.jpg)
هل يمتلك “الحزب” مدافع ميدان وهاوتزر و130 وسواها من المرابض الدقيقة؟. الجواب لا، بل معظم ترسانته هي من الكاتيوشا والراجمات التي يمتلك منها الجيش اللبناني المئات أيضاً.
أما بالنسبة للصواريخ الدقيقة بعيدة المدى التي يمتلكها “الحزب”، ولا نعرف إن كان الجيش يمتلك مثلها أيضاً، فهذه أولاً ليست من “المقاومة” بشيء لأنها ليست أسلحة دفاعية، ولأنها ثانياً أسلحة كلاسيكية تقليدية للجيوش وليس للمقاومات، كما أننا لم نرَ منها إلا القليل القليل في المعركة الأخيرة، وهي عملياً غير فعّالة في طبيعة معارك “المقاومة”، وخصوصاً في ظل أنظمة الدفاع والقبة الحديدية وأنظمة التشويش الإلكترونية.
هل يمتلك “الحزب” مئات الضباط الاختصاصيين في سلاح الهندسة والمدفعية والبر والبحر والاتصالات والإدارة وغيرها، ممّن خضعوا لعشرات الدورات في أرقى المعاهد العسكرية حول العالم، في أميركا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا وسواها؟. الجواب لا، بل جلّ ما لديه هو عشرات الضبّاط الذين تدرّبوا لدى الحرس الثوري الإيراني الذي لا يرقى مستواه إلى مستوى تلك المعاهد والدول، وقد سقط معظم هؤلاء في المعارك الأخيرة ولم يعودوا موجودين أصلاً اليوم.
هل ينفرد “الحزب” بتكتيكات حرب العصابات عن سواه؟. الجواب أيضاً لا، لأن الجيش سبق أن حارب في نهر البارد لأشهرٍ طويلة وتعرّف على تلك الأساليب، ثم إن حرب العصابات التي يتفاخر بها “الحزب” لم تعد تنفعه بالشيء الكثير تجاه إسرائيل، خصوصاً بعدما تمرسّ الجيش الإسرائيلي فيها طيلة 13 شهراً من القتال في غزّة، مُطّلعاً على كل تكتيكات وتقنيات وأساليب حركة ح، التي هي مجرد نسخة عن تكتيكات “الحزب”، كون العقل العسكري المدبّر والمُسيّر والمنظّم هو واحد.
هل يعمل “الحزب” بموجب المواثيق والأعراف الدولية واتفاقيات جنيف وشرعة حقوق الإنسان، وخصوصاً بالنسبة للأسرى والجرحى وقواعد الحرب والمدنيين؟. الجواب لا، بينما الجيش يعمل تحت سقفها، وهذا ما يمنحه مصداقية ومشروعية إنسانية ودولية وأخلاقية، ويفرض بالمقابل على عدّوه، إذا كان موقّعاً على تلك المواثيق والاتفاقيات، أن يتعامل معه بالمثل، أقلّه بالحد الأدنى، تحت طائلة تعرّضه للانتقادات والضغوط الدولية ومنظمات حقوق الإنسان وصولاً حتى إلى المحاكم الدولية.
هل يحظى “الحزب” بمشروعية لبنانية وعربية ودولية؟. الجواب لا، بل هو مصنّف كمنظمة إرهابية عالمية، وليس كمقاومة لبنانية، وتالياً تتراجع في هذه الحالة الرقابة الدولية والحقوقية والإنسانية والإعلامية على عمل الجيش الإسرائيلي ضدّه.
ثم، ما هي هذه “المقاومة” التي تفتح الحروب الشرق أوسطية، لكن لا أحد يقبل في كل الشرق الأوسط والعالم بالتحدث إليها لوقف تلك الحروب، لذلك تُفوّض وسيطاً لبنانياً للتفاوض مع وسيط دولي يتفاوض مع وسيط إسرائيلي، فلا نعرف الكلمة التي تنطلق مع إسرائيل كيف تصل إلى الضاحية وبالعكس؟.
بينما يحظى الجيش اللبناني بالمشروعية اللبنانية والعربية والدولية والحقوقية، ولا يمكن لإسرائيل أو لأي جيش في العالم التعاطي معه كما يتعاطى مع منظمةٍ مصنَّفة إرهابية، حتى لو كان في حالة الحرب معه، خصوصاً أن هذا الجيش بالنهاية هو تحت رعاية القانون اللبناني، والعالم الحر، والعالم العربي. أي أن الولايات المتحدة التي تقدِّم لهذا الجيش مساعدات بمليارات الدولارات، لا تقبل من حيث المبدأ أن يتعرّض الجيش الإسرائيلي له بالشكل الذي يتعرض فيه للحزب، حتى لو أنها لم تقدّم له الأسلحة المتطورة التي تقدمها لإسرائيل، لأن الذي يحمي لبنان منذ يوم يومه، وخصوصاً تجاه الدول الأقوى منه عسكرياً واقتصادياً وديموغرافياً واستراتيجياً، ليس صاروخاً متطوراً بالناقص أو بالزائد، ولا هي المعارك التدميرية غير المتكافئة، بل شبكة الحماية والعلاقات العربية والدولية معطوفٌ عليها التزام لبنان بالشرعية الدولية والقرارات ذات الصلة.
وللتذكير، فإن تعداد الجيش اإاسرائيلي هو 600 ألف عنصر، أي خمسة أضعاف عديد الجيش اللبناني، وميزانية الدفاع في إسرائيل تفوق ميزانية الجيش في لبنان بمئات المرات، والأسطول الجوي الإسرائيلي لا يتفوّق فقط على الجيش اللبناني، بل ربما على فرنسا، ومصر وكل الدول العربية مجتمعة. فما هو هذا السلاح المتطور الكاسر للتوازن بالضبط الذي ينتظره حزب الممانعة من الدول الغربية لتسليح الجيش به وجعله يربح على إسرائيل بالحرب المباشرة، خصوصاً أن “الحزب” لم يسلِّم سلاحه بعد، وما يزال يقبض على مفاصل كثيرة في الدولة اللبنانية؟.
هل يُفترض بالدول الغربية مثلاً أن تعمل على جعل عديد الجيش اللبناني 600 ألف عنصر، وأن تملأ المخازن والطرقات بصواريخ أرض جو، والطائرات المتطورة، ومنصات الباتريوت و”مقلاع غوليات” لا داوود، حتى يكون الجيش اللبناني مؤهلاً بالنسبة لحزب الممانعة للدفاع عن لبنان، تحت طائلة بقاء الكاتيوشا والفوضى والحفرة وبنادق القنص معه؟.
إذا كانت “المقاومة” بكل عنجهيتها ومكابرتها وعمليات تسلّحها طيلة 40 سنة لم تستطع التصدي للجيش الإسرائيلي وتمنع احتلاله لعشرات القرى اليوم، فما هي الأسلحة المطلوب من الجيش امتلاكها أكثر من ذلك بعد لمنع إسرائيل من اجتياح لبنان إذا كان القيادة الإسرائيلية مُتخذّة هكذا قرار؟. السلاح الوحيد هو سلاح ضبط الحدود وتطبيق القرارات الدولية وتطبيق القانون اللبناني، والاستظلال بقرارات الشرعية الدولية.
ماذا تستطيع أن تفعل إيران بحد ذاتها في هذه الحالة، وهي التي تمتلك ترسانة عسكرية أكبر من الجيش اللبناني بآلاف المرات، سوى ترجّي أميركا وإرسال المراسيل لها لتهدئة اللعبة العسكرية مع إسرائيل؟. هل استطاعت إيران بكل صواريخها وعديدها وعتادها من ردع إسرائيل عن انتهاك أجوائها وضرب منشآتها العسكرية أخيراً؟.
ماذا فعلت كل صواريخ إيران وعمليات تسليحها لحزبها في لبنان سوى أنها استجلبت الدمار والانهيارات وتشريد الناس، قبل أن يعود كل هؤلاء اليوم إلى نغمة تطبيق القرار 1701، وترك كل هذه الأسلحة معه إلى ما وراء الليطاني، بعيداً عن إسرائيل، كما يتمنّون ويراهنون؟… أي أنهم قاموا بدورةٍ عسكريةٍ فاشلة كاملة، ثم عادوا أخيراً إلى الدبلوماسية والشرعية العربية والدولية وإلى الجيش اللبناني للقيام بواجب المقاومة!!.
ثم هل استخدم الجيش اللبناني سلاحه ضد المناطق اللبنانية مثلما حدث في 7 أيار و11 أيار وفي عين الرمانة وخلدة وغيرها؟. هل استخدم الجيش أجهزته الأمنية لتنفيذ عمليات اغتيال لسياسيين وإعلاميين وحزبيين؟، فسلاح الجيش هو سلاح الشرف والتضحية والوفاء، بينما سلاح “الحزب” فعل العكس تماماً، وللبحث صلة.
الجيش اللبناني ليس ضعيفاً أبداً، خصوصاً بمواجهة إسرائيل، ولبنان ليس دولةً عسكرية أصلاً في أساس وجوده، والمجتمع اللبناني لم يكن يوماً مجتمع حرب وموت وجهاد كما أراده نصرالله، بل هو مجتمع مسالم منفتح متعايش، يحمي نفسه وبلده من خلال ضبط حدوده وأمنه وقوانينه وعدم اعتدائه على أحد، ومن خلال حياده الإيجابي بعيداً عن سياسة المحاور.
ليست مشكلة لبنان إذا كانت قوته الحقيقية قائمة على مفهوم سويسرا الشرق، بل مشكلة “الحزب” هي في أنه قائم على مفهوم “كوريا الشمالية” ويحاول تطبيقه بالقوة على لبنان وبعكس طبيعته الأساسية، والنتيجة لذلك كانت الدمار الشامل.
في الختام، لو أن كل نظريات “المقاومة” واستراتيجياتها العسكرية وشعاراتها، منذ اتفاق الطائف، والتي على أساسها تذّرعت للاحتفاظ بسلاحها، نجحت على أرض الواقع في الحرب الأخيرة، لما كانت هذه المقارنة تصّح الآن، فآلية عمل المقاومة تختلف عن آلية عمل الجيش النظامي من حيث المبدأ. غير أن كل تلك الاستراتيجيات أخفقت وجلبت الدمار والاحتلال للبنان، لا بل “المقاومة” بذاتها لم تعد مقاومة تعمل في السرّ، بل أصبحت جيشاً شبه نظامي على أرض لبنان، تمتلك المؤسسات، وتقوم بالاستعراضات، وتتعاطى في السياسة والإعلام وتُعطِّل البرلمان وتبتزّ اللبنانيين وتُعيق عمل القضاء…
وما دامت “المقاومة” أصبحت جيشاً غير شرعي على أرض لبنان، من دون أن يحمي لبنان أصلاً بل استجلب له كل المآسي والولايات، فالأجدر إذاً العودة إلى مفهوم الجيش اللبناني الشرعي وحده، حتى يأخذ دور المقاومة الحقيقية الفعلية اللبنانية في حماية الأرض والشعب والسيادة والحريات.
