.jpg)
يُردد بعض الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي من بيئة الممانعة عبارة “السيّد كان مهدّينا عنكن”، وبما ان “السيّد قد استشهد اليوم فلا احد يمكن ان يُهدّينا عنكم بعد انتهاء هذه الحرب”.
ولكن لا نعرف بالضبط ما دخل اللبنانيين الذين يُهددهم هؤلاء، ببداية هذه الحرب او نهايتنا؟
هل هؤلاء اللبنانيين هم الذين يُقاتلونكم اليوم في الجنوب، ام انهم يستقبلون النازحين من بيئتكم في قراهم ومدارسهم وكنائسهم وجوامعهم؟ هل اللبنانيين هم الذين يقصفون الضاحية والجنوب بفعل حربٍ تفرّد حزبكم في اعلانها اسناداً لغزة، رغماً عن ارادة الذين تُهددونهم، والذين حذّروكم منها مسبقاً، بالأساس؟
وبأي منطقٍ تريدون تحميلهم مسؤولية فشلكم وقرارات قيادتكم الخاطئة، ما دام هؤلاء كانوا اصلاً ضد تلك القرارات وضد كل ما حل بكم وبهم من قصفٍ ونكبات؟
في الحقيقة لا، ليس “السيّد” رحمه الله من كان “مهدّيكم عنّا” قبل اغتياله، بل اولاً، الجيش اللبناني؛ وثانياً، الموازين السياسية والمجتمعية والطائفية في لبنان التي لا يُشكّل الحزب وبيئته منها سوى نسبة الربع على اكثر تقدير، بالإضافة الى التوازنات العربية والاقليمية المرتبطة عضوياً بتلك التوازنات اللبنانية؛ وثالثاً، الأحزاب والقوى السيادية التي تضم اليها مئات الآف المنتسبين والمناصرين؛ ورابعاً، ما تبقّى من قضاةٍ ومسؤولين نزيهين سياديين في الدولة؛ وخامساً، وسائل التواصل والإعلام التي ستنقل ارتكاباتكم بالصوت والصورة لكل العالم وستُظهر الوجه الحقيقي لما يُسّمى بـ “المقاومة”؛ وسادساً، الشرعيتين العربية والدولية ودولة الفاتيكان التي يرتبط مسيحيو لبنان من خلالها بملياري مسيحي حول العالم؛ وسابعاً، المغتربين واللوبي السيادي في الخارج؛ وثامناً، المنظمات والجمعيات الحقوقية بما لها من تأثير على الرأي العام الدولي ودوائر صناعة القرارات الخارجية؛ تاسعاً، لأن الحرب الأهلية ليست “كلمة بالفم” بما لها من انعكاساتٍ خطيرة على وحدة المؤسسات، وملحقاتها جغرافياً، واجتماعياً، ودستورياً، وسياسياً، وسورياً وفلسطينياً، واسرائيلياً؛ وعاشراً، وضعية حزبكم المُصنّف تحت خانة الارهاب، والمحاصر بعقوباتٍ وقراراتٍ دولية وعربية وقضائية تحدّ من قدرة اتخاذه قراراتٍ دموية بحق مكونّاتٍ طائفية او سيادية في لبنان، تحت طائلة تحولّه الى نسخةٍ جديدة ومنقّحة عن التكفيريين الذين كانت تفصله عنهم مجرّد “شعرة معاوية” فقط، وهذه الشعرة كانت ستسقط ما إن يُقرر حزبكم اعلان حرب إبادةٍ عسكرية على مكونٍ مجتمعي لبناني من المكونات.
هذه الأسباب كلها كان يُدركها جيداً السيد نصرالله، وخصوصاً انها كانت ستقضي شعبياً وسياسياً على كل حلفائه من الطوائف الأخرى، ولذلك لم يُرِد اخذ حزبه وبيئته للإنتحار في الداخل اللبناني.
ولكنه عمل بالمقابل للسيطرة على لبنان، إنما بالمواربة، وتراكم النقاط، والنفس الطويل، محاولِاً اخذ الدولة بالقضم وسياسة الخاصرة الرخوة، مُشيعاً اجواءً من الفوضى، والحروب، والاغتيالات، وعدم الاستقرار، وتعطيل المؤسسات بشكلٍ دائم، محاولاً إضعاف المؤسسات الرسمية بشكلٍ تدريجي ومضبوط، محولّاً المجتمع اللبناني الى “مجتمع حرب”، لتيئيس اللبنانيين، وخصوصاً المسيحيين الذي يُهددون بثقافتهم المنفتحة “ثقافة الانغلاق” التي يُروّج لها حزب الممانعة في البلد، دافعاً بهم للهجرة “ياواش ياواش”، بدل تهجيرهم الجماعي بالمباشر على طريقة داعش التي سحقها الأطلسي والتحالف الدولي بعدها، ناسجاً تحالفات مع فاسدين، مخترقاً البيئات المجتمعية الأخرى عبر شبكة تحالفات سياسية وانتخابية وخدماتية، ممّا كان يُسهل عليه تقسيم تلك البيئات، في مقابل توحيد بيئته بقبضةٍ من حديد، حتى يبقى هو زعيماً لأقليّة موحدّة ومنظمّة ومسلّحة، ولكن اقوى من مؤسسات الدولة من جهة، والأقوى ضمن مجموعةٍ من الأكثريات السياسية والمجتمعية والنيابية المُبعثرة، والمُخترقة، والمُضللة، من جهةٍ ثانية.
“السيّد كان مهديّنا عنكن”؟!
لا، بل السيّد كان يحميكم منّا، ومن الوقائع والموازين والتداعيات المذكورة اعلاه، فهو كان اكثر ذكاءاً وحنكةً وعقلانيةً منكم بخصوص هذه النقطة تحديداً، لذلك، وحتى في اوجّ قوة حزبه وجبروته سابقاً، لم يجرؤ على العبث مع الداخل اللبناني بشكلٍ فجّ ومباشر، والدليل الأكبر على ذلك مسارعته للملمة موضوع 7 و11 ايار من خلال اتفاق الدوحة، بعد ان استحصل على بعض المكتسبات السياسية الشكلية، وتمنّعه عن الزّج بمقاتلي حزبه في حربٍ واسعة النطاق ضد عين الرمانة والمناطق المسيحية، بعد الأحداث التي وقعت في الطيّونة، وعلى الرغم من الخسائر التي تكبّدها بعض المعتدين من بيئته على السكّان الآمنين في تلك المنطقة.
“السيّد كان مهديّنا عنكن”؟ نعم، ولكن ليس للأسباب التي اقنعكم حزبكم بها، وليس لأنه كان رؤوفاً بنا حنون علينا، فالرؤوف والحنون والعطوف لا يغتال القيادات والمسؤولين والاعلاميين تحت جنح الظلام، بل “كان مهديّكم عنّا” لأنه كان حنوناً عليكم انتم، ورؤوفاً بكم انتم، ولأنه كان يريد ان يحميكم انتم، وليس نحن. ففي السياسة، موازين القوى، وحسابات الربح والخسارة، هي التي تحكم، وليس العطف والحب والغرام والحنان. هل توضحّت الصورة في اذهانكم الآن لماذا كان “مهديّكم عنّا”؟
امّا وان السيد قد اغتيل اليوم بكل اسف، وقوة حزبكم تراجعت مئات المرّات عمّا كانت عليه في زمن السيّد، والعيون الداخلية والاقليمية والدولية اصبحت “مفتحّة عليكم” بكل وسعها، فيما لم يطرأ بالمقابل اي تعديل على الأسباب والموازين التي عددناها اعلاه، لا بل اصبحت اكثر وأكثر مائلة لغير مصلحتكم بالكامل، خصوصاً اذا استحصلت اسرائيل من الذي يفاوضها اليوم، على حق التدخل العسكري في الداخل اللبناني ضد اي ظهورٍ مسلّح للحزب سواء في الجنوب او في العمق المسيحي او الدرزي او السني مثلاً، لذلك فالأجدر بكم اذاً التخفيف من لهجة البهورات والعنتريات الفارغة، والاتعاظ من حكمة السيّد الذي لم يكن يريد اخذكم للانتحار في الداخل اللبناني على حياته وفي عزّ قوته، فكيف بالحري بعد مماته، وفي عزّ ضعفكم وتفتّح العيون عليكم.
فحضّروا انفسكم منذ الآن لاستخدام لغة الاعتدال، ولغة المنطق، والعقلانية، والقانون، وآحادية السلاح، والازدهار، والاعمار، والنهوض، بعد الحرب، لأن لغة التحريض والفتنة والتهويل والتهديد والاستقواء التي تطلقونها اليوم استعداداً لما بعد انتهاء الحرب، ستكون مطمورة تحت ركام هذه الحرب الى الأبد، ولن تقوى بعد انتهاء هذه الحرب على النهوض مع ورشة الاعمار، وبشائر الازدهار، وبناء الدولة القوية الحرّة السيدة المستقلة، لتقويض امن واستقرار وحرية لبنان وشعبه، مرّةً اخرى من جديد.
“السيّد كان مهديّكم عناّ” لأنه كان يريد مصلحتكم وقتها، اما مصلحتكم اليوم، وخصوصاً بعد انتهاء الحرب، هي في التمسّك الى اقصى الحدود بإرادة السيد، لجهة الهدوء، والاعتدال، والتروّي، وتهدئة انفسكم، وتهدئة الموتورين منكم، وإلاّ فلن يستطيع احد تهدئة القانون، وتهدئة المؤسسات الشرعية، وتهدئة كل الناس عنكم. فاسمعوا لكلام الإمام علي الذي يقول فيه “إمحض اخاك النصيحة، حسنةً كانت ام قبيحة”، فكيف بالحري اذا كنتم اخوةٌ لنا في هذا الوطن، وكانت نصيحتنا لكم حسنةً مئةً بالمئة.