يقول منطق بيئة الممانعة “سننتصر والحجر يُعوّض”، ولكن بالمنطق ذاته الذي يعتبر ان الانتصار مرهون بإعادة بناء الحجر، نسأل: ومن يعوّض الانسان الذي يموت، والذكريات التي تتبخّر، والأبن الذي فقد اباه؟ ومن اين سيأتي المواطن البريء بالمال لبناء الحجر اصلاً، خصوصاً في ظل تبخر اموال المودعين والوضع الاقتصادي البائس، بفعل تحالف السلاح مع الفساد طيلة عقودٍ وعقود؟
يقول منطق بيئة الممانعة “العدو يستجدي وقفاً لإطلاق النار والمقاومة منتصرة”، ولكن بنفس المنطق نسأل: ما دام العدو مهزوم و”المقاومة” منتصرة فلا داعي اذاً لكل المفاوضات التي تجري الآن، فأكملوا معركتكم اسناداً لغزة وحتى “تحرير القدس” كما وعدكم حزبكم، و”شو بدكن” بالـ 1701 ووقف النار والانسحاب معه الى ما وراء الليطاني، وفصل جبهة لبنان عن غزة.
يقول منطق الممانعة “نحن عشاق شهادة”، ولكن بنفس المنطق نقول: لا تستمعوا اذاً لتهديدات افيخاي، ولا تتركوا منازلكم في الجنوب والبقاع والضاحية، ولا تهربوا من الشهادة التي تعشقونها الى الآمان والأمن والحماية التي لا تعشقونها في المدارس، او لدى البيئات الأخرى.
والأهم الا يختبىء المسؤول العسكري والأمني للحزب بين الابرياء واللبنانيين الآخرين عشقاً له بالحياة وليس بالشهادة، فإذا كان هو يعشق الحياة الى هذه الدرجة، فلا داعي له بأن يجلب بالقوة “العشق بالشهادة” الى اللبنانيين الآخرين.
يقولون إنهم “عشاق شهادة”، ولكن اذا تمنيّت انت لهم هذه الشهادة التي يعشقونها، يثورون ويهددون! فما هذه الازدواجية؟
فإمّا انهم “يعشقون الشهادة” عن جدّ، والآخرين يتمنون لهم ما يعشقونه، وهذا يُفترض به ان يُسعدهم لا أن يُغضبهم، وإما ان شعاراتهم هي مجرد اقنعة غير حقيقية، يرتدونها لإيهام الآخرين انهم اقوياء، وفضائيين، وخارقي الطبيعة، من ضمن حملة ترهيبٍ نفسي تستهدف السياديين بشكلٍ عام والمسيحيين خاصةً، فليتسلّوا اذاً بهذه اللعبة المكشوفة، فيما الأمور اصبحت في مكانٍ آخر.
يريدون منك ولو بالقوة الإعتراف بأنهم “مقاومة”، ولكن في الوقت ذاته يُطلقون على انفسهم اسم “المقاومة الاسلامية”، ويفاخرون بأنهم يُقاتلون “للتعجيل في فرج المهدي”، ولكن ما علاقتي انا كمسيحي وكلبناني بـ”إسلامية” مقاومتك؟ وما علاقتي كمسيحي، وكسني، وكدرزي، وكشيعي علماني، او شيعي معتدل، وكلبناني علماني، بعقائدك الدينية مع كل الاحترام لها، التي تشّن الحروب الآحادية على اساسها، فتحملّني غصباً عنّي تبعاتها الكارثية امنياً ومعيشياً واجتماعياً، وهي بالأساس ليست مرتبطة بوجداني، وثقافتي، وحاضري ومستقبلي.
فاصدروا مجرد بيانٍ واحد بأنكم لستم “مقاومة اسلامية” تقاتل “للتعجيل في فرج المهدي”، واقلّه اسألونا رأينا بموضوع الحرب قبل تحميلنا تبعاتها، ومن ثم اطلبوا منّا ان ندعمكم!
الهذه الدرجة تريدون من اللبنانيين الرضوخ والانبطاح لملذاتكم الذاتية، وقضاياكم التي لا تخص احداً سواكم؟؟ ولكن كما يذكر التاريخ والحاضر، فاللبنانيين لم يرضخوا سابقاً ولن يرضخوا الان، بل انتم من سيرضخ لإرادة لبنان الحقيقية.
هل يمكن لأحد ان يتخيّل اين يُصبح لبنان لو ان كل طرفٍ فيه حمل السلاح تحت شعارٍ عقائدي خاص به؟ سيُصبح غابةً تتقاتل فيها كل العقائد، واول من سيدفع الثمن هو من فتح هذا الباب المغلق على نفسه! فخذوا العبرة واعتبروا.
يقول منطق الممانعة بأن “الحرب ستتوقف وسيعودون مرفوعي الرأس الى قراهم”، بما لكلمة “مرفوعي الرأس” من معانٍ استفزازية وتهويلية استقوائية معروفة ومقصودة، ولكن بالمنطق ذاته نقول: ايقاف الحرب، وخصوصاً في ظل القرار 1701 الذي يُطالب قادتكم به، يتناقض اصلاً مع مبدأ “الرأس المرفوع”. لماذا؟
لأن معركتكم الأساسية كانت “تحرير القدس” و”التعجيل في فرج المهدي”، وليس التراجع الى ما وراء الليطاني، ولأن الشعار الذي شن حزبكم الحرب على اساسه كان “اسناد غزّة” و”وحدة الساحات”، وليس وقف النار ولا تطبيق القرار 1701 ولا فصل الساحات، اي ان مطالبتكم اليوم بتطبيق القرار 1701 ينسف كل الشعارات التي شنّ حزبكم حربه الأخيرة على اساسها! فهل استجلبتم كل هذا الدمار لبيئتكم وللبنانيين كافةً طيلة 14 شهراً من الحرب، حتى تعودوا الآن الى النقطة صفر، لا بل الى ما دون الصفر بكثير؟ يعني بالعربي المشبرح وكما يقول المثل “مطرح ما حكي شنقوه”!
فأين الرأس المرفوع في تلك الدوّامة التي بدأتم بها من النقطة صفر، وعدتم بعدها الى النقطة ما دون الصفر بدل ان تتقدموا الى النقطة واحد او خمسة او عشرة؟
وأصلاً القرار 1701 مع رقابة دولية ولبنانية مشددة على تطبيقه، هو اقلّ ما تقبل به اسرائيل والولايات المتحدة لوقف الحرب، اي ان وقف الحرب مرهون اولاً بتنكيس الرؤوس الحامية، وليس برفعها بوجه اعدائكم.
فإمّا وقف الحرب وتنكيس الرؤوس الحامية في ظل ال 1701 على اقل تقدير، او “الرأس المرفوع”، والقتال حتى النفس الأخير لتحقيق شعارات الحرب الأساسية، لأن الجمع بين الأمرين مستحيل.
فلكم الخيار والاختيار خصوصاً اذا كان المقصود بـ”الرأس المرفوع” هو رفعه على المواطن اللبناني الآخر، وليس على الجيش الاسرائيلي والأميركيين.