صحيفة النهار – نبيل بومنصف
سيحيي لبنان اليوم ذكرى “الاستقلال”، ولا حاجة بنا إلى أي اصطناع لتلك البكائيات، التي غالباً ما كانت تنتاب اللبنانيين في الحقبات المتعاقبة من الحروب والأزمات، حين تحلّ مناسبات مثيرة للشجن الوطني كهذه.
يكفي على سبيل الرمزيات المعبّرة والعابرة للمشاعر والانفعالات اللبنانية أن تعوم على المشهد الحربي الكارثي، الذي يسحق لبنان راهناً، واقعةُ أن لبنان بلا رئيس، وبلا مفاوض دستوري “حلال” ومشروع، فيما يفاوض مكانه، وبديلاً منه “الثنائي الشيعي” عينك عينك، بتسليم بل بتحفيز وقح من الوساطة الأميركية إيّاها، فيما الركن الميداني المقاتل الموصوف بأنه ذراع إيران الأقوى في المنطقة، أي “الحزب”، هو الذي استدرج إسرائيل بكل منظومة أسلحتها الفتاكة إلى دكّ لبنان وسحقه مجدداً… يكفي ذلك للتمني لو لم يمرّ 22 تشرين الثاني (نوفمبر) اللبناني مكتوماً بلا كلام، وبلا رؤية، أي ممن يوصفون بأنهم أقطاب الدولة، وأيّ دولة هذه؟!
لعل الخشية، التي تنتاب معظم اللبنانيين بموازاة الحرب المتدحرجة في هذه “الذكرى”، ذكرى الاستقلال الذي كان، هي أن يمعن “الحزب” غداً في رفع شارات النصر، وأن يُخوّن كلّ من يخالفه حتى في هذه “المأثرة” المزعومة، التي يُريد عبرها تتويج ثقافة الإنكار؛ ولا نقول فقط سياسة الإنكار الدعائية. تبدّت معالم من هذه “المأثرة” في الكثير من استعدادات الحزب أخيراً لترسيخ ما يريد ترسيخه من مزاعم ميدانية وعسكرية، فيما تُمعن إسرائيل بأشد أساليبها تدميراً في تعميق مذبحة لبنان أسوة بما فعلت في غزة بل أكثر، إنْ في غزوها البري الحدودي الذي تتعمق فيه تباعاً، أو في دحرجة المذابح والتدمير في الأعماق الضاربة في البقاع والضاحية الجنوبية وبيروت وجبل لبنان. يثقل هذا الجانب الآن على المشهد الكارثي، لأن أحداً لا يمكنه أن يسلّم بعد الكارثة بأن يمضي مفهوم فرض قرار أحادي متفرد ومتغطرس بالقوة (التي كانت) على اللبنانيين ولبنان، وأن يستجر عليه أوسع وأخطر كارثة حربية مع إسرائيل، وأن يتسبب لنفسه بضربات تكاد توازي الإلغاء والتصفية الكاملتين، ثم يكون علينا تقبّل السرديّة المزعومة بـ”النصر”، أكان إلهياً أم زمنياً!
لعل الحصيلة الحالية للكارثة وحدها، من الحدود الجنوبية امتداداً إلى معظم جنوب وشمال الليطاني بكل المدن والبلدات والقرى، امتداداً إلى “البقاعات” الشمالي والأوسط والغربي، امتداداً إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، وبعض بيروت، وبعض بلدات وقرى من الجبل، وحدها تنطق بهذا “النصر” المبين.
في الحصيلة الدامية الرسمية والواقعية، منذ بدء واقعة تفجير “البيجر” والاغتيالات والمذابح المتدحرجة، قد تفوق الأعداد عشرات الألوف من شهداء وجرحى ومعوقين. في حصيلة متدحرجة للنزوح قد تتجاوز ثلث لبنان مع أكثر من مليون ونصف المليون نازح. في الآتي عبر مناورات التفاوض، ورغم استئثار الثنائي الشيعي بالتفاوض مع الوسيط الأميركي، لن ننتظر من يقوم ليعلن النصر، لأنه حتى في أفضل الاحتمالات، إذا جرى استيلاد تسوية مضمونة أميركياً، لن نرى لبنان الذي كان قبل بدء الحرب هو إيّاه بعدها ناهيك بالحصيلة المشار إليها سابقاً.
مفاد الذكرى والكلام: اعتاد “الحزب” أن يُخوّن كل خصومه الداخليين، وأن يصمهم بالتبعية للغرب والخليج وإسرائيل نفسها، وأن يحتكر لنفسه سمة السيادي… لم نفهم بعد حقيقة هذه السردية للحزب الوحيد في لبنان، الذي يُعلن جهاراً نهاراً، ارتباطه الوجودي بإيران عقائدياً ودينياً وتمويلاً وتسليحاً إلى حدود الانتحار وجرّ لبنان إلى أسوأ المصائر وأسوأ الهزائم… وبرفع الأصابع؟