
“يا رب تحمينا”… “بدي فلّ ع البيت”… “بدي نام بتختي”… “خايف إرجع ما لاقي بيتي”… “في طيارة رح تقصف…”، هي كلمات قليلة تخرج من فم أطفالنا، لتختصر في طياتها مأساة كبيرة نعيشها اليوم نتيجة حرب عبثية ومغامرة غير محسوبة فُرضت على اللبنانيين، فهجرت وقتلت وشرّدت ودمّرت ليصبح لبنان من شماله الى جنوبه ساحة حرب مفتوحة على كل الاحتمالات.
ومعلوم أن آثار الحرب على الصحة النفسية لا تزول بمجرّد وقف إطلاق النار واِنتهاء العمليات العسكرية، وهي تمتدُّ لسنوات وتطال جيلاً بكامله.
من منزل دافئ وسرير يحتضن قصصًا وذكريات، الى العراء أو السيارة أو مراكز إيواء، هذا هو حال العائلات النازحة من الجنوب وبيروت والبقاع وبعلبك، والأطفال الضحية الأولى والأخيرة في حروب الكبار.
تعيش نور (8 سنوات) منذ أيلول الماضي في أحد مراكز الإيواء في البقاع الشمالي الذي نزحت إليه مع أهلها من مدينة بعلبك هربًا من الغارات التي استهدفت بلدتهم. تقول والدتها زينب بأن ابنتها عادة هي طفلة مسالمة مرحة، تحب الضحك كثيرًا، نشيطة ومجتهدة، ولكنها اليوم أصبحت عصبية متوترة تبكي كثيرًا، تقضم أظافرها، وتُصاب بنوبة هلعٍ بمجرد أن يغلق أحدهم باب الغرفة بقوة. فما هو رأي الأخصائيين النفسيين؟
تقول الأخصائية في علم النفس العيادي ريما بجاني، إن الأطفال هم أبرز الفئات التي تتأثر بالحرب وتترك فيهم آثارًا سلبية كبيرة، أبرزها الصدمة النفسية أي تروما، وهي نوع من الضغط النفسي الذي يتجاوز قدرة الإنسان على التحمّل، والعودة الى حالة التوازن بعدها، وتتخللها حالات من الخوف الشديد سواء أكان من الأشخاص أو الأصوات، وتحديدًا صوت الطائرات.
في هذه الحالات يعبّر الطفل عن خوفه من خلال البكاء أو الغضب أو العنف أو الانزواء ويغرق في حالة من الاكتئاب الشديد، الى جانب الأعراض الجسدية مثل الصداع، والتبول اللاإرادي، وفقدان الشهية، والقلق وقلة النوم، وتأخّر النمو العقلي والبدني والعاطفي، وصعوبة الاِندماج في المجتمع والعجز عن بناء روابط عاطفية مع الآخرين، والاضطرابات السلوكية وردود الفعل العدائية.
وتتابع بجاني، في أوضاع مماثلة المساندة ضرورية، لذلك نبدأ العمل مع الأهل نظرًا لتشابه وضعهم السابق مع وضع أطفالهم اليوم، ولارتباطهم الوثيق بهم، ففي لبنان لا يوجد جيل لم يشهد على حرب، وتحديدًا الجيل الشاهد على جريمة تفجير مرفأ بيروت وتبعاته النفسية والصحية، الأمر الذي يتسبّب برد فعلٍ قوي لا يسمح لنا بالتعامل مع الموقف، بسبب عدم قدرتنا على إخراج هذا القلق الناتج عن معايشة حروب أو أزمات اقتصادية، ولأننا لم نعش يومًا بسلام دائم أو استقرار.
في حسابات بعض الاهل أن الطفل لن يتأثر بما يحدث حوله، وأنه سينسى مع الأيام ما مر به، ولكن الطفل لا ينسى، وكل ما يتعرض له سيبقى محفورًا في ذاكرته، على أن تظهر الآثار السلبية في شخصيته مستقبلًا. واللافت أن الترسبات التي تخلّفها الحرب في ذاكرتهم النفسية يصعب جدًا تجاوزها، من هنا أهمية دعم الأهل لأطفالهم للتخلّص من الآثار السلبية للحرب، من خلال إحاطتهم ومساعدتهم وعدم تركهم يشاهدون صورًا عن الحرب وجرائم القتل، والتوجّه لهم بكلمات مليئة بالحب والاطمئنان، والشرح لهم بأن هذه مرحلة وستمر، خصوصًا في أوقات الغارات العنيفة والمخيفة، لأنه كلما تركنا الطفل يواجه هذه المخاوف لوحده، كلما زادت آثارها السلبية عليه وعلى نفسيته.
وتشدد بجاني على ضرورة ترك الطفل يعبّر عما بداخله، وعدم منعه من البكاء أو السؤال عما يجري، لأنه من الضروري معرفة ما يدور في تفكير الطفل، وأن نترك له الحرية بالتعبير كي لا تتراكم في داخله الصدمة. ومن العوامل المهمة جدًا في هذه المرحلة أن يحافظ الأهل على هدوئهم، وعلى تلطيف الأجواء من أجل بث الثقة في نفسية أطفالهم، لأنهم الحلقة الأضعف دائمًا وتأثرهم بالأحداث أكبر.
دور الأهل لا يقتصر على التربية، إنما يجب فتح باب الحوار للتعرّف الى مخاوف الأطفال والسماح لهم بالإجابة على التساؤلات وإعطائهم حيزًا إيجابيًا، وتأمين جو مستقر ودعم نفسي وتسلية، لأنهم يمثلون صمام الأمان بالنسبة للأطفال.
وتشير الى ضرورة توزيع الأولاد حسب الفئة العمرية لمعرفة نوعية الإجابة التي تطال أعمارهم، ولكن الأمر الأساسي والمشترك بين جميع الأعمار هو أن نكون صادقين معهم وعدم إنكار وإخفاء الواقع أو تغييره بصرف النظر عن مدى صعوبته وألمه، فبين عمرالـ4 والـ6 سنوات يجب أن تكون الإجابة مختصرة قدر الإمكان من دون الدخول في التفاصيل، وعدم إهمال لغة الجسد التي يجب أن تتناسب مع ما يقوله الأهل كي لا يفقد الطفل ثقته بصدقهم. وتكشف أن الخوف والشعور بعدم الأمان يكبران عندما يرى الأولاد الخوف في عيون أمهاتهم.
تعتمد الاستراتيجيات المتبعة في علاج الحالات التي تعاني من الصدمة نتيجة للحرب، إلى حد بعيد على طبيعة الحالة نفسها. فالأطفال لا يتشابهون، ولم يمروا جميعهم بالصدمة ذاتها، كما تتفاوت درجة استجابتهم للعلاج، وقد يتجاوز بعضهم الصدمة.
وتشدد بجاني على نقطتين أساسيتين: أولًا المحافظة على الحركة الجسدية من خلال ممارسة الرياضة يوميًا واللعب، وثانيًا تنشيط الحركة العقلية عبر القيام بنشاطات ذهنية كحل المسائل الرياضية والحسابية أو القراءة. ومن الضروري أيضا أن تكون هناك متابعة نفسية، مشيرة الى درجة الوعي حول أهمية الصحة النفسية، ونرى العديد من الجمعيات تقوم بعلاج نفسي جماعي لضحايا الحرب مع متخصصين اجتماعيين ونفسيين، يعملون على توزيع الأطفال الى مجموعات ويطلبون منهم اختيار لعبة أو نشاط من بين أنشطة تشمل الرسم والتلوين والتمثيل كوسائط لمساعدتهم على التعبير عن أنفسهم، بحيث لا تتراكم هذه الصدمات النفسية مما يسمح للأجيال القادمة بالتعافي منها.
وتشير بجاني الى أهمية المدرسة والدور الذي تلعبه في حياة الأطفال، من خلال احتضانهم واستيعاب خوفهم ومساعدتهم على الشعور بالأمان وتأهيلهم للدخول الى العام الدراسي. وتختم: “نحن اليوم في وضع استثنائي ومن المعروف أن الكثير من الطلاب لم يعودوا الى مدارسهم، لذلك على الأهل وإن كانوا نازحين أن يحافظوا على روتين معين لأطفالهم من خلال وضع برنامج لهم يلحظ الأمور التعليمية بحدها الأدنى والعمل على تطبيقه”.
كتبت غرازييلا فخري في “المسيبرة” ـ العدد 1758
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com
