يتكوّن مجتمعنا اللبناني من جماعات حضاريّة مختلفة الأهواء والانتماءات. فبمفهوم علم الاجتماع أصبحنا حالة تتعالى عن الأنانية والفردانيّة وتدوم عبر السنوات، حتّى أضحت هذه الحالة مدرسة حديثة تحمل رسالة سماويّة مقدّسة. وهذا ما كرّسه البابا القديس يوحنّا بولس الثاني في أواخر القرن الماضي. وما هو سماوي وحدها السماء تعطيه حقّه في الوجود، وعدالتها كفيلة بأن تحقّق عدالته على الأرض عندما لا تنصفه عدالة هذه الأرض.
إن انت اعترفت بلبنانيّتك فلا خوف عليك من جور العدالة عندما تصبح بيد الخبثاء. فعدالة السماء هي باب خلاصك الوحيد. لأنّك لبنانيّ صميم ما عليك إلا أن تُسلِمَ نفسك لعدالة السماء لتسلَمَ من زيف عدالة هذه الأرض. فكم بالحريّ إذا كنت من مدرسة ” لتكن مشيئتك”؟
وعندها فقط أشجار الصنوبر الجزينيّة تزداد شموخًا وإباءً بوجود امرأة تؤمن بعدالة السماء، ولا تخاف من المجاهرة بحكمها. النّائب غادة أيّوب، لا تقلّ حكمة عن ابن دير الأحمر الدكتور أنطوان حبشي، ولا دراية بعلم القانون أقلّ من ابن دير القمر الأستاذ جورج عدوان. فليطمئنّ المغرضون والمصطادون بالماء العكر، لا الدّكتور حبشي ولا الأستاذ عدوان وغيرهما استشاطوا غضبًا من قول الدّكتورة أيّوب هذه الحقيقة.
فهؤلاء بعيدون آلاف الأميال الضوئيّة عن إدراك هذا البعد الوجودي – الإلهي الذي يحكم علاقة أمثال الدّكتورة أيّوب بمفهوم العدل الإلهي. فبكلّ بساطة، لا يؤمنون بلبنان. ولا يؤمنون إلّا بسماء تتّسع حوريّاتهم. لا عدل فيها. لا حقّ فيها. بل سماؤهم هي حضيضهم. هؤلاء وحدهم يستحقّون أن ندعو لهم بالهداية إلى الصراط المستقيم.
فلا خلاف مع أحد حول عداوتنا لإسرائيل. ولاسيّما أنّ رئيس حزب الدّكتورة أيّوب هو الذي أقفل مكتب العلاقات مع الإسرائيلي الذي كان في ضبيّة في ثمانينيّات القرن الماضي. ويعلم اللبنانيّون كيف مَن كان يدير هذه العلاقات أصبح حليف هذا الفكر الذي لا يؤمن بعدالة السماء، بل يؤمن بعدالة التصفيات التي لطالما نسبها لغيره. لكنّ عدالة السماء مع هؤلاء أيضًا قالت كلمتها ومشت.
ولا يحاولنّ أحد اللعب على وتر الحنين إلى الوطن الذي يطيب له العزف عليه عند اللبنانيين المنتشرين في الأصقاع الأربعة. فتارة يجعل منهم مطيّة لضرب الحياة الحزبيّة تحت مسمّى ثورة ما، وتارة يجعل منهم ATM لتمويل مشاريعه الانتخابيّة، وطورًا يوظّف طاقاتهم خدمة لمشاريعه على المذابح الأمميّة. لكنّ عدالة السماء دومًا تقول كلمتها وتمشي. فيسقطون أوراقًا خريفيّةً ذابلةً سرعان ما تدوسها الأرجل “الأيّوبيّة”.
نحن الذين نريد مساعدة هؤلاء. ولا نطلب مساعدتهم. فجلّ ما نطلبه أن يتصالحوا مع ذاتهم الوطنيّة. هذه الذّات التي دفنوها في مقابر الأمم والايديولوجيّات الزائفة. لا بدّ لها وأن تقوم في اليوم الثالث. وهي ليست بحاجة لأطبّاء نفسيين بل جلّ ما هي بحاجة إليه القليل من التواضع الوطني. هذا التواضع المفقود الذي لا يسمح لأمثال هؤلاء بالإيمان بأنّ للسماء عدالة وعندما يحن موعد استحقاقها لن يستطيع أحد إيقافه.
وإن لم يدرك هؤلاء الجهلة القصد من عدالة السماء فعبثًا يحاورون الحكماء. فالجاهلون هم الغالبون لأنّ الحكماء لا يجادلونهم، بل يجادلون الحكماء أمثالهم. أوليست هذه تعاليم الإمام عليّ بن أبي طالب؟
ونحن لا نخف من إعلان تعاليمنا. فمسيحنا الذي علّمنا أنّ “كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ!” هذه هي عدالة السماء التي تحدّثت عنها الدّكتورة أيّوب. أولم يقرأ هؤلاء في كتابهم وفي سورة الانفال تحديدًا في الآية 60 منها “وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِبَاطِ الْخَيْلِ (تُرْهِبُونَ ) بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ”. هل هذا هو نفسه الذي يأخذ بالسيف؟ أم أنّ ما هو مقدّس عندك يجعلني عميلًا وخائنًا لوطني متى أعلن إيماني بعدالة السماء؟
صحيح أن الدكتورة غادة أيوب تمكنَت من تأسيس صناعة تحويلية ذات فائدة عالية لتجويد القناعة الوطنيّة القائمة على ثوابت إيمانيّة في هذه الأرض. هي نجحت في تحويل المعنى إلى كلامٍ مسلح، بلمحة بَصَر وطقشة أصابع. قامت وحدها بنقض استراتيجيّة دفاعيّة كاذبة، قوامها ثلاثيّة جيش وشعب ومقاومة، وقّع الرّكن الثالث منها اتّفاق إذعان مع مَن نعتبره عدوًّا لنا، فأسقط بالتّالي عن نفسه نَفَسَ المقاومة؛ وظهر زيفها بعد أربعة عقود. فأعادت بذلك الدّكتورة أيّوب بتذكيرها بثقافة عدالة السماء وضع استراتيجيّة وطنيّة قوامها الثلاثيّة الاتية: “جيش وشعب ودولة” لنستطيع مقاومة الغول الصهيوني عن حقّ، وليس ادّعاء هذه المقاومة لنبيع ونشتري بدماء شبابنا على مذابح المفاوضات الدّوليّة بهدف الحفاظ على النّظام الذي ندين له حتّى بدماء فلذات أكبادنا! بالطّبع أبناء هذه المدرسة “ما بيشبهونا”.
ولا يحاولنَّ أحد زرع الشقاق في صيدا المطران سليم الغزال مع أبناء جزّين، ولاسيّما الذين منحوا الدّكتورة أيّوب شرف تمثيلهم في النّدوة البرلمانيّة. ولا أعتقد أنّها خذلتهم بأدائها النيابي يومًا. إلّا إذا كان هؤلاء من المصرّين على تهميش وتسخيف الفكر الصيداوي الحرّ وحصره فقط في إطار المواقف الشعبويّة التي لم تبنِ يومًا علاقات وطنيّة من ميناء الصيّادين وحتّى شلال جزين.
أبناء صيدا الذين يدركون تمامًا معنى الاضطهاد. وهم الذين خفت صوتهم بعدما اغتالت أقلام الغزاة الذين وفدوا بفكرهم الصفويّ إلى حارة صيدا وقراها وأباحوا دماء الصيداويين، حتّى طالت أيادي غدرهم دولة الرئيس الشهيد رفيق الحريري. غادة أيّوب لم تبنِ إمبراطوريّة في ضواحي صيدا وجزّين بل بنت مدرسة ومسجدًا وكنيسة ومستشفى عندما قرّرت أن تقف جنبًا إلى جنب أبناء منطقتها.
ما حصل في لبنان هو عدالة سماويّة بإعادة الدويلة إلى الدّولة. لا بل الوطن إلى الدّولة. أمّا إبليس النتانياهويّ الفرح بدماء أبنائنا اللبنانيّين، فنتركه مع الذين تفاخروا بوضع يدهم بيد زميله في الجنديّة الصهيونيّة، لاجتراح اتّفاقات موهومة، مرسومة على إيقاعات من الغاز الدّفين الذي باعوه له على طاولات صيارفة الهيكل.
أمّا الحديث عن مختبر لمسخ مرضى الطائفيّة وتدمير أعضائها الانسانية والاجتماعيّة فهو دفين في نفوس الذين يحملون الأقلام الصفراء، ويدأبون ليل نهار في تصوير الهزائم انتصارات، ولو على حساب كرامة الوطن، ودماء أترابهم فيه. فهؤلاء المأجورون “ما بيشبهونا”، منذ أكثر من ألفي سنة. منذ أن ذبح هيرودس أطفال بيت لحم خوفًا على عرشه من طفل ملك لم يعرفْه. فأسياد خطاب الكراهية والطائفيّة وأصحاب شعارات ” شيعة شيعة” لا يحقّ لهم الكتابة في جرائد صفراء تحت مسمّى “كاتب لبناني”، ليبخّوا سمومهم على الوطنيّين أمثال الدّكتورة غادة أيّوب. هؤلاء الذين بسبب غبائهم الاستراتيجي تدمّر البلد. وبسبب عنجهيّتهم يقف السلم الأهلي في البلد على نقطة وصوصة. لكن فاتهم أنّ الاحتضان الوطني الذي قدّمه أمثال غادة أيّوب لإخوتهم في الوطن هو الذي أسقط الفتنة التي لطالما أخافوننا بها.
إذا كان ولا بدّ، أفضّل شخصًا يصون الكرامة الإلهيّة ومن خلالها يرى إخوته بالإنسانيّة فيصونهم عوض أن يطلق عليهم رصاص الغدر كما فعل في السابع من أيّار وفي أحداث الطيونة. عدالة السماء وحدها كفيلة بإزالة قذارة هؤلاء من الأرض. ولا ضير من تذكير روّاد هذه الجرائد وأصحاب هذه الأقلام مَن الذي تهافت وقدّم العروض ليل نهار للصهاينة ليحافظ على مكاسب وليّه الفقيه؟
“عن جدّ اللي استحوا ماتوا”. هؤلاء الذين ينتظرون أمثال الدّكتورة أيّوب ليتلقّفوا كلماتها بهدف تحويرها تمامًا كما تفعل الثقافة الصهيونيّة بتحوير حقيقة الشعب الفلسطيني. لكن اطمئنّوا ستبقى غادة أيّوب تنضح بالمحبّة والتسامح والعقلانيّة، هذه الثلاثيّة التي لن تستطيعوا يومًا الارتقاء إلى أدراجها، لأنّكم تؤمنون بثلاثيّة الاندحار والانتحار والموت. خسئتم!