





.jpg)



.jpg)
كان ذلك منذ 81 عامًا، في 22 تشرين الثاني 1943، في منزل على إحدى تلال بشامون، حين صدحت حناجر الثوار فرحًا وعنفوانًا “لولا حصارك يا بشامون ما حصّلنا الاستقلال”.. وطارت الحكاية من ضيعة لضيعة وطار معها الثوار كل الثوار الى بيروتنا، الى ساحة البرج، وكان اليوم الكبير.. ولا زالت بشامون وذاك المنزل يرويان بفخر عظيم حكايا 12 يومًا ولد من رحمها إستقلال لبنان وعَلَمُه، هي حكاية منزل قديم وسنديانة عتيقة شامخة، فتح أبوابه واسعًا لرجالات دولة كبار وأبطال وثوار، ليكرّس موقعًا تاريخيًا ورمزًا وطنيًا ومعلمًا تراثيًا يعبق كل ما فيه بأحلى حكايا استقلال بلادنا.
فما قصة ذاك البيت، ما حكايته مع 12 يومًا ما قبل الاستقلال، كيف صار ملجأ “حكومة الاستقلال” ومرتع الثوار والأحرار، كيف غير ذاك البيت تاريخ لبنان، كيف توّج “بيت الاستقلال” وماذا عن حاله بعد 81 عامًا ما بعد الاستقلال؟
نقرأ في كتاب التاريخ، يوم داهمت سلطات الانتداب الفرنسي منازل رئيس جمهوريتنا آنذاك الشيخ بشارة الخوري ورئيس حكومتنا رياض الصلح، والوزراء عادل عسيران وكميل شمعون وسليم تقلا والزعيم الطرابلسي عبد الحميد كرامي واعتقلتهم جميعاً واحتجزتهم في قلعة راشيا، شكّلت على الأثر “حكومة لبنان الحرّ” المؤقتة برئاسة الوزير حبيب أبو شهلا وضمّت وزير الدفاع الوطني آنذاك الأمير مجيد إرسالان ورئيس المجلس النيابي صبري حمادة، ولما كان الخطر كبيرًا من إقدام سلطات الانتداب على اعتقال من تبقّى من رجالات الدولة، كان عليهم اللجوء الى مكان آمن، فاتخذ الأمير مجيد إرسالان المبادرة وقال لأعضاء الحكومة “تفضّلوا معي لازم نفل من هون”، ومضوا معًا، مستقلين 3 سيارات، باتجاه طريق الحدث كفرشيما شويفات، “وصاروا يسألوا المير مجيد لوين رايحين؟”، وهو يجيب “هلق منعرف”، الى أن وصلوا الى العين في بشامون ليجدوا أنفسهم أمام طريق مقفلة، فاستقبلهم الأهالي في منزل المختار الشيخ ضاهر عيد، ودار النقاش بحثاً عن مقرّ للحكومة بحيث لا يستطيع الفرنسيون الوصول إليها.
تفضّلوا معي.. المهم يبقى لبنان
تقول الحكاية إن شجارًا حادًا دار بين الأهالي، بين من كان مرحّبًا بالحكومة وبين من كان مرتعبًا، فإيواء الحكومة سيعرّضهم الى خطر كبير، وبين أخذ ورد وحكي طالع نازل، وقف رجل مهيب وسط الحشود يدعى الشيخ حسين الحلبي من بلدة بشامون، وهو مغترب مقتدر ومثقف “وبيحكي 4 لغات” وله الاحترام والكلمة النافذة في الضيعة، رفع عصاه وقال بكل جرأة وقوة مخاطباً رجال الحكومة: “بيتي محايد وغير مواجه وبعيد عن الأنظار… تفضّلوا معي”. فقال له صبري حمادة: “يا شيخ بيهبطولك بيتك، وعيلتك وأولادك يمكن يموتوا تحت الأنقاض». فأجابه الشيخ الحلبي: «اللي عمرو بيعمّر غيرو.. ونحنا فدا الوطن، المهم يبقى لبنان”.
وأمام إصرار الحلبي أجاب صبري حمادة: “ما عاد فينا نقول ولا كلمة تفضل يا شيخ دلنا عالبيت ونحنا منمشي وراك”.. ومشوا جميعًا وبلّشت حكاية استقلال بلادنا في بيت بشامون..
انتقلت الحكومة إلى بيت الشيخ الحلبي، لتُعرف مذذاك بـ”حكومة بشامون”، وتحت سقفه، مارست مهامها وأثبتت مصداقيتها وأصدرت قراراتها الحرّة التي جسّدت وحدة الشعب وآماله في السيادة والاستقلال، كيف؟
12 يومًا.. قصص مخباية!
يحكي لنا كتاب التاريخ كيف نال لبنان استقلاله، لكن ثمة قصة “مخباية” بين حكاياته، إذ بدا متقترًا بحكاية ما جرى هناك في بيت بشامون على مدى اثنتي عشر يومًا سبقت يوم الاستقلال، حكاية وُلد من رحمها استقلال لبنان، وحوّلت حكومة بشامون الى حكومة الاستقلال، وكرّست ذاك المنزل المتواضع “بيت الإستقلال” في بشامون.
نعم، ففي ذاك المنزل الجبلي القديم الذي شُيّد في العام 1890 على تلة من تلال بشامون المشرفة على بيروت، حلّ الوفد الحكومي ضيفًا على منزل الشيخ حسين الحلبي، وهناك، وعلى مدى 12 يومًا، كان “رجال الاستقلال” يجتمعون وفي غرفة واحدة ينامون، ولما عرض عليهم صاحب المنزل أن يتوزعوا على غرف البيت أصرّوا على النوم في غرفة واحدة «حتى إذا متنا نموت سوا بأوضة وحدي وإذا عشنا نعيش سوا»، وهو جهاد الحلبي حفيد الشيخ حسين الحلبي، يروي لـ”المسيرة” ما رواه له والده عادل الحلبي، أن البيت كان بكامله تحت تصرّف أعضاء الحكومة المؤقتة، فوراء جدرانه وفي غرفه عُقدت الاجتماعات الهامة التي رسمت تاريخ لبنان في مرحلة الاستقلال، حتى أن هناك غرفة لا زال يُطلق عليها حتى اليوم إسم “السراي” نظراً لأهمية الاجتماعات والقرارات الرسمية التي اتُخذت داخلها، وأكثر من ذلك، يخبرنا الحلبي الحفيد أن مجلس النواب انعقد (بمن حضر)، في ذاك البيت ثلاث مرات.
نعم داخل ذاك المنزل الجبلي القديم كان هناك حكومة تغزل حكاية استقلالنا بقرارات ومراسيم سيادية ومقاومة شرسة أشعلت الانتداب غضبًا، وفي خارجه حدائق واسعة و”سطيحة” وسنديانة عتيقة “عمرها أكبر من عمر البيت” لا زالت تحكي وتحكي للأجيال كيف كانت مسرحًا وشاهدًا حيًا على انتصار ثوار وأبطال خاضوا معركة استقلال لبنان.. كيف كان ذلك؟
يسترسل الحلبي بحكايات والده الذي كان من الثوار، عن ذاك العرس الذي كان منزل جده مسرحه “حيث سجلت أجمل مراحل الالتحام بين الحكومة والشعب”، ويروي: “في 11 تشرين الثاني طوّقت قوات الانتداب بواسطة جنودها السنغاليين المرتزقة منطقة بشامون وجوارها مهددة الحكومة لتسلّم نفسها، وكان الجواب قاطعا: “ما في حكي معكن ولا تفاوض قبل إطلاق المعتقلين في قلعة راشيا”.
ويخبرنا: “حين سمع أبناء القرى المجاورة بأنّ “المير مجيد” والحكومة ضيوف عندنا، توافدوا من قراهم بأسلحتهم، وبعضهم ممن لا يملكون أسلحة جاؤوا بكل ما تيسر أمامهم من بلطات أو سيوف أو عصي، ليوافيهم الثوار من كل المناطق اللبنانية لحماية حكومة بشامون ودعمًا للمقاومة الوطنية بوجه الانتداب الفرنسي”.
الثوار غطوا تراب الأرض
كل المساحات المتمددة أمام ذاك المنزل “طافت” بالثوار، “ما عاد في شبر لتوقف، عجقة ناس والكتف عالكتف، تهافتوا جميعًا من كل لبنان وغطوا تراب الأرض، لخوض معركة الاستقلال، صار في هون أكتر من 5000 شخص ما كانوا ليغادروا أبدًا، والمنزل في جوارنا صار مطبخًا لإعداد الطعام للحكومة والثوار معًا”.
ومما رواه له والده “الثائر” أيضًا “أنه كان يتحمّس لصبّ القهوة العربية باعتزاز لرجالات الحكم وللوفود الزائرة، بينما تُعقد حلقات الدبكة وتعلو الزغاريد وتُلقى القصائد المعبّرة عن الوحدة الوطنية. وكانت نساء بشامون يطبخن ويعددن الطعام، فيما يقف الرجال “الثوار” في ظل سنديانة دار البيت يتآزرون ويتناوبون على التدريب والمهام والوظائف، وفي أوقات الاستراحة يتوزعون على بيوت بشامون والجوار لتتحوّل بيوتها وشوارعها بمثابة ثكنات لجنود الثورة”.
ويخبرنا: “كان الشباب من كافة الأحزاب والطوائف يتولّون الحراسة مداورة في ما بينهم، وقد تولّى قائد الحرس الوطني أديب البعيني تنظيم الحراسات، والتصدي للفرنسيين، مسطّرًا مع رفاقه البطولات في مقارعة الفرنسيين والذود عن «بيت الاستقلال” وحكومته، ليُكرّم لاحقاً بتسمية شارع باسمه في مدينة بيروت.
كلمات السر لدخول البيت
ومما يُروى أنه وُضعت حول منزل بشامون – السراي حراسة مشددة قوامها عشرة شبان من البلدة، يعرفون مداخل بشامون وطرقاتها ومخارجها. وكان لهم في كل فترة كلمة سر يجب أن يقولها المار أمام المبنى، فإذا جهلها يقبض عليه ويجري التحقيق معه، وكانت كلمة السر تتألف من كلمتين، في اليوم الأول كانت: بشارة – رياض، وفي اليوم الثاني كانت: راشيا – بشامون.
وإن كانت بشامون تعتز بما سطره ذاك المنزل من عز بتاريخ استقلال لبنان، ثمة فخر كبير لها تمثل بشهيد كبير قدمته على مذبح معركة الاستقلال، وتقول الحكاية إنه في 15 و16 تشرين الثاني، حاولت وحدات من الجيش الفرنسي اقتحام بشامون بعد أن طوّقت منطقة عاليه والشوف، إلا أنها اصطدمت بفرق الثوار، ودارت معارك دامية على الطرقات المؤدية من الساحل إلى الجبل استخدم فيها الثوار أسلحتهم الفردية وبعض القنابل اليدوية في وجه الدبابات فسقط عدد من الجرحى، “كانت معركة كبيرة كلفتنا شهيدًا واحدًا هو سعيد تقي الدين الذي قتل 7 من السنغاليين وفجّر دبابتهم، فاستهدفوه وقتلوه، ولا زال اسمه راسخًا بطلاً من أبطال استقلال لبنان، وهو الشهيد الوحيد في معركة استقلال لبنان حيث أقيم له نصب تذكاري عام 2013 في بلدته الجبلية عين عنوب”.
علم لبنان الأول يركّع “المير”
عن تلك الأيام الـ12، حجارة “سراي بشامون” ما تعبت يومًا من سرد أجمل حكايات استقلال لبنان التي بدأت شرارتها باستبدال علم الانتداب الفرنسي بالعلم اللبناني الحالي الذي نحتفل به كل عام في 21 تشرين الثاني قبل يوم واحد من عيد الاستقلال، فخلف جدران ذاك المنزل عقد النواب جلسة سرية تم فيها رسم وتوقيع العلم اللبناني الجديد.
وكان ذلك صباح الأحد 19 تشرين الثاني 1943 حين وصل الى سراي بشامون هنري فرعون يرافقه أربعة شبان من بيروت (مسلمين ومسيحيين) يحملون العلم الجديد الذي حاكته وطرّزته أيدي نساء لبنان، ومدّدوه على الأرض أمام أنظار الجميع الشاخصة إليه، ليمسك به حبيب أبو شهلا ويقدمه إلى الأمير مجيد إرسلان، بصفته وزير الدفاع الوطني ووزير الداخلية ورئيس الحرس الوطني، قائلاً له: “إني بالنيابة عن فخامة رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وجميع المعتقلين في راشيا والسجون، أضع في عهدتك علم لبنان الجديد الخفّاق، وأطلب منك الدفاع عنه وحمايته”. فركع “المير” إرسالان وقبّل العلم، وقال بتأثر شديد: “أقسم بأن أذود عنه بدمي وأبذل في سبيله حياتي”.
وبعده، كان حدث تاريخي أثلج صدور اللبنانيين، فعلى سطح ذاك البيت رُفع العلم اللبناني لأول مرة، ليُطلق على المنزل إسم “سراي بشامون” وكان ذلك قبل إعلان الاستقلال رسمياً بثلاثة أيام، ولا زال ذاك العلم مرفوعًا في صدر ذاك البيت الجبلي العتيق، محفوظًا “جوهرة وطنية تاريخية”.
من “حكومة بشامون” الى “حكومة الاستقلال”
مقاومة حكومة بشامون المدعومة بحماية الثوار وذاك الغليان الشعبي فضلاً عن الضغوط التي مارستها بريطانيا بشخص الجنرال سبيرز، أوتيت أخيرًا ثمارها، فبعد مفاوضات صعبة وعسيرة، تراجع الانتداب الفرنسي واستسلم، وفي 22 تشرين الثاني 1943، كان الحدث الكبير، أُطلق سراح معتقلي قلعة راشيا، ورُفع العلم اللبناني الجديد على البلدية والسراي ومركز الشرطة، وكان النصر بتحقيق استقلال لبنان التام والناجز، لتتحوّل حكومة بشامون الى حكومة الاستقلال، وصباح يوم الاستقلال رفرف علم لبنان الأول “الأصلي” فرحًا على سطح منزل بشامون الذي كرّس باستحاق “منزل الاستقلال”، وتوجّهت حكومة الاستقلال والثوار الى العاصمة بيروت، لتشهد ساحة البرج (ساحة الشهداء اليوم) تجمّعات كبيرة محتفلة باليوم الكبير، وهتف أهالي بشامون بالصوت العالي منشدين: “لولا حصارك يا بشامون ما أخدنا الاستقلال”.
“بيت الاستقلال” ما بعد الاستقلال
وبقي السؤال ماذا عن حال “بيت الاستقلال” في بشامون بعد الـ12 يومًا تاريخيًا ما بعد الاستقلال؟
لن تصدقوا.. 81 عامًا ما بعد الاستقلال، عجيب غريب أن “بيت الاستقلال” في بشامون، الذي كان مرة مقر الدولة والحكومة والبرلمان، وفيه ومنه صدرت القرارات الحرة التي أثمرت الاستقلال، ذاك البيت الذي شهد ارتفاع العلم اللبناني لأول مرة، ذاك الذي كان بيت الشعب والثوار فبيت الاستقلال، صار منسيًا مهملاً ومستثنى من احتفالات عيد الاستقلال.
نعم، بأسف وغضب وعتب كبير، يُطلق الحلبي صرخته “دولة جاحدة لا تكرّم بيت استقلالها، إهمال مفرط بمنزل كان هو ساحة المقاومة لا قلعة راشيا، هنا دارت المعارك وكانت الثورة ولولا ما حصل هنا في بشامون وما شكّلته من ضغط حكومي وشعبي لما كان تراجعُ واستسلامُ الانتداب ولما كان الاستقلال، وللأسف وتجاه كل هذا التاريخ ما وجدنا إلا الإهمال والجحود والتجاهل”.
ويخبرنا، أنه بعد إنجاز الاستقلال، “زار بيت بشامون الرئيسان بشارة الخوري ورياض الصلح والمير مجيد ليشكروا جدي على فتح أبواب منزله واستقبال الحكومة وقالوا له “شو بدا بشامون بتساوي الخزينة مفتوحة”.
وذهبوا بعدها ولكأن شيئاً ما كان في تلك الدار، “نسيت الدولة ورجالاتها بيت بشامون، وتجاهلوه كليًا، حاول البعض الاستحواذ على العلم اللبناني الأصلي وإقناعنا بالتخلّي عنه وكان جوابي “العلم برات هيدا البيت ما إلو قيمة والبيت هون بلا العلم ما إلو قيمة”، حتى أن أحد الزعماء أراد الحصول عليه لوضعه في منزله لتعزيز مكانته وزعامته، ومنهم من طلب إجراء وكالة عامة للبيت محاولاً إغرائي براتب لي ولوالدتي، حتى أن أحد “الأشاوس” جاءنا بعرض غريب “ممننًا” أنه مستعد لترميم المنزل لكن بشرط الموافقة على بيعه إياه، فأجبته تاريخ لبنان وتراثه لا يُباع ولا يُشرى”.
ولا يخفي الحلبي أن “كثر حاولوا تزوير تاريخ هذا المنزل بفبركة أو تحوير ما حصل داخل جدرانه في تلك الحقبة التاريخية وفقاً لمصالحه السياسية”.
وأخيرا.. “بيت الاستقلال” الى النور
لكن تطوّرًا إيجابيًا، ولو متأخرًا جدًا، حصل على عهد رئيس الجمهورية اللبناني السابق إميل لحود الذي تفرّد بلفتة الى المنزل التاريخي المنسي، بإدخاله، وأخيرًا، ضمن بروتوكول احتفالية الاستقلال في 21 تشرين الثاني من كل عام، وإلّا لبقي “بيت الاستقلال” في طور النسيان.
ومع هذا، يخبرنا الحلبي أنهم كانوا يرسلون 4 نواب كل سنة لزيارة المنزل، لكن العدد اختصر الى إثنين لاحقاً، يأتوننا كل عام “مربّحين حالن ألف جميلة” بزيارة لا تتعدى الربع ساعة يغدقون الوعود ولا تنفيذ”.
في العام 2014 تنبّهت دولتنا العليّة مجددًا لتقصيرها الفادح، لتدرج وزارة السياحة اللبنانية، “بيت الاستقلال” في بشامون على لائحة المواقع السياحية في لبنان، طالبة من بلدية بشامون إجراء بعض أعمال التأهيل في محيطه، للمساعدة على إبراز معالمه وتسهيل وصول السياح إليه. وجاءت هذه الخطوة، بعدما قامت وزارة الثقافة (المديرية العامة للآثار) بالكشف على المنزل المذكور، مقررة ضمّه الى لائحة الأبنية التاريخية، “بهدف حمايته وحماية الذاكرة الوطنية من الضياع”.
وكان ذلك في الذكرى الـ71 لاستقلال لبنان، حين جرى الاحتفال بتجديد “بيت الاستقلال” في بشامون برعاية وزير السياحة آنذاك ميشال فرعون، فالبيت الذي عانى طويلاً من الإهمال، وتهدّمت واجهته وتحطم الكثير من أثاثه خلال الاجتياح الإسرائيلي العام 1982، يؤكد جهاد الحلبي أن والدته حافظت عليه واستقبلت زواره لأكثر من نصف قرن.
وهو وإن كان لا يخفي خوفه على مصير ذاك البيت التاريخي من بعده، يؤكد “طالما أنا عايش سيبقى هذا المنزل مفتوحًا أمام الجميع بكل تاريخه وذكرياته”، ويروي لنا أنه كان صغيرًا ويصلّي دائما ليعطيه الله القدرة لترميمه، وهو هاجر الى كندا وعاد الى لبنان ليرمّمه بمساعده جاره وصديق عمره جهاد حسان وأشقائه، وليحوّله «متحفاً يؤرخ ويسطر بكل ما يضمه حكاية استقلال لبنان للأجيال الطالعة”، وقد أرادوا من ترميم ذاك المنزل أن “يبقى الشاهد الأول على استقلال لبنان” علّنا نستقي الدروس وصولاً لاستقلال ثان حقيقي وثابت.
ترميم بيت الاستقلال “كلّفنا 850 ألف دولار”
أعمال الترميم التي كلّفت 850 ألف دولار وانتهت عام 2014، ألبست المنزل القديم حلّة جديدة أكسبته جمالاً وفخامة تليق بمكانته التاريخية والوطنية، حيث شملت الداخل والخارج مفتتحة غرفه الثلاث على بعضها البعض، لتصبح صالة واحدة كبيرة تمّ تجديد جدرانها وأسقفها الداخلية والخارجية، بالإضافة إلى تنجيد الأثاث وصيانة الموجودات بما فيها الأسلحة المعلقة على الجدران والتي استُعملت في معركة الاستقلال. أمّا الطريق وساحة البيت الخارجيّة، فقد أنجزتهما بلديّة بشامون.
ماذا عن حال علم لبنان الأول وقد صار عمره 81 عامًا؟
اطمئنوا، لا زال العلم التاريخي سالمًا صامدًا في ذاك المنزل، فعلى مدى عقود لطالما كان هاجس آل الحلبي كيفية الحفاظ عليه وحمايته، ويخبرنا الحلبي “عندما تهجّرنا في السبعينات والثمانينات تعرّض العلم للرطوبة ما أدى الى تهلهله، ولما عدنا أرسلناه الى مديرية الآثار فأعيد ترميمه ووضع له دواء خاص لتجنّب اهترائه، ووضع داخل برواز زجاجي وعُلّق في صدر “السراي” فوق المدفأة.
والى العلم، كل ما في ذاك المنزل يعبق برائحة الاستقلال وحكايات رجالاته على مدى 12 يومًا، حول ذاك الراديو، ولكأنه من عمر الزمن، لكم تكوكبوا لسماع آخر الأخبار، بهذه الفناجين ارتشفوا قهوتهم، على هذه الكنبات جلسوا وتداولوا ورسموا سياسات وخطط المقاومة حتى الاستقلال. هنا خزانة قديمة حوت أغراضهم، على جدران تلك السراي، واجهات ضمت أسلحة وبواريد أعضاء الحكومة والثوار حاملة أسماءهم وصورًا لصاحب المنزل وأولاده الذين كانوا في عداد الثوار، والى جانبها تناثرت صور وصور، بالأبيض والأسود، تتبارى وجدران ذاك المنزل على حكاية ما دار فيه من أحداث لا تشبه أية أحداث أخرى. هنا المير مجيد يقبّل العلم راكعًا، هنا حكومة الاستقلال مجتمعة، هنا الثوار يلتفون حول “المير” ممتطيًا حصانه، وغيرها وغيرها…
لكن ماذا عن زوار المنزل؟
يجيبنا جهاد الحلبي أن المنزل، بخلاف دولتنا، يستقطب عددًا كبيرًا من الزوار جلّهم من طلاب المدارس والكشافة، يأتوننا من مختلف مناطق لبنان. فإدراج “بيت الاستقلال” في بشامون ضمن زيارات مواقع عيد الاستقلال ومن ثم على لائحة المواقع السياحية والتراثية، أثمر استقطابا أكبر للزوار، خصوصًا أنه كان مجهولاً من عدد كبير من اللبنانيين بسبب التعتيم الرسمي على حكايته، وذروة الزيارات تتمحور حول الفترة الممتدة بين أول تشرين الثاني وحتى آخر السنة، أي قبل وبعد عيد الاستقلال.
وختامًا، وبكثير من التأثر يقول الحلبي، ورغم معاناته وخيباته في الحفاظ على إرث وطني تاريخي يتحمّل مسؤوليته كاملة “أنا فخور بما ورثته، وبشامون كلها فخورة بهذا المنزل الذي صار رمزًا وطنيًا كبيرًا”.. وهو التاريخ يلوّح لنا بـ”درس” بشامون وتتردد أصداؤه في كل أرجاء ذاك البيت، عندما وقف اللبنانيون قوة واحدة بنوا وطنًا حرًا ولا من قوة تمكّنت خرقهم.. فأين لبنان اليوم وحكوماته وشعبه من حكومة بشامون وثوارها؟ يسائلنا التاريخ، ويبكي ذاك اللبنان!
كتبت نجاح بومنصف في “المسيبرة” ـ العدد 1758
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]