
“يُمتحن الذهب في النار”… لأن هذا المثل ينطبق بشكل كبير على منطقة دير الأحمر التي شرّعت أبوابها وبيوتها لجيرانها في بعلبك مواكبة لأزمة النزوح، فكانت المثال الذي يُحتذى به. وانطلاقًا من الواجب الإنساني البحت، إذ بات على كتف المنطقة حمّال الأهالي والجيران وبالتالي كل منطقة البقاع، تستعد منطقة دير الأحمر لأن تصبح مكتفية طبيًا، مع دخول مستشفى المحبة إلى قائمة المستشفيات المتعاقدة مع وزارة الصحة العامة، على أن يتم تخصيص سقف مالي سنوي له.
إذًا، تحوّل المستوصف والمركز الصحي الذي يقدّم رعاية أولية منذ سنوات طويلة، إلى مستشفى تابع لأبرشية بعلبك ـ دير الأحمر، عنوانه المحبة. بدأ العمل به منذ سنوات بمبادرات أبناء المنطقة وبدعم من المغتربين ومن جهات مانحة لبنانية وعربية ودولية، وجدت في مشروع مستشفى في البقاع الشمالي حيث يقطن أكثر من 50 ألف نسمة، جدوى طبية واقتصادية بالغة الأهمية، إذ يشكل الانتقال من الدير إلى أقرب المستشفيات المجاورة، خطرًا على المريض، طبعًا بحسب حالته، لبعد المسافات.
فتح مستشفى المحبة دير الأحمر أبوابه عام 2019 لمواكبة وباء كورونا، بدعم من الاغتراب ومن خلال الاتصالات الشخصية التي أجرتها الأبرشية ونائب المنطقة بالخيِّرين، غير أن الكلفة التشغيلية المرتفعة والأوضاع الاقتصادية العامة، أجبرت القيِّمين عليه على إقفال الأقسام المتعلقة بالمستشفى والإبقاء على متابعة حالات الرعاية الأولية 24 /24 ساعة وخلال كل أيام الأسبوع، وهذه الخدمة الطبية ستستمر حتى مع فتح المستشفى أبوابه.
إذًا، حتّمت الطوارئ التي تجتاح البلاد اليوم، نوعًا جديدًا من التعاطي مع الحاجة الاستشفائية الملحّة في منطقة بعلبك ـ دير الأحمر، وشكلّت أزمة الضخ السكاني في منطقة الدير، حاجة ملحّة لتشغيل مستشفى المحبة، بما يواكب أوجاع الأهالي كما الضيوف، مع الأخذ في الاعتبار صعوبة التنقل على الطرقات من منطقة إلى أخرى بفعل الأوضاع الأمنية الناتجة عن الغارات الإسرائيلية. وإذا كانت مستشفيات بشري تلبِّي الحاجات الطبية لمنطقة دير الأحمر إلى حدٍّ ما، غير أن الشتاء طرق الأبواب، وقد يصبح مستحيلًا الوصول إلى بشري مع تساقط الثلوج وإقفال الطرقات.
بإمكان مستشفى المحبة مواكبة الخدمات الاستشفائية وخدمات الولادة، والعمليات الجراحية الصغيرة، مما سيساهم في تلبية الاحتياجات الصحية لسكان المنطقة والمواطنين الذين قصدوها بفعل الحرب، وجُهِّز بـ40 سريرًا من أصل 60، كما أعدّت طواقم طبية من أفضل الأطباء والممرضين والإداريين، علمًا أن هناك ثلاثة طوابق لا تزال مغلقة، بانتظار أن يتم تجهيزها نهائيًا، على أن تصبح قدرة المستشفى الاستيعابية بعد تأمين التمويل والتجهيز الكامل 120 سريرًا.
يوضح راعي أبرشية بعلبك ـ دير الأحمر المارونية المطران حنا رحمة، المسار الطويل الذي سلكه مستشفى المحبة، بعدما استلمته الأبرشية عام 2003 واستملكته في العام 2014، مشيرًا لموقع القوات اللبنانية الإلكتروني، إلى الخطوات التي تمّ اتباعها مع الجهات الرسمية، وتحديدًا مع وزارة الصحة، للحصول على إذن مباشرة العمل.
المطران رحمة يلفت، إلى أن “وزارة الصحة خصَّصت منذ أيام، سقفًا ماليًا بقيمة 7 مليار ليرة لبنانية عن شهري تشرين الثاني وكانون الأول، مناشدًا الجهات الضامنة الأخرى ضرورة توقيع العقود مع مستشفى المحبة لهذين الشهرين مواكبة للطوارئ الصحية المتأتية عن الحرب، على أن يتم التجديد لعام 2025 في وقت لاحق”.
كما يشير المطران رحمة، إلى أن “المستشفى لا يزال بحاجة إلى المزيد من التجهيزات والمعدات الطبية والأدوية”، وإذ يشدد على أن “الإصرار على استقبال المرضى أتى تلبية للحاجة وليس اقتناعًا بتوقيت مباشرة العمل، وجّه نداء إلى كل من بإمكانه الوقوف الى جانب إدارة المستشفى والمساعدة لتخفيف الاحتياجات في هذا المكان الآمن الذي شرّع أبوابه لجميع اللبنانيين”. كما يكشف عن “إجراء اتصالات مع لبنان المغترب لتأمين الاحتياجات من أدوية ومواد طبية”، مشيرًا إلى “مفاوضات حثيثة تُجرى مع مؤسسة كاريتاس لبنان، ريثما يصار إلى تغطية 35% من الفروقات مع وزارة الصحة”.
ورشة التحضيرات لم تنتهِ بعد، فالعمل جارِ على قدم وساق لإنهاء كل الأعمال اللوجستية والأوراق الرسمية، عندها تنضم مستشفى المحبة في دير الأحمر رسميًا إلى هذا القطاع الصحي الذي يعمل منذ فترة طويلة باللحم الحيّ.