#adsense

لبنان “الركام”: متى عودة الخليجيين؟

حجم الخط

صحيفة النهار- نبيل بومنصف

 

يثير الوجه الإعلامي المواكب لسريان اتفاق وقف النار في لبنان وعودة النازحين إلى مناطقهم ومساقط رؤوسهم بفولكلور “انتصاري” مزعوم، الكثير المبكر من الصدمات لمن ظن أن بيئة “المقاومة” بلغت النضوج الكافي لمواجهة أبشع ما ألحقته إسرائيل بها وبلبنان من خسائر وكوارث وهزائم بتَعَقلُن يوازي هذا الزلزال. ومع ذلك، فان الانقسام العميق الصارخ في التعامل مع مسألة “الانهزام” أو “النصر” يشكل انعكاساً فورياً، لعله الأصدق في نقل واقع حال لبنان الممزق والمدمر سياسياً وطائفياً وفي كل اتجاهات ومستويات الخراب الوطني في تراكم مخيف مما قبل الحرب الأخيرة وبسببها وبعدها.

 

والحال أن هذه الحقبة الطالعة على لبنان بعد الحرب تتجاوز بكثير في مقارناتها التاريخية ظروف ما بعد حرب العام 2006 لجهة اقترابها من واقع ما بعد نهاية الحرب الكبيرة ما بين 1975 و1989 وحلول عصر اتفاق الطائف بالمعنى التأسيسي، خصوصاً بعدما أثبتت الحرب الأخيرة، وظروف وضع حد لها، بأن دور الرعايات الخارجية، ولا سيما منها الغربية الأميركية والفرنسية، كان ولا يزال حاسماً ومحورياً في إدارة مصير هذا البلد بفعل تركيبته أولاً وواقعه الاستراتيجي بين جيران وقوى إقليمية يستبيحونه سواء بسواء أولاً وأخيراً.

 

ولذا تفتح مع مطالع الحقبة الراهنة ملفات تكوينية وتأسيسية جديدة لسنا ندري كيف وإلى أين ستؤدي بلبنان واتفاق الطائف بعد زلازل العقود الثلاثة ونيف التي مرت عليه، وكاد العقد ونصف العقد الأخير أن يطيحه تماماً لمصلحة انقلاب متدحرج قاده “الحزب” وتمكن بهيمنته المسلحة وبتبعيته لإيران، أن يفرض قوانينه وقواعده وسياساته ومغامراته العابرة لحدود لبنان، إلى أن سقط في أسوأ خياراته إطلاقاً حين تسبب لنفسه وبيئته وللبنان كله بأشرس حرب إسرائيلية قضت على معظم قدراته.

 

لذا، بصرف النظر عن المزاعم الساخرة لـ”نصر” مزعوم على ركام مناطق كاد التوحش الإسرائيلي يزيلها من الوجود، تحتم الإطلالة على أكثر الحقبات اللبنانية تعقيداً وصعوبة بعد الحرب، إثارة السؤال عن “عودة العرب” وتحديداً الخليجيين ولا سيما منهم المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، ليس من البوابة التقليدية المعروفة في المساهمة بإعادة إعمار المناطق المدمرة كما حصل بعد الحروب السابقة، بل أولاً من بوابة الدور الاستراتيجي العربي في توازنات إقليمية مختلة جعلت دور إيران يتعملق عبر ذراعها الأساسي في لبنان والمنطقة.

 

لعب الغياب الخليجي عن لبنان منذ عقد الدور الأشد تسبباً في تغول الدور الإيراني، ليس في لبنان وحسب بل امتداداً إلى سوريا وأبعد، بما يتعين مراجعته بعمق وصراحة، لأن نبرة لوم اللبنانيين على تركهم “الحزب” يقودهم إلى الكارثة لا تستوفي الحقيقة الموضوعية كلها.

 

ثمة خلل لم يتمكن الأطراف السياديون في لبنان ولا الدور الغربي والدولي من احتوائه لبنانياً وإقليمياً يتصل بإدارة الخليجيين ظهورهم للبنان ولو بمبررات بعضها الكثير مقبول ومنطقي، ولكن آثار إدارة الظهر تلك قدمت الفجوة الثمينة لإيران وحليفها اللبناني في تبديل معالم السلطة والدولة والتلاعب بالدستور والتسبب بآثار إقليمية تمددت حتى حدود الأمن الخليجي نفسه. وما لم تبدأ مراجعة جذرية لهذه “الغربة” الخليجية عن لبنان وآثارها المتمادية، فسيكون من الخطورة بمكان تجاهل ترك الفجوة العربية في واقع لبنان وكأنها لم تعد تعني الخليجيين، وتركه مجدداً بين شدقي إسرائيل وإيران برعاية ظرفية أميركية. أعاد الخليجيون نظام دمشق إلى الجامعة العربية لدواع بررت بالمصالح الحيوية، فأين لبنان الذي تتباهى إيران على ركامه من مراجعات العرب؟​

المصدر:
النهار

خبر عاجل