أطال رئيس كتلة “الحزب” النيابية النائب محمد رعد غيابه طويلاً، في الفترة الأخيرة، على الرغم من جسامة وخطورة ما يحصل والأحداث المتسارعة ميدانياّ وسياسياً وتفاوضياً، وهذا ما يدعو إلى الاستغراب بطبيعة الحال من مختلف المراقبين، حيال غياب رئيس الكتلة النيابية للطرف الذي كان السبب والمسبّب وراء الكارثة الكبرى التي حلّت على لبنان، وانسحابه والتلكؤ عن إعلان موقفه وقراءته إزاء الأحداث والتطورات الحاصلة. لكن الأغرب، أن يعود رعد من رحلة “الغياب الطويل” ليطلَّ بالأمس من خلال مقال طويل، معلّقاً على مسار المفاوضات الحاصلة، وليتبيّن أن رعد لا يزال يقرأ في الكتب القديمة وكأن شيئاً لم يكن، وكأنه لا يزال يظن أن القراءة في كتاب المعادلات الماضية لا تزال صالحة لزمن اليوم التالي.
رعد حاول إعادة بثّ الروح بمعادلات مضت وتخطتها الأحداث والتطورات وثبت فشلها وبهتانها في حماية لبنان، إن لم نقل إنها كانت من المسبّبات الأساسية في الكارثة التي حلّت به، فأعاد استحضار معادلة (جيش، شعب، مقاومة) التي عفى عليها الزمن، محاولاً معاودة تبرير جدواها من منظاره أمام اللبنانيين لحماية لبنان ولإبقاء القديم على قدمه في اليوم التالي للحرب، على الرغم من الحقائق الماثلة لفشل هذه المعادلة وسقوطها والأثمان الباهظة التي دفعها لبنان، معتبراً أن “ضمانة التزام الجيش الإسرائيلي بالقرار 1701 هي معادلة الشعب والجيش والمقاومة”.
الكاتب والمحلل السياسي علي الأمين، يرى أن “مشكلة رعد هي مع الإسرائيليين والأميركيين وليست مع اللبنانيين. اللبنانيون معنيون بالتأكيد على الثوابت، وبأن كل الذي حصل وجرى يُفترض أن يُقرأ بهدوء وبمسؤولية، من قبل “الحزب” ومن قبل كل اللبنانيين. بالتالي، لا بد من الوصول إلى خلاصات والاستفادة من هذه التجربة، لأن هذه التجربة أثبتت أنها أدّت بلبنان إلى كوارث لا نعرف كيف سنخرج منها”.
الأمين يلفت، عبر موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، إلى أن “هذه المعادلة (جيش، شعب مقاومة)، وهذا المسار الذي قاده “الحزب” وفرض قواعده مع إيران، أوصل إلى كارثة، وبالتالي لم يحرِّر القدس ولا حرَّر فلسطين ولم يحمِ أهل الجنوب ولم يحمِ لبنان. بالتالي، المنطق والعقلانية يفرضان بأن هذا الأسلوب يجب تغييره، وهذه السياسة يجب تغييرها والبحث عن شكل آخر”.
أما بالنسبة لهذا الشكل الآخر، يضيف الأمين: “فليس هناك من شيء مطروح غير العودة إلى الدولة وشروط الدولة”، لافتاً إلى أنه “يجب أن نعي نحن كلبنانيين ما هي إمكانياتنا كبلد وكلبنان. نحن في لبنان لا يمكننا أن نحرِّر العالم ولا أن نقاتل إسرائيل وأميركا وحلف الناتو والغرب، يجب أن نتعامل بطريقة فيها من الذكاء والحنكة والسياسة والدبلوماسية لنحمي بلدنا أولاً، ونعيد بناءه بعدما دُمِّر”.
بالتالي، يتابع الأمين: “لا بدَّ من التواضع بأننا دولة، على أهميتنا وافتخارنا بلبناننا وبوطنيّتنا وبتضحياتنا، لكن في نهاية الأمر نحن دولة إمكانياتها معروفة ومحدودة ويجب أن تتعامل بهذا السياق، من دون التقليل ومن دون الاستهانة بالسيادة الوطنية، لكن بنفس الوقت يجب أن نعرف كيف نستقطب أصدقاء للبنان لا أن نستقطب أعداء للبنان”.
الأمين يشير، إلى أننا “في هذه المرحلة التي مرّت على لبنان، كنا بارعين في خلق الأعداء، ويجب أن نبرع اليوم في استقطاب الأصدقاء للبنان”، مشدداً على أن “ذلك يتطلَّب الاندراج ضمن إطار الدولة اللبنانية ومؤسساتها، واحترام الدستور والقوانين، هذا هو المبدأ الأساسي. لدينا مهمات كبيرة لنبني بلدنا أولاً، فقبل أن نرى كيف سنبني دول العالم ونحرّرها لنر كيف سنبني بلدنا ودولتنا ومؤسساتنا، فهناك مشاكل كبيرة تواجهنا”.
الأمين يشدد، على أن “ما كان سابقاً يتمّ فرضه ومحاولة إقناع اللبنانيين بأن هذا الذي يحمي لبنان، من قبيل معادلة (جيش، شعب، مقاومة)، أثبتت هذه المعادلة بأنها جلبت الكوارث إلى لبنان، والحد الأدنى من الموضوعية والعقلانية يفرض البحث عن أسلوب آخر لحماية لبنان، وبالتأكيد ليس أسلوب (جيش، شعب، مقاومة)، والأكيد أكثر، أن الدولة اللبنانية بذاتها تستوعب كل شيء، أي تستوعب ضمن شروطها وضمن شروط الدستور والقانون، كل الإمكانيات من أجل حماية لبنان”.
فبكل محبة، يضيف الأمين: “مقتضى العقلانية أن نفكّر في النتائج التي وصلنا إليها جرّاء ما حصل، وأن نقرأها بموضوعية، وبالتأكيد هذه القراءة لن تعيدنا إلى صيغة (جيش، شعب، مقاومة). ليفتشوا عن صيغة أخرى، والصيغة الأخرى واضحة، لا شيء سوى الدولة فهي التي تحمينا، وهذا ما تبيّن في كل المفاوضات الآن، “الحزب” اضطُّر في النهاية للوقوف خلف الدولة اللبنانية، وخلف الجيش اللبناني وأن يتمسك بالجيش، ونوابه ذهبوا للإقامة في مبنى مجلس النواب لأنه ربما البرلمان يحميهم من الاستهداف”.
“من هنا، الدولة حاجة ضرورية وملحّة وأكثر من ذلك، هي مظلة كل اللبنانيين، والجيش اللبناني هو جيش كل لبنان. بالتالي، سياسة التعامي عن الواقع والحقائق وحالة الإنكار، لن توصل إلا إلى مزيد من الكوارث”، يختم الأمين.
