
انطلاقًا من ما نشاهده من انفلاش مساحة الاعتداءات والتعديات الإسرائيلية على كامل مساحة الأراضي اللبنانية وانطلاقًا من انفلات آلة التدمير والقتل الإسرائيلية وتفلتها من أي ممانع أو رادع يردع أو مقاوم يمنع، على ما وُعِد به اللبنانيون وهدد وتوُعِّد به العدو، لا يسعنا إلّا أن نرقب ونتأمل حلولًا قد تأتي من خارج الحدود، مسترجعين أحداثًا شبيهة مماثلة في التاريخ الحديث، كاجتياح العام 1982 للقضاء على “منظمة التحرير الفلسطينية” ولـ”سلامة الجليل”، وفي التاريخ الأحدث والذي ما زال مستمرًا في الحاضر، هو في ما نتج وينتج عن عملية 7 تشرين الأول 2023، من انفلاش وانفلات وتفلت إسرائيلي في غزة.
للاستفادة حاليًا من قراءة ما سبق، من الضروري التأكيد على أن قراءة التاريخ لم تكن يومًا حكايات نرويها للاستمتاع أو إمتاع من تتلى عليه، وهي ليست بالتأكيد طريقًا مستساغة لإضاعة الوقت بين صفحاته، بل إن التاريخ لو أحسنت قراءته يبقى وصفة ناجحة ناجعة يستفاد منها للاعتبار من التجارب السابقة القديمة منها والحديثة التي خاضتها الشعوب، والاستنباط منها قواعد أدت الى نجاحها وأسباب استقرارها ومناعتها، أمام أحداث هزّت ودمّرت شعوبًا وأممًا أخرى، لم تعتبر ولم تحسن قراءة هذا التاريخ، ولم تتجنب تكرار أخطاء وخطايا وسقطات وفشل من سبقها.
بما أن من يحصر قرار الحرب الحالية التي تدور رحاها على الأرض اللبنانية لم يتّعظ من حدث غزة الحديث ليبني على حجم وقدرة مقاومته واستعداد بيئته وأهلية مؤسسات دولته مقتضاه، بالتراجع التكتيكي والصبر الاستراتيجي على ما تقوم به “جمهوريتاه النموذج” في كل من إيران وسوريا، يصبح من واجب وضرورة البحث، السبر في أغوار حدث أبعد في التاريخ، أقرب الى حدوثه في الحاضر وهو الاجتياح الاسرائيلي ومحاصرة مدينة بيروت وما رافقهما من مفاوضات ومطالبات، ولحقهما من حلول ونتائج، لعلّ من بيده تفويض المقاومة الاسلامية في لبنان بالتفاوض، أعني به الرئيس نبيه بري، أن يحذو حذو رئيس الحكومة السابق الراحل صائب سلام وأن يلعب دوره وهو الذي بقي حتى انسحاب منظمة التحرير الفلسطينية وقيادتها ورئيسها ياسر عرفات من بيروت، حريصًا على القضية الفلسطينية ومدافعًا عنها، تمامًا كحرص بري ودفاعه عن المقاومة الاسلامية في لبنان.
لا شك أن التدمير الحاصل المستمر الممنهج اليوم في ضاحية بيروت الجنوبية والجنوب والبقاع وسائر المناطق اللبنانية يساوي لا بل يتفوق على التدمير الذي انتهجه العدو الإسرائيلي لدى محاصرته وقصفه لمدينة بيروت في العام 1982، ولا شك أيضًا أن ما قاله قادة المقاومة الفلسطينية وعلى رأسهم ياسر عرفات تحت الضرب والقصف والتدمير يقول مثله قادة المقاومة الإسلامية في لبنان، ولا شك أيضًا أن ما كانت تقوله القيادات والشخصيات السياسية الإسلامية والوطنية وخونت على أساسه، هو تمامًا ما تقوله القوى المعارضة للحزب وحربه ومقاومته وتخون على أساسه.
تبقى الإشارة الى الدور الذي لعبه الرئيس صائب سلام في اقتناعه وإقناعه أبو عمار بضرورة وقف التدمير والقصف والحصار، بأن يسلّم ولا يستسلم للأمر الواقع المرّ المعروف على أبناء بيروت وعلى اللبنانيين، فيخرج ومنظمته ومسلحيه من بيروت، بعد أن كانت منظمة التحرير الفلسطينية في العام 1976 “جيش السنة في لبنان”، على الرغم من أن عرفات كان قد اسرّ لسلام على ما يؤرخ هذا الأخير في الجزء الثاني من كتابه “صائب سلام ـ أحداث وذكريات” في العام 1973 أثناء اشتباكات المسلحين الفلسطينيين مع الجيش اللبناني، بأنه “سيجعل من بيروت ستالينغراد ثانية”… عاد وذكر في “ذكرياته” نفسها أنه صارح عرفات في أوائل الثمانينيات “أنّ المسلم السنّيّ البيروتي أصبح يكرههم أكثر ممّا يكره الإسرائيلي، وذلك بسبب إهمالهم مصلحة المسلمين وتغاضيهم عن مشاعرهم، بل وتحدّيها في كثير من الأحيان بممارسات شاذّة من قِبل المقاومة نفسها وبتغطية ممّن يتلاحم معهم، ممّن يسمّونها القوى الوطنية في لبنان، وهي ليست سوى فريق من ضعاف النفوس، يسيّرها المال منهم، كما تسيّرها سوريا لمصالحها، تهديمًا لكيان لبنان، فتغرق في السلب والنهب والقتل والتدمير تحت حجّة النضال الوطني. إنّ رادعنا القومي وعقلانيّتنا تمنعاننا منْ أنْ نقف ونشهّر بهم (المقاومة) علنًا كي لا نعطي الحجّة عليهم لإسرائيل، أو لأحد من أخصام الثورة الفلسطينية”.
وما يؤكد أن مقاومة “الحزب” لم تقرأ كتاب سلام ولم تتعلم من التاريخ لتتجنب سقوطها في التجارب الانتحارية المكررة المخيبة، نقرأ من فترة الاجتياح والحصار من مذكرات الرئيس الراحل: “لقد حضر أبو عمار إلى منزلي، حين كان التجمّع الإسلامي منعقدًا، وكان يتكلم بصورة غير معقولة، جنونية، فقال: إنني محاصَر، سأضرب يمينًا شمالًا جنوبًا، شيوخًا أطفالًا نساءً، على جونية، على البلد، على الجميع، على الإسرائيليين… لن نموت هكذا، لن نموت”.
ما فعله الرئيس صائب سلام وأعضاء التجمع الاسلامي السني في بيروت بمجاهرتهم للحقيقة بوجه المقاومة الفلسطينية وبإعلاء مصلحة لبنان وبيروت الغربية ذات الأكثرية السنية المتضررة، فوق كل اعتبار فلسطيني ولو كان سنيًا أو عربيًا أو قوميًا، هو تمامًا ما يعول عليه اللبنانيون والطائفة الشيعية من الرئيس بري، بمصارحة المقاومة الإسلامية في لبنان، الفصيل في فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، بالحقيقة المرة العارية، بضرورة وحتمية إعلاء مصلحة لبنان وأهالي الضاحية والجنوب والبقاع من أبناء الطائفة الشيعية وبقية الطوائف، فوق كل اعتبار ممانع، إيراني، قومي أو إسلامي، ولو ادعى انه أصيل.
.jpg)