#dfp #adsense

خاص ـ “فكر حر”: بيئة تحارب علّة وجودها

حجم الخط

بيئة

هل تعرف بيئة “المقاومة” لماذا انوجد أجدادها في لبنان قبل مئات السنوات؟. هل يعرفون أنه عندما أصبحت بغداد هي مركز الخلافة العبّاسية الإسلامية اعتباراً من أواخر القرن الثامن وصعوداً، وتزايد “الاضطهاد” للفكر الشيعي وأئمته في تلك الخلافة، بحسب كتابات الشيعة والتقليد الشفهي لديهم، كان لبنان يُعتبر بعيداً جغرافياً عن مركز تلك الخلافة، وبالتالي فضَّل أئمة الشيعة الأوائل ومعهم شيعة آخرون، اللجوء إلى لبنان بوصفه ملجأً للحرية، ومكاناً آمناً يمكنهم ممارسة شعائرهم وطقوسهم وتقاليدهم فيه بكل حرية، بعيداً عن أي قمعٍ أو اضطهاد، بالرغم من وعورة جباله، وقساوة طبيعته، وشحّ موارده، وبالرغم من أن العراق حيث نشأ الفكر الشيعي أساساً هو بلد المياه والفرات وأرض الزراعة والخيرات؟.

هل تعلم بيئة الممانعة لماذا سكن الشيعة الأوائل بكل فِرقهم، الجبال والمغاور والأراضي الوعرة، كجبل عامل، والمتن والجردين، وجرود كسروان في مرحلةٍ من المراحل، وليس المدن والأراضي السهلة مثلاً؟. هل يعرفون أن هؤلاء الأجداد فضّلوا شظف العيش، وقساوة الطبيعة، وشحّ الموارد، لمجرّد الحفاظ على حريتهم، وحرية إبداء الرأي لديهم، وحرية معتقداتهم؟.

هل تعلم بيئة الممانعة أنه بمحاربتها للحرية، وحرية إبداء الرأي، وحرية الإعلام والصحافة اليوم، هي تحارب تراث أجدادها، وتحارب علّة وجودها ووجودهم بالذات؟. هل من عاقل في هذه الدنيا يحارب نفسه، ويحارب ثقافته الأساسية، ويقاتل علّة وجوده؟.

الصحافي أو السياسي أو الإعلامي الذي يُبدي رأياً مخالفاً لرأيكم، هو تماماً كواحدٍ من أجدادكم الذي تعرّض للاضطهاد والقتل واضطر للنزوح إلى جبل عامل قبل مئات السنوات، لأن سلطةً مركزيةً ما أو مجموعةً من البشر المستقوين بسلاحٍ سلطويٍّ ما، لم تحترم رأيه وحريته وحرية معتقده!، لماذا تفعلون بغيركم ما رفض أجدادكم وأئمتكم أن يفعله الغير بهم؟.

مهما كان الرأي المعاكس حادّاً أو مؤذياً، فالرّد عليه يكون من المستوى ذاته، أي كلمة في مقابل كلمة، وحجّة في مقابل حجّة، وأسلوب تعبير في مقابل أسلوب تعبير، وإلاّ فالقوانين والقضاء ومحكمة المطبوعات، وليس بالضرب والتهديد الشخصي والمطاردة على الطرقات. لا تتقمصّوا أدوار الجلاّدين الذين فعلوا بأجدادكم ما تفعلونه أنتم بسواكم اليوم.

تقولون بأنكم تحاربون إسرائيل لأنها الوحش وأنتم المقاومون و”الشرف والعزة والكرامة”، ولكن هل تعلمون أن هذا الوحش بذاته يحترم إعلامييه وصحافييه وحرية الرأي فيه إلى أقصى الدرجات؟. أليست المنار هي من تنقل كل يوم ما يقوله مسؤولون أو إعلاميون أو صحافة أو كتّاب “صهاينة” معارضون بشراسة لما يفعله رئيس حكومتهم في حربٍ وجودية يخوضها بدوره؟.

ثم، ألا تعرفون أن لبنان هو مجتمع تعددي، فيه تعددية مواقف وآراء منذ زمنٍ طويل، والفيصل بينها هو الدستور والقوانين، وليست الاختلافات في الرأي والموقف والنظرة جديدة عليه، ولا هي نشأت فجأةً اليوم من العدم لمجرد انتقاد سلاحكم، ولو كان لبنان غير ذلك أصلاً، لما لجأ إليه الفكر الشيعي الحر وقتها بالأساس.

يقول فيلسوف علم النفس التحليلي كارل يونغ: الرجل السويّ المتصالح مع نفسه ومع تاريخه، لا يضطهد الآخرين، بل الرجل الذي تعرّض هو نفسه سابقاً للاضطهاد، من دون العودة إلى ذاته والتصالح معها، هو الذي يتحوّل إلى أخطر أنواع المُضطهدين لسواه.

فقبل أن تهدِّدوا وتضربوا وتغتالوا وتتوعّدوا إعلاميين وصحافيين وقادة رأي يُخالفونكم الرأي اليوم، عليكم التصالح مع أنفسكم، ومع تاريخكم، وتاريخ أجدادكم أولاً، وانتبهوا بألاّ تتحوّلوا أنتم أنفسكم إلى وحوشٍ قمعية كارهة للحرية، تماماً كالذين تقولون بأن أجدادكم قاوموهم عبر التاريخ.

خذوا العبرة من رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع، الذي تعرّض لأقسى أنواع الظلم والاضطهاد وعاش أصعب ظروف الاعتقال، ومع ذلك، خرج متصالحاً مع نفسه، فلم يُحوّله هذا الظلم إلى نسخة عن ظالميه وسجّانيه، بل انطلق في مسارٍ معاكس تماماً جاعلاً القوات اللبنانية تمارس العمل السياسي بكل سلمية والتزامٍ بالقوانين، من دون أي جنوحٍ نحو الثأر، أو رغبةٍ بالانتقام الشخصي من الجلادّين.

فهل سمعتم يوماً أن “القوات” أو بيئتها طاردوا صحافيين، أو اعتدوا على إعلاميين، أو رموا أي كاتبٍ أو مراسل أو مذيع بمجرد وردةٍ صغيرة، خارج إطار الحق السياسي والإعلامي والقانوني المشروع بالرد على الرأي الآخر أو على الافتراءات؟.

فلا تحاربوا علّة وجودكم التي اسمها الحرية، لأنكم بذلك تكونون كالنيران التي تلتهم نفسها بنفسها، من دون منّةٍ من صحافي من هنا، أو إعلامي من هناك، أو صاحب رأي حر من هنالك انوجدت الحرية التي يتمتعون بها ويمارسونها في هذا الوطن قبل وجودكم ووجودهم، ولهذا السبب انوجد وجودكم فيه بالأساس.

لو لم يكن لبنان موئلاً للحرية، لما لجأ إليه الفكر الماروني أساساً، والفكر التوحيدي مع بني معروف، والفكر الشيعي، والروم، والأرمن، ولما تلبنن سنّة لبنان بعكس اتجاهاتهم التاريخية وامتداداتهم الطبيعية الأكثروية في المنطقة. فجينات الحرية متجذّرة في كل هؤلاء، وواهمٌ من يعتقد أن سلاح القمع والاستقواء وكبت الحريّة يمكن أن يفعل فعله طويلاً في لبنان.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل