
معايير الانتصار والخسارة تختلف وفقًا لمقاربات الحياة التي يعيشها البشر. فمَن لا يُعِرِ الموت أيّ أهميّة لا يستطيع القبول بنظرة الحياة. ومَن يتقن فنّ الحياة لا يقبل بأن يُمَاتَ في الحياة لأجل الموت فحسب. وحده ثالوث العقل الرّاجح والمنطق السليم والفكر الحرّ يقرّر معيار الربح أو الهزيمة. فالإشكاليّة الكبرى تكمن في عمليّة التقييم التي يقوم بها الانسان استنادًا إلى هذا الثالوث.
فما حدث فور إعلان وقف النّار بين العدو الإسرائيلي ومنظمة “الحزب”، لا يعدو كونه ترجمة لهذا العطب التقييمي الذي أصيب به هؤلاء. فإذا كان العدو قد انتصر، والمنظّمة قد انتصرت أيضًا، فمن الذي خسر إذًا؟
الخاسر الوحيد في كلّ ما حصل هو الدّولة اللبنانيّة التي لم يوفّرها أيّ من طرفي هذا الصراع القاتل. والانتصار الوحيد لا يكون إلّا بعودة الوطن إلى الدّولة. التعالي والعنجهيّة والكبرياء ودحض الوقائع، هذه كلّها مسائل لا يقبلها العقل السليم. المطلوب بعد كلّ ما حدث مصارحة وطنيّة شاملة من قادة هذا المحور، ونعرف لكأنّنا نطلب الدّبس من حيث لا يُطلَبُ، لأنّهم لا يعترفون بذلك. لأنّهم لم يتحلّوا يومًا بالتواضع الوطني، بل كانوا دائمًا أكبر من الوطن. إن كان بسلاحهم غير الشرعي، أو بأموالهم المغسولة، وفساد حلفائهم المغسول مع عسل مؤسسات الدّولة.
حتّى يعود صوت العقل ويرجّح دفّة الانتصار إلى حيثما يجب أن تكون، أي في الدّولة اللبنانيّة ومؤسّساتها الشرعيّة، لا يمكن الاستمرار مع أولئك الذين لا يعترفون بالحقيقة الصعبة. القاصي والدّاني يدرك تمامًا أنّ حليفهم الأخ الأكبر قد نسج لهم صكّ استسلام مشرّف، والعبرة تكمن في تطبيق هذا الصكّ. فمَن يرضخ للشروط المفروضة عليه والتي كانت مرفوضة كلّها، وجب عليه الصمت احترامًا للدماء الذكيّة التي أراقها من أبناء شعبه أوّلًا ومن أترابه في الوطن ثانيًا.
أمّا المنطق السليم فيكفي الرّكون إلى تصاريح مسؤولي هذا الفريق وبعض أبواقه الإعلاميّة البارعين في تبديل مقاييس التقييم، وجعل الانتصار شو ما صار، من دون النّظر إلى النتائج. فالنتيجة التي أوصلنا إليها الحزب بعد إسناده غزّة كفيلة بترجيح كفّة المنطق السليم في ميزان المنطق المعتور. مع عدد الشهداء الأبرياء والضحايا الذين سقطوا حيث فاقت الأرقام الـ4000، وأعداد المعوّقين والمصابين والجرحى التي تخطّت الـ10000، من دون إغفال فداحة الدّمار الذي أصاب البنى والقرى والدساكر، لا يمكن الاستمرار في هذا الإنكار.
مَن يريد دفن رأسه في الرمال ليغرق أكثر فأكثر في إنكاره للواقع الذي أوصل الوطن إليه، فليستمرّ بذلك لوحده. لأنّنا لسنا مستعدّين بعد اليوم لتكرار تجارب الأمس القريب. هذه التجارب التي دفع الوطن بأكمله ثمنها.
وأصحاب الفكر الحرّ مدعوّون اليوم لقراءة بنود الاتّفاق الذي ينصّ على أنّ “القوات الأمنية والعسكرية الرسمية للبنان” ستكون الجهة الوحيدة المسموح لها بحمل السلاح أو استخدام القوات في جنوب لبنان. ويحدد الاتفاق تلك القوات بأنها “الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي والأمن العام وأمن الدولة والجمارك اللبنانية والشرطة البلدية”. ما يعني ذلك عمليًّا انتهاء الدّور الإيراني المتمثّل بوجود سلاح منظمة “الحزب” على الحدود الجنوبيّة. لكن يطرح بعض الخائفين في هذا السياق إشكاليّة تواجد السلاح غير الشرعي في شمال الليطاني. فهل هذا السلاح سيوجّه من جديد على صدور اللبنانيين؟
للإجابة عن هذه المخاوف نتابع قراءة ما وافق عليه دولة الرئيس نبيه برّي ومعه الحكومة اللبنانيّة وخلفهما منظّمة “الحزب”، حيث يشير الاتفاق إلى التزام الجانبين بالتنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1701، بما في ذلك الأحكام التي تشير إلى “نزع سلاح مختلف الجماعات المسلحة في لبنان”. ما يعني عمليًّا تطبيق هذا القرار والقرارات ذات الصلة أي الـ1559 الذي ينصّ على نزع سلاح كلّ الميليشيات وبما فيها منظمة “الحزب”، والقرار 1680 الذي ينصّ على ترسيم الحدود مع الدّولة السوريّة ويعني ذلك عمليًّا قطع طرق الإمداد غير الشرعي لهذا السلاح غير الشرعي.
أمام هذه الوقائع لا يمكن لثقافة الانتصار شو ما صار الاستمرار على الاستقرار أو حتّى الاستقرار على الاستمرار لأنّها سقطت في الميدان، وعلى أرض الواقع. ومَن لا يريد الاعتراف بذلك فهذا شأنه. فلندع نتائج إبداعات إسناده لغزّة المكلومة تعترف بذلك، حيث جعل من لبنان كلّه مكلومًا ليشبه ثقافة الموت التي يعتنقها إيديولوجيّة ومبدأ.
الغد قريب. وأكثر ممّا قد نتصوّره. الوطن سيعود إلى الدّولة. وهذه هي الشروط المخفيّة التي وافق عليها الممانعون الأدهياء. وهؤلاء هم أنفسهم سيفتحون باب المجلس. وسينتخبون رئيسًا للجمهوريّة غير ممانع مثلهم، لأنه ببساطة محورهم الى أفول.
مَن يعلم؟ ننتظر ونرتقب عودة الوطن الضال إلى حضن الدّولة. وسيعود حتمًا على قاعدة: “مهما تأخّر جايي”.
