
عام 1966 نشأت بلدية المريجة التي تضم إليها ثلاث بلدات هي المريجة، الليلكي، وتحويطة الغدير، ويبلغ عدد الناخبين فيها حوالى عشرة آلاف ناخب، غالبيتهم من المسيحيين، وتتألف من 15 مقعداً بلدياً. وفي تشرين الثاني 2024 قرَّر حزب الممانعة، بشطحة “بولدورز”، شطب 58 سنة من تاريخ هذه البلدة، بما في ذلك وثائقها وملفاتها، خصوصاً مستنداتها العقارية، وموجوداتها، وإرثها، وتاريخها!.
هكذا استفاق مسؤولو حزب الممانعة فجأةً على قرارٍ بهدم مبنى بلدية المريجة وتسويته بالأرض، من دون مجرد إعطاء الفرصة لموظفيها لاستجماع الأوراق والمستندات والوثائق ونقلها إلى مكانٍ آخر، فضرورات معركة “فليسقط واحد من فوق” تُبيح كل المحظورات!.
برّر حزب الممانعة جرفه لمبنى بلدية المريجة في الضاحية الجنوبية قبل أيام، بوجود نفقٍ تحته ربما يؤدي إلى مكان اغتيال المرحوم هاشم صفي الدين، مثلما قال النائب السابق حكمت ديب أخيراً. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه، وما دخل مبنى البلدية غير المتضرر أصلاً، والقائم فوق هذا النفق، إذا كان الموضوع يتعلق بما هو تحت الأرض وليس فوقها؟، فكما حفرتم النفق من تحت المبنى “بلا شورى ولا دستور” ومن دون أن يتضرّر المبنى الذي فوقه، يمكنكم الدخول من تحت المبنى أيضاً من دون هدمه كلياً.
ثم، ألا يوجد أي منفذ أو أي فتحة أو أي مكان آخر لنفقكم المظلم هذا، يمكن الولوج منها، غير مبنى البلدية؟، وما دخل السقف العلوي مثلاً للبلدية حتى يتمّ هدمه؟، هل الدخول إلى النفق يستوجب هدم طوابق علوية صعوداً، أم الحفر من الطابق الأرضي بأي كومبريسور نزولاً للوصول إلى أنفاقكم؟.
هل استأذنتم الدولة اللبنانية قبل جرف مبنى رسمي تابع لها وتسويته بالأرض؟. هل استأذنتم وزير الداخلية والبلديات بصفته وزير الوصاية على شؤون البلديات؟. ألهذه الدرجة بلغت وقاحتكم وانتهاككم لكل قانونٍ وعرفٍ وميثاق؟. ألهذه الدرجة ضاق بعينكم وجود هذا المبنى لبلدية المريجة الذي يرمز إلى الوجود التاريخي المتجذر والمتأصّل والمتبقّي للمسيحيين في الضاحية الجنوبية، بعد أن تم اعتباراً من العام 1982 تهجير القسم الأكبر منهم، بالتهديد حيناً، وبالتفجيرات لمنازلهم وسياراتهم حيناً آخر، وبمصادرة أملاكهم والتعدّي عليها أحياناً وأحيان أخرى، ممّا أجبر قسماً كبيراً منهم، ومن أهالي الضاحية بالإجمال، على بيع ممتلكاتهم بأبخس الأثمان والذهاب للسكن في مناطق ثانية؟. هل هكذا تُكافئون أهالي المريجة على تصويتهم لكم بغالبية جيدة في معظم الانتخابات؟. هل هكذا تُكافئون حليفكم ميشال عون ابن حارة حريك، جارة المريجة وشقيقتها التوأم؟.
وللتذكير السريع، فإن “الضاحية الجنوبية”، التي هي فعلياً “الناحية الغربية” للمتن الجنوبي، كونها تتبع إدارياً لقضاء بعبدا ولمحافظة جبل لبنان، وليس للعاصمة بيروت، هذه الضاحية كانت في القرون الوسطى تابعة لإقطاع الأمراء الدروز، إذ ورد أول ذكر لهذه المنطقة في مخطوطة تعود للمؤرخ العرفاني التوحيدي صالح بن يحيى التنوخّي عام 1453م، والتي يُخبر فيها عن تمنّع سكان قرية “البرج” المعروفة ببرج البراجنة اليوم عن دفع إقطاع الأرض لأحد الأمراء الدروز، وقتلهم “العبد” الذي أرسله لهذه الغاية ورميه في بئر، وهو الذي يُعرف اليوم بمنطقة “بئر العبد”.
كما يُعتبر الوجود المسيحي أكثرياً ومتجذراً في هذه الضاحية مع الشيعة والسنة والدروز منذ مئات السنوات، قبل الهجرة المدينية الضخمة للشيعة من قرى بعلبك والهرمل، اعتباراً من خمسينيات وستينيات القرن العشرين، بالتزامن مع هجرةِ شيعية ثانية من قرى الجنوب بفعل الكفاح المسلح الفلسطيني الذي كان قد بدأ أواخر العام 1967، أي منذ ما قبل اتفاقية القاهرة سنة 1969 التي تفرّد قائد الجيش حينها العماد إميل البستاني بالتوقيع عليها، استرضاءً للرئيس جمال عبد الناصر، ولغايةٍ رئاسية في نفسه، وخلافاً لأوامر وطلب رئيس الجمهورية شارل حلو، بحسب ما يذكره اللواء سامي الخطيب في مذكراته، وخلافاً أيضاً لإرادة كل القيادات المسيحية الفاعلة حينها.
مبنى بلدية المريجة يُعاد إعماره أجمل ممّا كان بعد الحرب، غير أن النفوس المليئة بالسوداوية، والمشحونة بالحقد والكراهية، والرغبة الغرائزية الجامحة بتغيير معالم الديموغرافيا والتاريخ وهدم الحضارة، تزويراً لهذا التاريخ وتسهيلاً لها باختلاق وقائع جديدة على أنقاضه، أو تثبيت وقائع غير شرعية موجودة أصلاً، هي التي يجب ترميمها وإصلاحها وإعادة بنيانها بما يتوافق مع طبيعة لبنان الحقيقية، قبل الحرب، وخلالها، وبعدها.
ألف تحيةٍ للمريجة الصامدة الأبية، ولأبطال المريجة الشرفاء في المقاومة اللبنانية الحقيقية، لن يضيع حقٌ وراءه مُطالب، وفي نهاية المطاف لن يصح إلا الصحيح.