Site icon Lebanese Forces Official Website

خاص ـ لماذا إخضاع لبنان للإنتحار؟

لمّا كانت المغامرات غير المحسوبة لا تعود على صاحبها بأيّة فائدة، استنادًا الى منطوقِ عِلم نفس السّلوك، فكيف، إذا كان سِياقُ المغامرةِ يقود الى الانتحار ؟ وما يجري على الأفراد، في هذا المجال، ينسحبُ، حتمًا، على الجماعات والأوطان، من هنا، برزَت دعواتُ المتعقِّلين الى تَوَخّي الحلول بالإتّزان، والحكمة، وهما أكثر نفعًا من الهَوس العقيم، والتعنّت، والعبثيّة، خاصةً إذا كانت المغامرةُ ذات مردودٍ خطيرٍ، بل مُدَمِّر.

إنّ المغامرة التي نشير إليها، بين مغامرات عندنا وما أكثرها، هي المباشرةُ بالحرب، بشكل استباح رأي غالبيّة شرائح النّسيج الوطني، بوضع اليد على القرار، وكأنّ شرعيّة الجماعة الوطنيّة استُبدلت بشُرعة مهيمنة، أو استُبِدّ بها من غير وجه حقّ، معرِّضة البلاد الى تداعيات وخيمة، ملوَّنة بالدم، تُفقِدها الأمان، والخبز، معًا. ولم يُفاجئنا الذين ساروا في ركاب المغامرين، من المهووسين المعروفين، بأنّهم هيَّصوا بمعلّقات أين منها المعلّقات السَّبع الجاهليّة، وقد ركّزت، وبشكلٍ مؤكَّد، على النّصر المُبين الأسطوريّ ؟؟؟ كما أنّ المُستبِدّين بالقرار لم ينسوا توجيه التهمة بالعمالة، وهي جاهزة دائمًا، وكذلك بدعة الطّعن بالظّهر، للذين أدانوا التفرّد بقرار الحرب، وتحويل البلد ضحيّة سائغة لعدوٍّ عنيفٍ وضعَ في عينِ هولاكو، حصرمة.

نحن لا ننسى أنّ المغامرين من حاملي الألقاب، وفي ظهوراتٍ من على الشّاشات، وصلوا بنبراتهم الخطابية المؤجِّجة لجمهورِهم، حدّ نضوب الدّم من وجوههم، فكأنّهم يواجهون فرسانًا في ساح القتال الشّاشَاتي، وما ذلك المشهد الانفعاليّ إلّا برهانٌ لا ينضح منه اطمئنان، ويؤكّد، بالتالي، على أنّ الوطن معرَّض لمخاطر هو بغنًى عنها. وإذا عدنا الى ما ادّعى المغامرون أنّهم يدافعون عنه، أي القرار بالمواجهة العسكرية في الجنوب، بالإضافة الى إسناد غزّة، بل حَماس، فواضحٌ، تماماً، أنّهم، بذلك، انقلبوا على منطوقِ الدّستور، والميثاق، وأفرغوا السّلطة من جدواها بشلّها المقصود، وعطّلوا المؤسّسات، ووضعوا اليد على مفاصل الموقف اللبناني من الحرب الدّائرة في غزّة، وأحكموا قبضتهم على الدّاخل، فبدا الوطن شريدًا، ومحشورًا بشدّة في عنق الأزمة، والخطر، وربّما مواجِهًا زوال بعضٍ من أرضه، من هنا، ليس صحيحًا، أبدًا، أنّ المغامرين يدافعون عن لبنان بإعلانهم الحرب على العدوّ، بقدرِ ما يزجّون بالبلد في جهنّم.

نحن لا نُنكرُ، إطلاقًا، أنّ العدوّ الذي تتلاصق خريطتانا، وليتهما لم تكونا كذلك، يرتكب المجازر، والإبادة، والقتل الجماعيّ، والتّشريد، والتّهجير، والتّجويع، وانتهاك الحقوق التي أقرّتها شرعة الأمم، وهذا يستدعي، بالتّأكيد، موقفًا يدين، بشدّة، هذا السّلوك الإجراميّ الذي لا نقع على مثيل له إلّا في تاريخ الإبادات، والتّصفيات، التي ارتكبها الهولاكووِيّون، والسّتالينيّون، والنّازيّون، في عهود الرقّ، والفتك، وشلّال الدّم، بحيث أصبح النّاس، وقتَها، وَقفَ الشّيطان. من هنا، فالإدانة، في مقابل أنهار الضّحايا، واجبةٌ وملزِمة، وتطالب القادِرين الدَّوليّين بفرض وقف فوريّ لإطلاق النّار، صَونًا لمَنْ تبقّى من الناس، في غزّةَ ولبنان، هؤلاء الذين كابدوا الإنسحاق، والتّقتيل، والتّهجير، ولمّا يزالوا يتجوّلون في كفنٍ صَدِئ ينزف موتًا.

نعم، إنّ إدانة العدوّ واجبة إنسانيًّا، وأخلاقيًّا، وكذلك إدانةَ الانخراط في حرب مرعِبة غير محسوبة، استدرجت العدوّ الى تدمير لبنان بآلته الحربيّة الفتّاكة، حجرًا وبشرًا، لتزداد مصائبه ونوائبه، وهذه ليست، أبدًا، مسألة تفصيليّة تَصبّ في سياق تداعيات المواجهة. إنّ ما يحصل في جنوب لبنان، وفي بقاعه، وفي ضاحية بيروتِهِ الجنوبيّة، من دَكٍّ بالصّواريخِ وبقنابل كيميائيّة وفوسفوريّة، ومن تدميرٍ مُمَنهَج، يجعل من هذه المناطق أمكنةً غير قابلةٍ للحياة، وما قد يحصل لكلّ لبنان، إذا تمدّدت الحرب، لا يستلزم كبير عناء للتدّليل على أن الصّورة قاتمة، وأنّ البلاد موضوعة تحت المقصلة، وأنّ النّاس المهدَّدين سوف يتحسّسون رقابهم ليتأكّدوا من استمرار وجودها فوق أكتافهم…

إنّ مشروع الدّخول في الحرب، ليس، على الإطلاق، دفاعًا عن لبنان، وأهله، وسيادته، وكيانه، إنّما هو خطأ شنيع، وسلوك مرتبط بأوامر من خارجٍ معروف، تَقضي مصلحتُه على طاولةِ المفاوضات، زجًّا للبنانَ في صراع ضَروس رأينا نتائجه المريعة بأمِّ العين، وهي أكثر سوءًا، ودمارًا، وضحايا، ممّا كانت عليه في المواجهة السّابقة التي مهما ابتُدِعت الخطابات لأَسْطَرَةِ نتائجها، فلا يُطلَب من الواحد، للوقوف على حقيقتها، إلّا إتقان القراءة، فقط.

لقد كان من واجب المغامِرين المستَقوين، وقبل المباشرة بتنفيذ قرار ليس ملكَهم، وهو قرار الحرب والسِّلم، أن يُمعنوا النّظر في ما يمكنُ أن يَنتجَ من مغامرتهم بمقياس العقل، والرّزانة، وأن يتوقّعوا التّداعيات المُكلِفة التي سوف تُذِلُّ البلدَ الذي عليه أن يترجّى على أبوابِ الذين يتبرّعون لإغاثتِه. كان حريًّا بالذين دفعوا بلبنان الى الانتحار، أن يطرحوا قرار الحرب، وهو قضيّة مركزيّة في الدولة، أمام المسؤولين الرسميّين والأمنيّين وسواهم…قبلَ الاستئثارِ به، مُنفرِدين. وكان عليهم، أيضًا، أن يسألوا أنفسَهم لماذا إلزام لبنان، وحده، بالانخراط في المواجهة، من دون دُوَل الطّوق، ودُوَل الممانعة… وأين هي وحدة السّاحات التي نُظِمَت فيها المطوّلات، وبقيت حِبرًا على ورق باهت… لكنّ الهيمنة التي يمارسها المغامِرون الذين لا يعترفون بالوطن مرجعيّة وحيدة، وينصاعون، بالمقابل، لأوامر من خارج لا تمتّ لمصلحة لبنان بِصِلَة، قد أدَّت بالقيِّمين على شؤون البلاد والعباد الى الرِّضى المتحالِف مع التّخاذل، أو المصلحة، وأدَّت، بالتالي، الى القضاء على الوطن الذي جعلوه وَقفَ الشيطان، يغوصُ في لحمِهِ طعمُ الموت، ويَلحسُ من دمِهِ، ويضمّدُ جراحَه بالجراح…

أمّا المطلوبُ، بعد هذه النّكبة، وحتى لا يجرفَنا وَحلُ الأرض، مجدَّدًا، مع الذين زجّونا في أتونِ الموت، أنفسِهم، بلديّين وأعاجم، فهو أن نرفضَ العودة الى ما قبل الثّامن من تشرين، وأن نطالب بتطبيق الدّستورِ وبنودِ وثيقةِ الطّائف، والقرارات الأمميّة جميعِها، حفاظًا على لبنانَ آمِنًا، تحكمُهُ مؤسّساتٌ شرعيّة نزيهةٌ ووطنيّة، في دولةٍ ذات سيادة، وفي ساحةٍ لا تستبيحُها دويلةٌ مُستَقوِيَة تهيمنُ على البلادِ بسلوكٍ مدمِّرٍ لدولة المواطنة، ولطموحِ الأجيالِ بمستقبلٍ واعد… وهذه رسالةٌ موضوعيّة تدعو الجميعَ، أيًّا كان هذا الجميع، لإخراج لبنان من دائرة النّار.

Exit mobile version