلى التفكير في تقديم مساهماتها المناسبة في هذه القوة وتلبية طلبات مساعدتها بشكل ايجابي، يقرر من جهة اخرى انه على كل الدول اتخاذ كل الإجراءات اللازمة لتمنع مواطنيها أو انطلاقاً من أراضيها أو عن طريق سفن ترفع علمها أو طائرات من جنسيتها.
وفي السياق عينه ، ودعما لسيادة الدولة اللبنانية وبهدف تجريد المنظمات اللبنانية وغيرها من سلاحها غير الشرعي ومنعها من القيام بأي أعمال حربية على الأراضي اللبنانية أو انطلاقا منها، تلزم الفقرة 15 من القرار 1701 كل الدول الأعضاء اتخاذ كل الإجراءات اللازمة لمنع مواطنيها أو انطلاقاً من أراضيها أو عن طريق سفن ترفع علمها أو طائرات من جنسيتها: أ – بيع أو تسليم أي كيان أو فرد موجود في لبنان أسلحة ومعدات على صلة بها من كل الأنواع بما في ذلك الأسلحة وذخائرها والآليات والمعدات العسكرية والمعدات شبه العسكرية وقطع الغيار الخاصة بها، سواء كانت هذه المعدات من أرضها أو لم تكن. ب – تسليم أي كيان أو فرد موجود في لبنان أي تأهيل أو وسيلة تقنية مرتبطة بتسليم أو انتاج أو صيانة أو استخدام المعدات المذكورة في الفقرة أ السابقة، على الا يطبق هذا الحظر على الأسلحة والمعدات ذات الصلة ونشاطات التأهيل أو المساعدة التي تسمح بها الحكومة اللبنانية أو قوة الطوارئ الدولية، كما هو مأذون به في الفقرة 11 من القرار.
ويؤكد القرار أخيرا في فقرته 18 على ضرورة إحلال سلام دائم وعاجل وشامل في الشرق الأوسط على أساس كل القرارات ذات الصلة بما في ذلك القرارات 242 (1967) الصادر في 22 نوفمبر 1967 و338 (1973) الصادر في 22 أكتوبر 1973 و1515 (2003) الصادر في 19 تشرين الثاني/نوفمبر 2003، ويرجو من الأمين العام للأمم المتحدة تقديم تقرير خلال أسبوع على الأكثر ثم على فترات منتظمة، عن تطبيق هذا القرار.
ثانيا: إشكاليات التفسير والتنفيذ التي يطرحها القرار 1701
على الرغم من صراحة ووضوح مضمون مقدمة وفقرات القرار 1701، لم تعمل الأطراف المعنية على تنفيذه متذرعة تارة بتفسيرات هجينة لا تتطابق لا مع المعنى القانوني الدولي الحقيقي لنصه ولا مع المدى التطبيقي الذي اراد مجلس الأمن رسم اطاره بموجب القرار المذكور، وتارة اخرى بعدم الزامية تنفيذ هذا القرار لأسباب واشكاليات تتعلق بترسيم الحدود اللبنانية البرية مع اسرائيل وبمزارع شبعا. وعليه لا بد من معالجة اشكاليات ثلاث مثارة ومعتمدة من الحكومات اللبنانية المتعاقبة بالتضامن مع حزب الله أدت الى عدم تنفيذ القرار 1701: اشكالية التفسيرات المتعلقة بالنطاق أو بالمجال الجغرافي للقرار، الاشكالية المتعلقة بتنفيذ القرار واشكالية القوة التنفيذية الملزمة التي يتمتع بها.
ألف: في اشكالية التفسيرات المتعلقة بالنطاق الجغرافي للقرار 1701
من الثابت ومما لا شك فيه أن أطراف النزاع لم يقوموا باحترام بنود القرار 1701، اذ تم خرقه آلاف المرات أكان من قبل اسرائيل أو من قبل حزب الله، فعلى الرغم من سحب اسرائيل لقواتها من جنوب لبنان، تمنع حزب الله عن تنفيذ بنود القرار بعدم اجلاء مقاتليه وأسلحته الثقيلة والخفيفة وعتاده عن المنطقة العازلة معتبرا أن تواجده هناك هو تواجد لأهالي القرى وأبنائها، فلم تتمكن والحالة هذه الحكومة اللبنانية من فرض سيطرتها الكاملة على هذه المنطقة ومن نزعها من السلاح غير الشرعي، ما أدى الى متابعة اسرائيل طلعاتها الجوية فوق لبنان مخترقة السيادة اللبنانية ومتجاهلة أحكام القرار 1701 بحجة مراقبة تحركات حزب الله وأسلحته ضمانا لأمنها.
وأمام عجز الحكومات اللبنانية المتعاقبة عن القيام بواجباتها المنصوص عليها بالقرار 1701 ولاسيما منها منع أي مجموعة أو طرف لبناني أو غير لبناني من التسلح ومنع تدفق السلاح الى لبنان عن طريق ضبط المعابر الحدودية والمرافئ والمطار، تابع حزب الله تسلحه بحرية تامة من دون أية رقابة تذكر ومن دون أن تقوم السلطات اللبنانية الشرعية بمهامها لوضع حد لهذا الوضع المتفلت والذي يخالف بشكل فاضح ليس فقط أحكام القرار 1701 وانما أيضا وخصوصا بنود القرارين الدوليين 1559 و 1680. وتبريرا لعدم احترام بنود القرار 1701 وباقي القرارات الدولية، أعطت بعض الأطراف اللبنانية وما زالت وعلى رأسها ما يسمى بالثنائي الشيعي حزب الله-أمل بالتضامن والتكافل مع كل الحكومات اللبنانية منذ سنة 2006 وعلى رأسها حكومة نجيب ميقاتي المستقيلة تفسيرا هجينا لبنود القرار معتبرة أنه لا يطبق الا في المنطقة العازلة من جنوب لبنان وليس في المناطق الأخرى، ما يتعارض تماما مع صراحة وصرامة أحكام الفقرات 2 و 3 و8 و 10و 12 و 14 من القرار المذكور التي تنص صراحة ليس فقط على نشر القوات المسلحة اللبنانية في كل جنوب لبنان وانما أيضا على تلبية طلب الحكومة اللبنانية التي تريد نشر قوة دولية لمساعدتها على ممارسة سلطتها على كل الاراضي اللبنانية، على أن يسمح لقوة الطوارئ الدولية باتخاذ الإجراءات اللازمة في كل القطاعات التي تنتشر فيها قواتها، والعمل عندما ترى ذلك ممكناً في حدود امكانياتها على مساعدة السلطات اللبنانية الشرعية على بسط سيادتها على كامل الأراضي اللبنانية. أضف الى ذلك أنه وبخلاف هذه التفسيرات الهجينة التي يقدمها اليوم الرئيس نبيه بري والتي تصبو الى تنفيذ مجتزئ للقرار 1701 والى وضع تصورات تنفيذية مخالفة لمضمون فقراته يحافظ بموجبها على ابقاء سلاح حزب الله في مناطق اخرى من لبنان غير المنطقة العازلة أو حتى أيضا ضمنها، فقد جاء صراحة في متن القرار 1701 وبشكل لا يقبل أي تأويل أو تفسير أنه ” من الضرورة أن تبسط الحكومة اللبنانية سلطتها على كل الأراضي اللبنانية طبقاً لبنود القرارين 1559 (2004) و1680 (2006) ولبنود اتفاق الطائف ذات الصلة، لممارسة سيادتها بشكل كامل وبما يؤدي إلى عدم وجود أي سلاح بدون موافقة الحكومة اللبنانية وعدم وجود أي سلطة غير تلك التي تمارسها الحكومة اللبنانية”. كما أن القرار، وعلى عكس التفسير الذي يقدمه الرئيس بري الذي يعتبر أن “القرار 1559 أصبح وراءنا”، يؤكد ويصر على تطبيق كامل لبنود اتفاق الطائف والقرارين 1559 (2004) و1680 (2006) اللذين يفرضان نزع أسلحة كل المجموعات المسلحة في لبنان وعلى كل الأراضي اللبنانية من دون استثناء، لتصبح الدولة اللبنانية وحدها وطبقاً لقرار الحكومة اللبنانية المتخذ بتاريخ 27 تموز/يوليو 2006، تملك أسلحة وتمارس سلطتها في لبنان ) الفقرة العاشرة من القرار(. يضاف الى ذلك أن القرار 1701 يضع، بصورة حازمة وصارمة، على عاتق الحكومة اللبنانية موجب ضمان أمن حدودها ونقاط الدخول الأخرى، بما يمنع دخول أسلحة أو معدات مرتبطة بها بدون موافقتها ويفرض على قوة الطوارئ الدولية، كما هو مأذون لها في الفقرة 11من القرار ذاته، تقديم المساعدة للحكومة اللبنانية بطلب منها لتنفيذ هذا الموجب، ما يناقض تماما كل التفسيرات التي تريد حصر نطاق تطبيق القرار 1701 فقط في منطقة محددة، وما يعني أيضا أن القرار 1701 يوجب على الحكومة اللبنانية تطبيقه ليس فقط في جنوب لبنان وانما على كامل الأراضي اللبنانية عن طريق تجريد كل المنظمات المسلحة اللبنانية وغير اللبنانية من سلاحها بما فيها حزب الله ومنع التسليح وشراء وبيع الأسلحة ومراقبة ضبط كل المعابر والحدود اللبنانية والمرافئ والمطار وطلب مساعدة ومواكبة قوات الطوارئ الدولية من أجل الوصول الكامل لهذه الغاية التي نص عليها القرار ذاته .
باء: في الإشكاليات المتعلقة بتنفيذ القرار 1701
لا بد من التذكير مرة أخرى أن مندرجات القرار1701 بقيت حبرا على ورق ولم تنفذ يوما كما يجب لا من قبل إسرائيل ولا من قبل حزب الله والسلطات اللبنانية، وهذا على الرغم من التعهد الذي كانت قد قطعته الحكومة اللبنانية للأمم المتحدة في خطتها المؤلفة من سبع نقاط، كما يشير الى ذلك القرار في مقدمته، ببسط سلطتها على أراضيها بواسطة قواتها المسلحة الشرعية بما يؤدي إلى عدم وجود أي سلاح غير شرعي بدون موافقتها. وتشيرديباجة مقدمة القرار 1701 ، لهذه الناحية، الى أنّ مجلس الأمن أخذ علماً بمقترحات الحكومة اللبنانية عن النقاط السبع حول مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والى وضعها في عهدة الأمم المتحدة حتى الترسيم النهائي للحدود مع إسرائيل، ما يعني أنّ مجلس الأمن أخذ بجديّة هذه المقترحات. كما ينصّ القرار نفسه على تكليف الأمين العام للأمم المتحدة وضع تقرير عن إمكانية إيجاد حلّ لمزارع شبعا وأن يرفعه الى مجلس الأمن في غضون 30 يوماً من تاريخ صدور القرار (في 11 آب 2006).
ومن الثابت ان النقاط السبع انطلقت في حينه من المقترحات التي حددها رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة أمام المؤتمر الدولي في روما، وأيدها مجلس الوزراء بالإجماع. وارتكزت هذه النقاط على المطالبة بوقف فوري للنار، يعقبه تعهد بإطلاق الأسرى والمحتجزين اللبنانيين والإسرائيليين، وانسحاب الجيش الإسرائيلي إلى ما وراء «الخط الأزرق» وعودة النازحين الى بلداتهم وقراهم، والتزام مجلس الأمن وضع مزارع شبعا وتلال كفرشوبا تحت سلطة الأمم المتحدة حتى ينجز ترسيم الحدود، وبسط سلطة الدولة اللبنانية على هذه الاراضي وعودة أهلها اليها، وتسليم إسرائيل الأمم المتحدة خرائط حقول الألغام المتبقية التي زرعتها في جنوب لبنان، وبسط الحكومة اللبنانية سلطتها على كامل اراضيها عبر انتشار قواها الشرعية المسلحة ما يؤدي الى حصر السلاح والسلطة بالدولة اللبنانية وحدها ، كما نص على ذلك صراحة اتفاق الطائف ـ وتعزيز القوة الدولية التابعة للأمم المتحدة العاملة في الجنوب وزيادة عديدها وعتادها وتوسيع نطاق عملها، واتخاذ الاجراءات الضرورية لإعادة العمل باتفاق الهدنة الذي وقعه لبنان واسرائيل في عام 1949 .
غير أنه وعلى الصعيد الميداني، أعقب طرح موضوع الخطة اللبنانية وصدور القرار 1701 وانسحاب القوات الإسرائيلية الى ما وراء الخط الأزرق مضايقات واعتداءات تعرضت لها قوات اليونيفيل في الجنوب اللبناني على يد مقاتلي ومناصري حزب الله تحت غطاء ما سمي بردة فعل أهالي قرى الجنوب، وكان ذلك بهدف منع القوات الدولية من القيام كما يجب بمهامها المرسومة لها ببنود القرار 1701، سواء لجهة رشقها بالحجارة، أو لجهة الاشكالات والاعتداءات التي حصلت في اماكن نفوذ الحزب. ويبقى الأهم ان حزب الله أنكر وجود النقاط السبع الواردة في خطة الحكومة وتنصل منها بالرغم من انها كانت قد اقرت في مجلس الوزراء بالإجماع وبحضور وزرائه آنذاك، حيث اعتبر وزير الخارجية اللبناني حينها فوزي صلوخ ان النقاط السبع لم تكن تتعدى كونها مشروع مبادرة لوقف العدوان، ما أدى الى تعطيل مفاعيل هذه النقاط وبالتالي تنفيذ القرار 1701.
وكما ذكرنا سابقا، تشير الفقرة العاشرة من القرار 1701 الى اقتراحات “لترسيم حدود لبنان الدولية، خصوصاً في تلك المناطق حيث هناك نزاع أو التباس حولها، بما في ذلك مزارع شبعا وكفرشوبا”، غير أن هذه الاقتراحات لم تُنفّذ منذ ذلك الوقت، فيما لا تزال تصدر التقارير الدورية عن الأمين العام للأمم المتحدة عن تطبيق القرار 1701، من دون تقديم أي اقتراحات. وهذا الأمر، وإن دلّ على شيء، فهو يدل على أنّ الأمم المتحدة، وأمام تلكؤ الحكومات اللبنانية المتعاقبة عن القيام بواجباتها المنصوص عليها في مقدمة القرار 1701 وفي متنه لاسيما لجهة نشر قواتها المسلحة ليس فقط في كل الجنوب وانما على كامل الأراضي اللبنانية ولجهة سحب مقاتلي حزب الله وسلاحه من المنطقة العازلة التي ينص عليها القرار ومراقبة وضبط الحدود والمعابر والمرافئ اللبنانية وكذلك المطار الدولي ومنع ادخال الأسلحة والتسلح وتجريد كل المنظمات اللبنانية وغير اللبنانية من سلاحها، لم تبادر الأمم المتحدة نفسها الى اتخاذ التدابير والإجراءات اللازمة من أجل فرض تنفيذ مندرجات القرار 1701 وباقي القرارات الدولية المتعلقة بلبنان لاسيما منها القرارين 1559 و 1680 ، وخصوصا أن الحكومات اللبنانية المتعاقبة لم توجه للقوات الدولية أي طلب مساعدة بشأن تنفيذ الموجبات هذه المترتبة عليها طبقا لأحكام القرار 1701 .
فالحكومات اللبنانية المتعاقبة عادت وخضعت جميعها لإملاءات حزب الله وسلاحه باعتباره، وفقا لبياناتها الوزارية، مقاومة مشروعة من حقها تحرير مزارع شبعا وكفرشوبا والقرى اللبنانية السبع وبوضع معادلة هجينة غير دستورية سميت ” بجيش شعب ومقاومة”، ما أعطى لإسرائيل تبريرا وذريعة لاستمرار خروقاتها الجوية وانتهاك السيادة اللبنانية، هذا مع العلم أن الدفع بلبنانية مزارع شبعا وباعتبار حزب الله مقاومة لبنانية شرعية كسببين لعدم تنفيذ بنود القرار 1701 ولاستمرار وجود حزب الله المسلح في منطقة كان من المفترض أن تكون تحت سلطة وسيادة الجيش اللبناني وخالية من أي سلاح سوى سلاح الشرعية اللبنانية، لا يستقيم قانونا لا وفقا لمندرجات القرار 1701 نفسه ولا وفقا لشروط ومواصفات احقية المقاومة المعترف بها بأحكام القانون الدولي. أضف الى ذلك أن حزب الله تابع تواجده وتسلحه وحفر الأنفاق في المنطقة العازلة التي ينص عليها القرار 1701 تحت أعين ورقابة القوات الدولية لحفظ الأمن التي لم تحرك ساكنة لمنع هذا الوضع الشاذ بسبب عجزها عن القيام بموجباتها التي ينص عليها صراحة القرار 1701 الناتج من جهة أولى عن تخلف السلطات اللبنانية عن طلب المساعدة من هذه القوات لتنفيذ مندرجات القرار ذاته تاركة الوضع على حاله وعن تمنع مجلس الأمن، من جهة أحرى، عن متابعة الوضع في الجنوب وفي كل لبنان وعن اتخاذ التدابير والإجراءات اللازمة تحت الفصل السابع ومنها استعمال القوة لتنفيذ بنود القرار 1701 الذي أصبح ورقة ميتة.
– في ذريعة لبنانية مزارع شبعا وكفر شوبا
فيما خص لبنانية مزارع شبعا وكفرشوبا، وكما تمت اليه الإشارة سابقا، الحكومة اللبنانية نفسها كانت قد أقرت بموجب خطتها التي رفعتها للأمم المتحدة والمؤلفة من سبع نقاط بوضع هذه المزارع بعهدة الأمم المتحدة الى أن تتم عملية ترسيم الحدود مع إسرائيل وفقا لأحكام اتفاقية الهدنة لعام 1949، ما يعني أن الحكومة اللبنانية قبلت بتنفيذ القرار 1701 بمعزل عن قضية لبنانية أو عدم لبنانية مزارع شبعا، وما يعني أيضا أن مجلس الأمن قرر تنفيذ هذا القرار من دون ربطه بقضية مزارع شبعا وكفرشوبا التي لم تقر حتى الآن الأمم المتحدة بلبنانيتها طالما أن السلطات السورية لم تقدم لها أي مستند رسمي أو أوراق رسمية تقر بلبنانيتها. وبناء على ذلك، لم تأخذ الأمم المتحدة بوجهة النظر اللبنانية وبالخريطة المقدمة من قبل الحكومة، وأعلنت أن إسرائيل قد انسحبت وطبقت القرار 425 كاملًا، وإن مزارع شبعا ليست لبنانية بل سورية وتابعة لمسؤولية الـ «اندوف» (UNDOF) وليس لقوات الـ «يونيفيل» (UNIFIL)، وان هذه القضية تحل بعد ترسيم الحدود اللبنانية وفقا لأحكام اتفاقية الهدنة مع إسرائيل، مما يدل على أن بعض الجهات ومنها حزب الله وحتى الحكومة اللبنانية التي يديرها الحزب لا تريد حل مسألة شبعا كي تبقى هذه القضية “شماعة” وحجة واهية لاستمرار بقاء حزب الله وسلاحه في منطقة الجنوب ولعدم تنفيذ بنود القرار الدولي رقم 1701. والدليل الساطع على ذلك هو أن حزب الله، وعلى الرغم من بقاء قواته وترسانة أسلحته جنوبي الليطاني، لم يقم بأي عملية عسكرية في هذه المزارع ولم يحاول بتاتا على مدى أكثر من عشرين ساعة تحرير هذه المعابر لا بل كان منصرفا بارتياح واطمئنان للقيام بحرب مدمرة في سوريا ضد الشعب السوري، ما يزيدنا قناعة بأن الحزب نفسه يصر على لبنانية هذه المزارع كذريعة لاستمرار وجوده المسلح جنوب الليطاني وحتى في كل لبنان.
وعلى ها الأساس تبقى شرعية المقاومة التي يدفع بها الحزب وكذلك الحكومة اللبنانية تحت وطأة الضغوط التي يمارسها عليها هذا الحزب مشكوك بصحتها القانونية والدولية. فلا يجوز من جهة أولى، التعويل على البيانات الوزارية التي تشرّع حق حزب الله بالمقاومة بموجب معادلة ثلاثية خشبية هجينة لا تقوم على أي أساس دستوري أو حتى قانوني. فهذه البيانات الوزارية لا تتمتع لا بقوة دستورية ولا حتى بأي قوة قانونية، اذ أنها لم تصدر لا بموجب بقانون عادي عن مجلس النواب ولا بموجب قانون دستوري أدخل تعديلا ما على أحكام الدستور بهذا الخصوص. وهذا ما هو معمول به حتى في فرنسا حيث ان بيان السياسة العامة للحكومة لا يعتبر موجبا دستوريا ملزما ولا حتى قانونيا، وانما تقليدا جمهوريا لم تعتمده حتى بعض الحكومات الفرنسية.
-في ذريعة الحق بالمقاومة
أما من جهة أخرى وفيما يتعلق بشرعية المقاومة بالإحالة على القانون الدولي كأساس لهذه الشرعية، يُعتبر طبعا الحق في مقاومة الاحتلال حقاً أساسياً ومعترفاً به عالمياً ضمن الحقوق المشروعة. ويتجلى هذا الحق في قدرة الشعوب التي تعاني من الاحتلال أو من الاضطهاد على الدفاع عن كرامتها وحرية تقرير مصيرها. فالقانون الدولي يؤكد أن المقاومة بكل أشكالها هي حق مشروع للشعب الواقع تحت الاحتلال، اذ يعتبر ميثاق الأمم المتحدة، حق تقرير المصير من الحقوق الأساسية التي يجب أن تتمتع بها جميع الشعوب. فالمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة تنص على أن ” ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء “الأمم المتحدة” ، وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدولي، والتدابير التي اتخذها الأعضاء استعمالاً لحق الدفاع عن النفس تبلغ إلى المجلس فورا، ولا تؤثر تلك التدابير بأي حال فيما للمجلس – بمقتضى سلطته ومسؤولياته المستمرة من أحكام هذا الميثاق – من الحق في أن يتخذ في أي وقت ما يرى ضرورة لاتخاذه من الأعمال لحفظ السلم والأمن الدولي أو إعادته إلى نصابه”.
ووفقا لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الرقم 1514 الصادر بتاريخ 14 كانون الأول سنة 1960 « إن إخضاع الشعب للاستعباد الأجنبي والسيطرة الأجنبية والاستغلال الأجنبي يشكل إنكارًا لحقوق الإنسان الأساسية، ويناقض ميثاق الأمم المتحدة، ويعرض السلام والتعاون الدوليين للخطر، وإن كل محاولة تستهدف جزئيًا أو كليًا تقويض الوحدة الوطنية والسلامة الإقليمية لقطر ما، تتعارض مع مقاصد الأمم المتحدة ومبادئها”. يضاف الى ذلك قرار الجمعية العامة رقم 637ب تاريخ 16 كانون الأول سنة 1970، الذي اعتبرت فيه الأمم المتحدة حق الشعوب في تقرير مصيرها شرطا أساسيا للتمتع بسائر الحقوق والحريات الأخرى والقرار رقم (3103) لسنة 1973 بشأن المبادئ المتعلقة بالمركز القانوني للمقاتلين الذين يكافحون ضد السيطرة الاستعمارية والاحتلال الأجنبي والنظم العنصرية، على أن تطبق على هؤلاء المقاتلين قواعد القانون الدولي المعمول بها في النزاعات المسلحة مثل اتفاقيات جنيف لعام 1949 الخاصة بجرحى الحرب وأسراهم، وحماية المدنيين.
وينتج من هذه النصوص الدولية وغيرها أن المقاومة الشعبية تعتبر حقا مشروعا لصد العدوان الذي تقوم به دولة ما ضد دولة أخرى عندما تفقد القوات المسلحة الشرعية للدولة المعتدى عليها قدرتها على رد العدوان وتنهار مقدراتها وسلطتها السياسية والعسكرية والادارية في اتحاذ القرارات اللازمة أو في حال استسلام سلطاتها وخضوعها لأوامر الدولة أو القوة المهاجمة وتعاونها معها كما حصل على سبيل المثال يوم استسلمت القوات الفرنسية أمام الغزو النازي وتم احتلال الأراضي الفرنسية حيث تعاونت حكومة فيشي مع المحتل الالماني، ما برر للمقاومة الشعبية الفرنسية القيام بهجمات مسلحة لتحرير البلاد من الاحتلال الألماني. كما تجوز المقاومة الشعبية المسلحة في ظل الاستعمار والاحتلال من أجل تحرير البلاد وتقرير المصير أو من أجل التحرر من السلطة الوطنية المستبدة التي تنكل بالشعب مستعملة وسائل استبدادية وتعذيبيه منافية للقانون الدولي الانساني والاتفاقيات والعهود الدولية المعنية بحماية حقوق الانسان وأهمها العد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
أما في حالة لبنان، فلا يمكن اعتبار المقاومة الحالية مقاومة شعبية وشرعية بالمعنى القانوني الدولي للكلمة، وذلك للاعتبارات القانونية التالية:
أ- لا يمكن قانونا أن نضفي على مجموعة مسلحة كمجموعة حزب الله صفة المقاومة في ظل وجود الدولة اللبنانية والجيش اللبناني، اذ أن هذه الدولة، وعلى الرغم من تعطيل انتخاب رئيس للجمهورية، ما زالت قائمة بكل مؤسساتها الدستورية والأمنية والإدارية والمدنية، وعلى رأسها المجلس النيابي وحكومة تصريف الأعمال. أضف الى ذلك أن الجيش اللبناني هو القوة الشرعية الوحيدة التي يعود لها أحقية الدفاع عن لبنان ضد أي هجوم أو عدوان تحت سلطة وامرة قائد الجيش تنفيذا لقرارات مجلس الوزراء. يزاد أيضا على ذلك أن الدولة اللبنانية ليست بحالة حرب مع إسرائيل، فهذه الأخيرة لم تعلن الحرب ضد دولة لبنان وانما ضد حزب الله الذي بدأ الهجوم على إسرائيل نصرة لغزة بتاريخ الثامن من تشرين الأول سنة 2023. الى ذلك فان الحكومة اللبنانية تعهدت بتطبيق بنود القرار 1701 الذي يضع لزاما عليها نشر قوات الجيش اللبناني في كل الجنوب وتجريد كل المجموعات المسلحة من سلاحها بما فيها حزب الله وفقا لأحكام اتفاق الطائف وقرار مجلس الأمن الرقم 1559.
ب- لا تتمتع مجموعة حزب الله بصفة المقاومة الوطنية والشعبية، اذ أنها لا تمثل كل فئات الشعب اللبناني وانما فئة مذهبية من فئات هذا الشعب وتقوم بأعمال مسلحة وفقا لعقيدة دينية إسلامية معينة وتتلقى سلاحها وعتادها وتمويلها وقراراتها من جمهورية إيران الاسلامية وتنفذ أجندة إيرانية بحتة لا صلة لها بدولة لبنان البتة، والدليل الساطع على ذلك هو ان حزب الله أطلق على نفسه تسمية المقاومة الإسلامية في لبنان واعترف علنا على لسان أمينه العام بارتباطه العضوي بجمهورية إيران الاسلامية. يضاف الى ذلك أن الحزب يتخذ قراراته بالحرب بمعزل عن إرادة باقي مكونات الشعب للبناني ودون أن يقيم أي اعتبار للمؤسسات الدستورية والسياسية اللبنانية ولقوى الجيش اللبناني وللأجهزة الأمنية، فهو اتخذ قرار خوض حرب الاسناد لغزة منفردا من دون الرجوع الى الدولة اللبنانية ولا لباقي الأطراف اللبنانية المعارضة لهذه الحرب، ما دفع برئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي الى القول علنا بأن حزب الله هو من يأخذ قرار الحرب والسلم وبأن الحكومة اللبنانية مغلوب على أمرها. ولا بد من التذكير على هذا الصعيد بأن حزب الله خالف ويخالف أيضا ” المعادلة الثلاثية الهجينة وغير الدستورية ” جيش شعب مقاومة” التي فرضها بقوة السلاح على كل الحكومات المتعاقبة التي اعترفت بها في بياناتها الوزارية ، بحيث أن أنه اختصر هذه الثلاثية بما سماه “مقاومة اسلامية” من دون أن يحسب لا للشعب ولا للجيش أي حساب.
ت- بمعزل عن قضية مزارع شبعا وكفرشوبا التي لم تعترف الأمم المتحدة بلبنانيتها بعد، يذكر أنه حين اتخذ حزب الله القرار منفردا بخوض حرب اسناده لنصرة غزة لم تكن القوات الإسرائيلية قد اخترقت بعد الخط الأزرق ولم يكن لبنان تحت الاحتلال الإسرائيلي، ما يعني أن ما يسمى “بمقاومة إسلامية” في لبنان لا تتمتع بأية شرعية دولية وتنتهك وتناقض تماما هذه الشرعية لاسيما أحكام القرارات 1701 ، 1559 و 1680 وما أعطى ويعطي الذريعة لإسرائيل بالهجوم على لبنان وبخرق الخط الأزرق والتوغل في الأراضي اللبنانية، لاسيما أن مقاتلي حزب الله لم ينسحبوا من المنطقة العازلة التي ينص عليها القرار 1701 ولم يسحبوا أسلحتهم من هذه المنطقة لا بل أنهم حولوها الى خزان أسلحة متنوعة وثقيلة وصواريخ باليستية بعيدة ومتوسطة المدى وحفروا الأنفاق تحت القرى والمدن التي أصبحت أحياءها المدنية ترسانات أسلحة، كل ذلك كان يحصل تحت أعين قوات الطوارئ الدولية والجيش اللبناني انتهاكا لبنود القرار 1701 التي تحظر صراحة تواجد أية مجموعة مسلحة وأسلحة في هذه المنطقة غير تلك التابعة للدولة اللبنانية.
ث- ان حزب الله لا يعتبر على الصعيد الدولي حركة مقاومة شعبية شرعية وانما منظمة إرهابية، اذ أن العديد من الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وضعته رسميا على القوائم الوطنية والدولية للإرهاب واتخذت العديد من العقوبات ضد عدد لا يستهان به من مسؤوليه وأفراده حتى أن الاتحاد الأوروبي يدرس جديا مسألة تصنيف الحزب بالإرهابي ووضعه على اللائحة الأوروبية للإرهاب، ولا ننسى طبعا أن أربعة من مسؤولي حزب الله تمت ادانتهم بداية واستئنافا بجرائم إرهابية ومنها اغتيال رئيس حكومة لبنان السابق رفيق الحريري بموجب حكم قضائي دولي نهائي اكتسب قوة القضية المحكوم بها.
جيم: في القوة التنفيذية للقرار 1701 وفي الإجراءات العملية الواجب اتخاذها لتطبيق بنوده وبنود القرارين 1559 و 1680
كما أشرنا سابقا، تعرضت أحكام وحيثيات القرار 1701 الى الخرق آلاف المرات من قبل جميع الأطراف حتى أن بنوده لم تنفذ أبدا من قبل حزب الله الذي لم يمتثل لموجب سحب مقاتليه وأسلحته من المنطقة العازلة ولا من قبل الحكومات اللبنانية المتعاقبة التي تخلفت، بالتضامن والتكافل مع حزب الله، عن تنفيذ موجبات القرار التي تفرض عليها نشر قوات الجيش في كل الجنوب ومنع دخول الأسلحة والمسلحين الى هذه المنطقة وضبط الحدود والمعابر والمرافئ والمطار وفرض سلطتها وسيادتها على كامل الأراضي اللبنانية، حتى أن الأمم المتحدة نفسها لم تقدم على اتخاذ الإجراءات العملانية اللازمة تحت الفصل السابع من أجل تنفيذ مندرجات القرار 1701 التي بقيت حبرا على ورق. وعليه فان السؤال الذي يطرح يتمحور حول القوة أو القيمة التنفيذية التي يتمتع بها القرار 1701 والسبل الآيلة الى تنفيذه.
• الفصل السادس والفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة
لا بد من التأكيد، على هذا الصعيد، على أن كل القرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن تعتبر ملزمة للدول المعنية الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة وذلك عملا بأحكام المادة 25 من ميثاق الأمم المتحدة التي صيغت بصورة عامة بحيث أنها لا تميز بين قرارات صادرة تحت الفصل السادس وأخرى تحت الفصل السابع، فهي تنص على أن: « يتعهد أعضاء “الأمم المتحدة” بقبول قرارات مجلس الأمن وتنفيذها وفق هذا الميثاق”. لكنّ ما يفرّق بين القرارات الصادرة تحت الفصل السادس وتلك الصادرة تحت الفصل السابع هو أن الأولى تطلب من أطراف أي نزاع من شأن استمراره أن يعرض حفظ السلم والأمن الدولي للخطر أن يلتمسوا حله بادئ ذي بدء بطريق المفاوضة والتحقيق والوساطة والتوفيق والتحكيم والتسوية القضائية، أو أن يلجؤوا إلى الوكالات والتنظيمات الإقليمية أو غيرها من الوسائل السلمية التي يقع عليها اختيارها. وهذا يعني أن القرارات الصادرة بموجب الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة تقترح حلا سلميا للنزاع ولا تتضمن أي إجراءات أو تدابير لوضع حد لخطر يهدد الأمن والسلم الدوليين، بينما أن القرارات الصادرة تحت الفصل السابع تفترض وجود حالات أو أعمال عدائية تهدد فعلا الأمن والسلم الدوليين وتتضمن اما توصيات يدعو بموجبها المتنازعين للأخذ بما يراه ضرورياً أو مستحسناً من تدابير مؤقتة لوضع حد للخطر الذي يهدد الأمن والسلم الدوليين لا تتطلب استخدام القوات المسلحة لتنفيذ قراراته وذلك عملا بأحكام المواد 39 الى 41 من الفصل السابع، واما ، في حال رأى مجلس الأمن أن التدابير المؤقتة المذكورة والمنصوص عليها في المادة 41 لا تفي بالغرض أو ثبت أنها لم تف به، جاز له اللجوء الى استعمال القوة واتخاذ بطريق القوات الجوية والبحرية والبرية من الأعمال ما يلزم لحفظ السلم والأمن الدولي أو لإعادته إلى نصابه.
• تحت أي فصل يندرج القرار 1701؟
وبناء على ما تقدم ، فان القرار 1701 يكون قد صدر تحت الفصل السابع، تطبيقا للمواد 39 الى 41 منه، كونه يؤكد صراحة في مقدمته أن الوضع في لبنان يشكل تهديدا للأمن والسلم الدوليين ويفرض على الأطراف المتنازعة اتخاذ تدابير ملزمة من شأنها وضع حد لهذا الخطر ومنها انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان، سحب سلاح حزب الله ومقاتليه من المنطقة العازلة، نشر قوات الجيش اللبناني في كل الجنوب، بسط السلطات اللبنانية سيادتها على كامل الأراضي اللبنانية ومنع أي منظمة لبنانية أو غير لبنانية مسلحة في لبنان وتجريدها من سلاحها تطبيقا للقرار 1559 وضبط الحدود والمعابر اللبنانية مع سوريا ومنع تدفق السلاح والتسلح وغيرها من الإجراءات المذكورة سابقا في متن هذه الدراسة. وعليه فان القرار 1701 يعتبر قرارا ملزما لكل أطراف النزاع ويتمتع بقوة تنفيذية مطلقة عملا بالفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة.
وبما أن بنود هذا القرار لم تنفذ وبقيت ورقة ميتة منذ أن ولدت، لاسيما في الوقت الحاضر حيث لم يعد من الناحية العملية بالإمكان تنفيذ أحكامه على الأرض بالنظر الى الحرب القائمة بين إسرائيل وحزب الله ودخول القوات الإسرائيلية الى بعض القرى اللبنانية في الجنوب وخرق الخط الأزرق وانسحاب قوات الجيش اللبناني من مواقعها وعدم قيام قوات الأمم المتحدة بأي عمل يذكر لوقف القتال ولوضع حد لهذا الخطر الذي يهدد بشكل مخيف الأمن والسلم الدوليين، أصبح من واجب مجلس الأمن، عملا بالفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، أن يلجأ الى تطبيق أحكام المادة 42 من الميثاق وأن يقرر بأن الاجراءات المنصوص عليها بأحكام القرار 1701 لم تعد تفي بالغرض. ويمكنه، على هذا الأساس، اتخاذ قرار جديد يجيز له استعمال القوة وأن يتخذ بطريق القوات الجوية والبحرية والبرية من الأعمال ما يلزم لحفظ السلم والأمن الدوليين في لبنان أو لإعادته إلى نصابه، بالزام القوات الإسرائيلية الانسحاب من كل الأراضي اللبنانية المحتلة، بتجريد كل منظمة لبنانية أو غير لبنانية من سلاحها بما فيها حزب الله، بمساعدة الجيش اللبناني ومواكبته على الانتشار في كل جنوب لبنان وعلى كل الحدود مع سوريا وضبط هذه الحدود والمعابر معها ومنع تهريب السلاح والتسلح وبدعم هذا الجيش بالعتاد والأسلحة والمعدات اللازمة وترسيم الحدود البرية مع إسرائيل وفقا لأحكام اتفاقية الهدنة للعام 1949، ومساعدة السلطات اللبنانية الشرعية على إعادة الاعمار وبناء المؤسسات الدستورية الديمقراطية، وذلك تطبيقا ليس فقط لأحكام القرار 1701 وانما أيضا لأحكام القرارين 1559 و 1680 ،على أن يبقى لبنان تحت حماية دولية مؤقتة الى أن يستعيد عافيته وينتخب المجلس النيابي رئيسا حرا له من دون قيد أو شرط مسبق، وتتمكن قوات لبنان المسلحة من بسط سيطرتها وسيادتها على كامل التراب اللبناني. ولا بد من التذكير هنا ان القرارين 1959 و 1680 لم يصبحا، كما يقول الرئيس بري وراءنا، وانما أمامنا وهما يندرجان في نطاق تنفيذ مبدأ قانوني أساسي يقوم على ضرورة استمرارية قرارات مجلس الأمن وترابطها فيما بينها بصورة تكميلية لاسيما عندما تتعلق كلها بحالة معينة في بلد معين، كما أنهما يندرجان ضمن الموجبات التي وضعها مجلس الأمن على عاتق الدولة اللبنانية والتي لم ينقطع يوما عن تذكير الحكومات اللبنانية المتعاقبة بضرورة تنفيذها وخصوصا في كل القرارات الصادرة عنه والمتعلقة بلبنان وكان آخرها القرار رقم 2749 تاريخ 28 آب 2024 والقرار رقم 2650 تاريخ 31 آب 2022 اللذان مددا فترة عمل قوة الطوارئ الدولية في جنوب لبنان.
فهل يفعلها مجلس الأمن ويعيد للبنان سيادته وحرية قراره؟ هذا ما نتمناه !