

أحسدهم صراحة، أحسدهم من صميم القلب ومن خيبة التجارب المرّة التي مرّ ويمرّ بها لبنان. حسد يبلغ أحيانًا مرحلة الغضب الشديد، لأن كلما تقدم الوقت بلبنان، كلما بعدت عنه تلك الجميلة الساحرة المتغاوية على مصير الشعوب، والتي تخنقها الشعوب المتخلفة في حين تلهث خلفها شعوب العالم المتحضر، لقطف براعمها وثمارها والتمتع بمواسمها، نحكي عن الديمقراطية، الديمقراطية الحقيقية يا عالم، تلك التجربة النارية التي تشعل الأحرار وتجعلهم أكثر حرية وأكثر إشعاعًا. نحكي عن الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الأميركية، نحكي عن رفاقنا القواتيين تحديدًا، وكيف تفاعلوا مع تلك الانتخابات، وكان لهم ما أراد غالبيتهم، الرئيس الـ47 لأميركان الجمهوري دونالد ترامب.
“كل عمرنا مننتخب الجمهوريين لأنهم الأقرب إلنا بالتوجه السياسي والإقتصادي العام، والأهم أنهم الأقرب للبنان بشكل عام، غالبية اللبنانيين هون جمهوريين، يوم الإنتخابات توجهت منذ الصباح الباكر الى أحد مراكز الاقتراع وانتخبت وكنت واثقًا أن ترامب سيفوز، لأن أميركا تحتاج الى رجل مماثل، شجاع وقوي ويحب لبنان. ما يفرح القلب أن الجو العام في أميركا تغير في هذه الانتخابات، لذلك ربح ترامب، وأنا واثق أنه سيساعد لبنان. أنا جدًا سعيد لأنه ربح وصراحة شي بيفرح القلب”، يقول المناضل نبيل شاوول منسق واشنطن دي سي السابق في “القوات اللبنانية”.
ماذا فعل القواتيون في الانتخابات الرئاسية الأميركية، ولماذا يصوتون في غالبيتهم للجمهوريين؟ هل هي توجيهات حزبية أم هي إرادة فردية لا علاقة لها بالحزب على الإطلاق؟
بالتأكيد أن القيادة في لبنان لا تتدخل في توجهات المحازبين القواتيين في الولايات المتحدة، وتترك للجميع حرية الاختيار، فأميركا ليست لبنان، والمرشحون ليسوا من اختيار القوات بطبيعة الحال، لكن اللافت أن نحو 95 في المئة من اللبنانيين، والمسيحيين تحديدًا، ومن بينهم القواتيين بطبيعة الحال، يصوتون للجمهوريين بغض النظر عن المرشحين بحد ذاتهم.
تُعتبر “القوات اللبنانية” في الاغتراب الأميركي، من بين أكثر الأحزاب اللبنانية حركة ووجودًا وفاعلية على امتداد الولايات الاميركية، نشاطات، لقاءات، ندوات ومؤتمرات سنوية، وحضور سياسي واقتصادي واجتماعي فاعل، قد لا يشكلون ضغطًا وازنًا في الانتخابات الرئاسية الأميركية، لكنهم ينتظرون الاستحقاق المتكرر كل أربع سنوات، ليكونوا شركاء مع الأميركيين في توجيه الدفّة التي تميل في غالبيتها لدى هؤلاء الى الجمهوريين. لماذا الجمهوريون دائمًا؟
“أول سبب إقتصادي بحت، لا تدعوا الإعلام يغشّكم، لأنني أعرف الأميركيين تمامًا وخبرتهم من خلال تدريسي في الجامعات هنا حيث تشكل الضرائب وكلفة البنزين وما شابه ضغطًا رئيسيًا في اختيارات الناخبين”، يقول مارسيل نجيم، منسق “القوات اللبنانية” في أميركا.
“نحن كلبنانيين اتجاهاتنا العامة تميل دائمًا صوب الجمهوريين، لأنهم يخففون الضريبة على الشعب ويشجعون المبادرات الفردية والشركات المبتدئة، ويخلقون دينامية لافتة في الحركة الاقتصادية في البلاد، خصوصًا أن غالبيتهم رجال أعمال وأصحاب شركات كبيرة رائدة ويصرفون الأموال في السوق الاقتصادي الأميركي” يقول نجيم.
أما السبب الثاني لانتخاب القواتيين للجمهوريين، فهي أسباب دينية عقائدية كما يؤكد منسق أميركا، “لا تستهينوا بهذه الأسباب التي يتصدرها مثلًا موضوع الإجهاض، هل تعرفين رفيقتي أن عندنا في تكساس صلاة خاصة للإجهاض، وأن هذه الولاية من أشد المناهضين للإجهاض، وهي تخصص صلاة لأجل الحياة، وهذا الأمر ينادي به الرئيس ترامب دائمًا، إضافة الى أن الجمهوريين ملتزمين في غالبيتهم بالكنيسة، وضد القوانين التي تلغي الجنس عن الهوية وما شابه من أمور”، يقول نجيم.
أما السبب الثالث والأهم بالنسبة للقواتيين تحديدًا لانتخابهم الجمهوريين، فهي أسباب سياسية خالصة: “نحنا وعينا على ثورة الأرز ولم ننسَ موقف جورج بوش الابن من بشار الأسد عندما أمره بجلاء جيشه عن لبنان. ومذذاك التاريخ ونحن نواكب الجمهوريين. تفاعلنا جدًا مع حملة ترامب، ولكن هذا لا يعني أننا نقاطع الديمقراطيين كأفراد، فثمة ولايات ديمقراطية والمسؤولين فيها كذلك ولا يمكننا كقوات أن نفصل حياتنا عنهم، فعلى الرغم من أن غالبيتنا جمهوريين، لكننا نحافظ على علاقاتنا الطيبة مع الجميع”، يقول نجيم.
على مدى أسبوعين تستمر الإنتخابات الأميركية في الولايات كافة، يمر الاستحقاق بهدوء على المستوى الشعبي، علمًا أن الأميركيين في غالبيتهم لا يبوحون بتوجهاتهم السياسية “اشتغلت معهم 12 سنة من خلال تدريسي بالجامعة ولم اكتشف ميول أي أحد منهم” يقول نجيم ضاحكًا.
الديناميكية القواتية لا تظهر هنا كما في لبنان، هي موزعة بشكل مختلف تمامًا، البلاد كبيرة جدًا ولا أحد يلحظ وجود أحد، لا زمامير ولا صور ولا حملات انتخابية في الشوارع كما يحصل في لبنان، كل يختار مركز الاقتراع الذي يريد، “ولكن نحن صوّتنا بشكل مبكر” يقول نجيم، لماذا؟
قبل الثلاثاء العظيم، تاريخ الانتخابات الرئاسية بكم يوم، كان القواتيون أدلوا بأصواتهم جميعًا، وانتخبوا دونالد ترامب، إذ كان عليهم حضور مؤتمر القوات السنوي الذي عُقد في ميامي فلوريدا، وحضره القواتيون من الولايات كافة، تصويت يقولون إنه الأنسب بالنسبة للبنان “بأميركا يقولون التوقعات الكبيرة تأتيك بالخيبة الكبيرة، نحن واقعيين جدًا ولا نتوقع العجائب من الإدارة الجديدة، ربما قد يحصل ما لا يرضينا مرحليًا، ولكن الأهم هو أن تكون الصورة الكبرى المستقبلية لمصلحة لبنان ومستقبله، وهذا ما نراه صراحة. نريد المشروع اللبناني السيادي الذي نسعى اليه. العام 2016 صوتوا لترامب بخجل، بسبب حملة الديمقراطيين ضده، السنة كان الوضع مختلف جدًا إذ إنه اجتاح ولايات ما كانت في الحسبان، لأن المزاج الأميركي العام تغير لصالح ترامب، وهذا أمر يسعدنا، لأن كما سبق وذكرت حركة القواتيين بالانتخابات الأميركية تُبنى على أمرين أساسيين، أولً التزامهم بلبنان السيادي، ثم بناء على قناعاتهم الدينية والاقتصادية” يؤكد نجيم.
هل تعرف القوات بولس مسعد، والد صهر ترامب الذي بنيت من حوله حكايات كثيرة ومتشعبة، وهو الذي أولاه ترامب مسؤولية تنسيق العلاقات العربية في الإدارة الاميركية الجديدة؟ “علاقتنا جيدة مع بولس مسعد وشاركنا معه بغالبية النشاطات التي قام بها. رجل عصامي محترم يحب لبنان وسيادته ونحن نتلاقى مع كل من يحمل تلك القيم الوطنية الكبيرة” يقول نجيم.
ليست “القوات اللبنانية” التي تسببت بنجاح دونالد ترامب بالتأكيد، لكن الأكيد أنه كان للقوات دورًا فاعلًا في إنجاح مرشح جمهوري يتبنى سيادة وحرية لبنان، وحيث تكون تلك القيم تكون القوات رأس حربة، في الاغتراب كما في قلب البلاد، للدفاع والمشاركة في صنع مشهديات سيادية مماثلة.
