#adsense

انتصارٌ على لبنان؟ (الدكتور جورج شبلي)

حجم الخط

اليوم، أريدُ أن أغضبَ غضبًا وطنيًّا شريفًا، وثوريًّا لا يخالطُه تَطوافٌ في دنيا الأوهامِ السّرابيّة، كما يسدّدُها الآليّون المُفرَغون من الإرادةِ، والوَعي، المتحدِّثون عن انتصارٍ وهميٍّ لا يمتُّ بصلةٍ الى الانتصار. إنّ مذهبَهم هذا، بريءٌ من منطق الواقع الرّاهن، وهو نقيضٌ للحقيقة، وذو رنّةٍ جوفاء، وواضحٌ أنّ أصحابَه مرتَهَنون لإيديولوجيّةٍ باهتةٍ جامدة، يُنجزون وظيفةً هي أشدُّ قُبحًا من العَمالة.
عندما يُعلِنُ طرفٌ أنّه حقَّق انتصارًا، فذلك يفترضُ اعتمادَ أُصولٍ معيّنةٍ في فهمِ الإعلان، وفي نظريّة الانتصار. في ضواحي إعلانِهم، حجمٌ من الدّمارِ فاقَ تراثَ الحربِ العالميّة، وفي جنوبِ انتصارِهم، معرضٌ أبرزُ ما فيهِ حبرٌ أحمرُ غُمِّسَت ريشتُهُ في صُوَرِ ضحايا وحشيّةِ الصّهاينة، وانتحارِ المُمانِعين.
استنادًا، أسألُ : مِن أيِّ ” جامعةٍ ” تَخَرَّجَ هؤلاءِ الآليّون، حُماةُ التّهريج، والبِدَع؟ بل من أيِّ دسكرةٍ آثِمةٍ انتصبوا خَطَرًا على أصالةِ الوطنِ، وروحيّتِه؟ ومن أيِّ نِحلةٍ نرجسيّةٍ انبعثوا، ليبنوا لهم عالَمًا أُسُسُهُ تُناقِضُ الحقَّ والخيرَ والحياة ؟؟؟
إنّ انتصارَهم الخُرافيَّ ليس سوى سفسطةٍ مُختَلَسةٍ من شَعوذةٍ مُستَحكِمةٍ بجماجمِهم الوعِرةِ التي لم تستقطبْ أيَّ دفعةٍ من الفكر، فبقيَت تُطَوِّحُ برفقةِ الجهلِ، والتخلّفِ، والتعصّب، فافترسَتها خفافيشُ الثّيوقراطيّةِ، ولم يسكبْ عليها المنطقُ ولَو دَمعة.
كنتُ أظنُّ أن المغامرةَ الفظيعةَ التي زجَّ المتهوِّرون أنفسَهم في أتونِها، فابتُلِيَ بها، وبهم، لبنان، من شأنِ نتائجِها الكارثيّةِ أن تعصفَ في وَعيِهم، وتُعيدَ إليه الرّزانةَ، والتفكّر، وتُمسِكَ فيهِ التّيهَ العَبَثيّ، والاغتباطَ الهذَيانيّ، وتُقنعَه بأنّ قرارَ الموتِ الذي أُلزِمَ الوطنُ به، جعلَ أصحابَه المُنحَسِري العقلِ، والوطنيّة، حفّاري قبور، وعملاءَ للشيطان، يُفتَخَرُ بهم بإطلاقِ الرّصاص، والهَوبَرَة الحمقاء.
كنتُ أظنُّ أنّ المتهوِّرين قد فَرضَت عليهم الصّدمةُ أن يُعيدوا النّظر في مواقفِهم، وسلوكِهم، ويَستبدلوا هَوَسَهم الاستقوائيّ بمرونةٍ عقليّةٍ، وقد عاينوا أنّ حالَهم الكئيبةَ يفرمُها مخلبُ الموت، ويمتصُّ الرَّدى دماءَها، فلا مجالَ لتسطيرِ ملحمةٍ مُشَلَّعة، مخنوقةِ الأنفاس، تُعَفِّرُ التّراب، وتحاوطُها أشتاتُ الهزيمةِ المؤكَّدة…
كنتُ أظنُّ أنّ الصُّوَرَ الرّاعبةَ للحُفَرِ الآدميّةِ، في كلِّ الأمكنة، قد تدفعُ بالمتهوِّرين الى مناخٍ جنائزيّ، وأنّ أنينَ الأرضِ الذَّبيحِ قد يُلهبُ في كياناتِهم القاتمةِ يقظةً مدوِّية. لكنّ ظنّي قد خاب، فهم لم ينتفضوا على أخطائهم، بل تهوّرِهم، ولم يعودوا الى لغةِ البشرِ مُتَخَلّين عن لغةِ أنصافِ الآلهة، ولم يثوروا على جَمالِ الموت، ولم يأبَهوا، بعد، أنّ ما يُسَمّى بالمقاومة، هو الذي دمّرَ البلاد، حجرًا وبشرًا ومؤسّساتٍ واقتصادًا…
بعدَ هذه المرحلة الدّامية، و” أبطالُها ” معروفون، وغاياتُها معروفة، وقد أصبحَت نتائجُها معروفةً، أيضًا، لا بدَّ من موقفٍ جازمٍ للسياديّين في المعارضة، لا يُكتَفى بإعلانِه، فقط، بل بتعميمِه، وتكرارِه، وبدعوةِ المجتمعَين العربيّ والدّوليّ الى تَبَنّيه، والى المساعدة على تطبيقِه، وهو عدمُ القَبول بعودةِ البلاد الى ما قبل الثّامن من تشرين، والإصرارُ على تنفيذ القرارات الأمميّة فورًا، بكلِّ مندرجاتِها، وقيامُ دولةٍ قادرةٍ تبسطُ سلطتَها على كاملِ مساحة الوطن، فلا لِدويلة داخلَ الدولة، ولا لِسلاح غير شرعي ومُتَفَلِّت بأيدٍ لبنانيّة وغير لبنانيّة، ولا لانتداب إيراني…
وبعد، إنّ السّكوتَ على ما يُعلنُه بعضُ المتهوِّرين من ” عودٌ على بِدء”، ومن أنّ معادلةَ ” الشّعب والجيش والمقاومة ” هي التي تحفظ السّيادة، وممّا قالَه أحدُهم، من بعيد، بأنّ الكفاحَ المسلَّح هو الضّامن الوحيد للأرض… هذا السّكوتُ مرفوضٌ، تمامًا، لأنّه يتضمّنُ، وإنْ بغيرِ قصد، تخلِّيًا عن مواجهةٍ إلزاميّةٍ لمحورِ تدميرِ الوطن، وإعطاءَ صكَّ انتصارٍ لهذا المحورِ، ليس على العدوِّ الغاشِم، بل على لبنان.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل