
.jpg)
مضى على رحيل الرسّام الشهير بول غيراغوسيان 31 عامًا، لكن حضوره بقي قويًا وفاعلًا من خلال لوحاته الإبداعية الملوّنة والناطقة بألف قصة وقصة، وقد ارتأت الدائرة الثقافية في جهاز الإعلام والتواصل في “القوّات اللبنانيّة” اليوم في ذكرى رحيله الإضاءة في نبذة على حياته وفنّه، وحتمًا في القلب كل تقدير واحترام لغيراغوسيان وفنّه العظيم.
بدأ غيراغوسيان يكسب شعبيته كرسّام منذ عام 1947 حين كان يدرّس الفن في المدارس الأرمنية، بالإضافة إلى عمله كرسّام. إضافة إلى ذلك، باشر الفنّان برسم أفراد من حيّه بأقلام الفحم على الورق والألوان الزيتية على ألواح الخشب المضغوط. تُظهر أعمال تلك المرحلة، ليس معالم المدينة فحسب، بل أيضًا اهتمام غيراغوسيان بجمالية اللحظة، حيث التقطت خطوطه الحيوية والمنسابة كلًا من مظهر الأفراد الخارجي وحالاتهم الوجدانية.
باشر غيراغوسيان بعرض أعماله بدءًا من تلك الفترة، وفاز عام 1956 بالجائزة الأولى في مسابقة رسم كما حصل، نتيجة لذلك، على منحة من الحكومة الإيطالية لمتابعة تحصيله الفني في أكاديمية الفنون الجميلة في فلورنسا. في العام 1962، نال منحة تعليمية ثانية من الحكومة الفرنسية للدراسة في الخارج في “لي آتلييه دي ميتر” (محترفات الأساتذة) في مدرسة باريس، وفي نهاية ذلك العام، أقام معرضًا فرديًا في غاليري موف، باريس.
تواصلت شهرة غيراغوسيان الفنيّة بالإتساع خلال الستينات والسبعينات عبر لبنان والعالم العربي وأوروبا، وتبدو طلاقته التقنيّة بوضوح في تنوّع أعماله على الورق والقماش، بالألوان الزيتية على الأخص، وبالألوان المائية والقلم. تتنقل لوحاته بين التجريدية والتشخيص بهدف التقاط جوهر الأشكال البشرية. تضم رسوماته الشخصيّة عددًا هائلًا من التكوينات حول زوجته وأولاده ورسوماته لنفسه، ولأفراد مجهولين. وتكشف أعماله عن صورة المنطقة والمدينة، وكذلك عن القلق والحالات الفيزيولوجيّة والعاطفيّة للناس، وقد انعكس ذلك في جماليّة أسلوبه وتصاويره لجوهر المَظهر الإنساني. واكتسبت علاقة الأمّ بطفلها حيّزًا خاصًّا ومُميّزًا في أعماله حيث ينظر إلى هذه العلاقة على أنّها صورة رمزيّة للأمل والسلام.
مع وضعه كتلاً من الألوان الحية والمشرقة على القماش، كان غيراغوسيان يترك مساحات فارغة، مما يعطي عمقاً وحركة من خلال تبنّيه المبدع للمساحات المتعاكسة.
بدءًا من الخمسينات، شارك غيراغوسيان بأكثر من مئة معرض في لبنان ومصر والأردن والعراق وألمانيا وفرنسا وإيطاليا والبرازيل واليابان والولايات المتحدة الأميركية. وفي عام 1991، كرّمه معهد العالم العربي بإقامة معرض لأعماله الأخيرة والكبيرة الحجم، والتي يطغى عليها الطابع التجريدي. وأقتنيت أعماله في عدة مجموعات فنّيّة خاصة وعامة في أرجاء العالم، وحصل على التكريم من خلال العديد من الجوائز العالمية التي نالها.
غاب يوم 20 تشرين الثاني 1993، وها قد مر 31 عامًا على غيابه، لكن الغياب، يعمّق المدى التراجيدي الرابط بين غيراغوسيان ولوحاته. فهو كرّم كل الأنماط البشريّة في لوحاته، وحتمًا “الدائرة الثقافة” لم تنسَ تكريمه ولو بهذه اللفتة البسيطة التي تعكس محبة وتقديرًا.