Site icon Lebanese Forces Official Website

خاص ـ إعادة الإعمار في اليوم التالي.. مسار شاق (ميليسّا نجم)

بمشاهد تفطر القلوب وتدميها، شاهد اللبنانيون عموماً والجنوبيون وأهل البقاع والقرى التي طاولها بطش الغارات الإسرائيلية خصوصاً، تربة لبنان التي اكتست بمحرّمة القنابل الفوسفورية والملوثات الكيميائية، والأماكن التي سويّت بالأرض وطمرت معها ذكريات وأحلام وهوية أصحابها وحيث انتموا.. لم تكتف إسرائيل وغاراتها بحصد البشر وممتلكات المدنيين، بل زادتها شهية لطمس الهوية اللبنانية باستهداف المعالم السياحية. فمن سوق النبطية الشعبي، إلى معالم صور الأثرية، وصولاً إلى معابد بعلبك المدرجة على لائحة التراث العالمي، فمعلم “قبة دورس” الأثري في بعلبك، بلا أي رادع أو مانع من أي نوع كان. وسط هول الدمار وعلى وقع صدى التفجيرات المهولة للمنازل والأبنية والمرافق العامة، يطرح السؤال عن الجهة التي ستتولى إعادة الإعمار في الجنوب والبقاع والضاحية وصولاً إلى ترميم المرافق العامة؟.

في محاولة لاستيضاح الصورة، حاور موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، خبير المخاطر المصرفية والباحث الاقتصادي محمد فحيلي، الذي أوضح لموقعنا أنه “من الصعب وضع الأرقام الصادرة عن تقديرات قيمة الخسائر التي تكبّدها لبنان إثر الحرب الإسرائيلية على لبنان، خارج إطار التقديرات والتكهنات، لأنه لدينا سلطات مختصة عدة تقوم بمسح شامل للمباني المتضررة. فمثلاً وزارة الاقتصاد معنية بمسح الأضرار في المصانع والمؤسسات المتضررة، إما بالكامل او جزئياً، ووزارة الزراعة التي يتوجَّب عليها إجراء مسح للتربة لمعرفة مدى تضررها، ولمعرفة مدى الضرر فيها، إذ يمكن أن تكون قد أصبحت غير صالحة للزراعة”.

يضيف فحيلي: “أيضاً وزارة الشؤون الاجتماعية المعنية بمسح المباني المتضررة، إضافة الى إيرادات الدولة التي تأثرت بسبب الحرب، لأنه في الأشهر الـ7 الأخيرة حقَّقت فائضاً، لذلك، يطالب اليوم نوّاب “الحزب” وقوى 8 آذار سابقاً بتحمل مسؤولية أكبر والإنفاق بشكل أكبر على النازحين، أضف الى ذلك مدى تأثر القطاع السياحي”، مستطرداً بالقول: “لا أشكك بالنوايا حول أسباب التداول بأرقام عن حجم خسائر الحرب، فنحن في عصر “السوشيل ميديا”، وهناك دائماً سباق وتنافس حول الطرف الأكثر استضافة والأكثر استقطاباً للجمهور على الشاشات”.

يتابع: “هناك سبب آخر يدعونا لعدم إمكانية الحديث عن حجم أضرار الحرب. فهناك أماكن مثل الضاحية الجنوبية، بعلبك، الشويفات، وغيرها، طاولها القصف عشرات المرات. بالتالي، الذين يتداولون بأرقام الأضرار عنها، هل يتحدثون عن تاريخ 31 آب الماضي، أو إلى 1 تشرين الثاني الحالي أو ما بعده، للارتكاز على تحديد حجم الأضرار؟”.

فحيلي يشير، إلى أن “حجم الدمار يتغير حسب الضربات، فنحن نعيش بواقع متحرك، لذلك يستحيل الذهاب باتجاه تحجيم الأضرار وترقيمها. حتى الناتج القومي تكبَّد الخسائر على مدى الشهرين الماضيين، وبالتالي يصعب تقدير هذه الخسائر، خصوصاً إذا أردنا مقارنة الظروف في العام الحالي بظروف العام 2006 لأنها مختلفة كلّياً”.

في السياق ذاته، يلفت فحيلي إلى أنه “في العام 2006 على الرغم من الضربات التي تلقَّتها الجسور في مختلف المناطق اللبنانية، غير أن المواطنين تمكنوا من مزاولة أعمالهم بطريقة شبه طبيعية خارج إطار المناطق المنكوبة. كذلك، اليوم مدارس عدة أقفلت، والأمر ذاته بالنسبة لشركات عدّة أقفلت ومؤسسات لجأت إلى العمل عن بعد، فكل هذه المعطيات تزيد من صعوبة تحديد حجم الخسائر. هذا ونحن نتحدث عن الظروف الآنية والتي قد تستمر حتّى إشعار آخر”.

أما عن الجهات التي قد تقدِّم الدعم لإعادة إعمار جنوب لبنان والمناطق المتضررة، فتطرّق فحيلي إلى مؤتمر باريس “حيث تم تخصيصه لإغاثة لبنان”، شارحاً أن “الطريقة التي تمّ تعليق المؤتمر عبرها، حيث حُدِّد بأنه مؤتمر لأصدقاء لبنان، تلافياً لوضع شروط إصلاحية قد تمنع وصول المساعدات، فهي لإغاثة الشعب اللبناني وليست للدولة اللبنانية. لكن إذا أخذنا في الاعتبار ما حصل في الأسبوع الحالي، فإن المساعدات إلى لبنان أتت مشروطة بطريقة مموَّهة”.

فحيلي يشرح هذا الأمر قائلاً: “عقد مؤتمر باريس، ومؤتمر بريكس في روسيا، ومواكبة للمؤتمر عقد اجتماع مجموعة العمل المالي الدولية التي صنَّفت لبنان على القائمة الرمادية، ما يعني أنه بغض النظر عن الجهة المحوِّلة والجهة المستفيدة، ستخضع التحويلات المالية مهما كانت الجهة المحوِّلة والجهة المستفيدة لرقابة شديدة وكلفة التحويلات ستزيد، إذ شدَّدت مجموعة العمل المالي “FATF” في ملاحظاتها التي أبدتها للدولة اللبنانية، بأنها لا تراقب بجديّة المؤسسات غير الرسمية والتي هي فعلياً اليوم تساعد الشعب اللبناني بالدرجة الأولى”.

بالتالي، يقول فحيلي: “كأنها تقول بطريقة غير مباشرة إن هذه المساعدات ستخضع للرقابة المشددة، إلا إذا اتخذت الحكومة اللبنانية إجراءات سريعة لضبط الإيقاع بالنسبة للتداول بالعمليات المالية العابرة للحدود، سواء في الأموال الآتية إلى لبنان أو المحوَّلة إلى الخارج”.

يعبّر فحيلي عن “أسفه حيال “سوء حظ الدولة”، فهي لا تستطيع التركيز على أمرين معاً. اليوم هي متلهّية بالإغاثة في وقت يدور حديث من داخل مراكز الإيواء عن أن المساعدات التي تصل إلى النازحين قليلة جدّاً، وأنه يتمّ توزيعها بشكل غير عادل”، مبدياً “خشيته من شبهات فساد تحوم حول الملف”.

يؤكد فحيلي، أن “الدولة اللبنانية أمام استحقاقات لإعادة تكوين مصداقيتها أمام المجتمعين الدولي واللبناني، كي تستطيع الدخول في مشاريع إعادة الإعمار، فهي ستموِّل إعادة الإعمار من سنداتها لا من إيراداتها، إذ أنها ستصدر سندات دين لبيعها بالداخل أو بالخارج”.

كما يذكّر، بأن “الدولة اللبنانية سبق وتعثَّرت بالإيفاء بالتزاماتها تجاه الدائنين، فلا أحد سيرغب بالدخول في هكذا مشاريع. على سبيل المثال، الدول العربية الشقيقة وخصوصاً دول الخليج التي استثمرت كثيراً على مدى عقود في لبنان، “أكلت الضرب”، وبالتالي، فإن الدولة اللبنانية أمام استحقاقات بالإصلاح وإعادة الانتظام بالقطاع المالي، والأمران غير قابلين للتطبيق الآن”.

حول إبداء المؤسسة العامة للإسكان رغبتها بالمساعدة على إعادة الإعمار، يعتبر فحيلي أن “المؤسسة لا ترتقي حتى لتكون “بحصة بتسند خابية”، شارحاً أن ” المؤسسة العامة للإسكان حصلت على قرض مالي وإذا أرادت أن تقرضه لدائن لبناني، فلا ضمانات اليوم بأنها ستستعيد المبلغ المقرض بالدولار، وسط الأزمات التي تعصف بالقطاع المصرفي، الذي يبدي رغبة بالعودة إلى الإقراض، غير أن أزمة أموال المودعين لهم بالمرصاد”.

في ظل السوداوية والضبابية التي تخيّم على ملف الإعمار الخاضع لاعتبارات باتت أصعب بكثير من المراحل السابقة، بحكم حجم الإساءة التي تعرضت لها الدول العربية في فترة سابقة، وفي ظل المسار الطويل والشاق والمستحيل على دولة شبه منهارة، يعقد فحيلي آمالاً على الاغتراب اللبناني الذي ساند ولا يزال لبنان المقيم، معرباً عن آماله بأن يدوم التلاقي بين اللبنانيين، لا أن نصل يوماً ما إلى حرب من نوع آخر.​

Exit mobile version