صحيفة النهار- نبيل بومنصف
لم تعد مفاجأة حربية من العيار الثقيل كذاك الاشتعال المباغت المتجدد للحرب في سوريا، من غرائب هذه البقعة من الشرق الأوسط المصابة بلعنة أو بعدوى جنون الحروب، ويُفترض باللبنانيين أن يصيروا أكثر “أقوام” العرب واقعية في النظرة إلى واقع إقليمي زلزالي لا نهاية له. “حبكت” عبقرية “مخطط” استراتيجي ما، دولة كانت أو جهة أو تحالفاً، عند توقيت إعادة إشعال اللهيب السوري الحربي الخامد منذ سنوات في لحظة بداية هدنة “غريبة” وغير مستقرة ومشكوك في ديمومتها في لبنان، فإذا بنا تكراراً أمام استعادة لإيحاءات سرت شعاراتها في الحقبة الأولى لاشتعال الحرب السورية يوم نظر اللبنانيون إليها كنتيجة مستأخرة لعبث النظام السوري طويلاً بمصير لبنان وما رتّبه عليه من أثمان خارجية وداخلية مدمرة. ربطت آنذاك جذور الحرب الأهلية السورية وتدخلات الدول فيها بالاستهانة الطويلة لنظام الأسد الأب وبعده الأسد الابن برمال لبنان المتحركة من خلال الوصاية السورية عليه وعدم تقدير قدرة “القطر الشقيق” بتركيبته الفريدة على إذابة أكبر الغطرسات السلطوية التي تمادى عبرها تسلط الوصاية السورية على لبنان. وليست “المصادفة” نفسها ووحدها تعود الآن مع اشتعال جحيم الحرب السورية في اليوم نفسه الذي بدأ فيه سريان وقف النار في لبنان، بل هي المعادلة الأشد ضراوة في مصائر دول الصراعات في المنطقة التي اشتعلت في غزة وبعدها في لبنان والآن في سوريا والحبل على الغارب.
ويمكن القول إن هذا “الدومينو” الحربي استولدته بقوة استثنائية تلك المعادلة التي أطلقتها إيران عبر أذرعتها الأساسية ولا سيما منها “الحزب” على المنطقة من خلال “وحدة الساحات” التي أدّت عملياً وواقعياً إلى ترجمة نزعة الهيمنة الإيرانية بإسقاط الدول الخاضعة لنفوذها لمصلحة اللادولة الفوضوية تحت شعارات “الممانعة”. قدمت التجربة اللبنانية الكارثية في الحرب الإسرائيلية الأخيرة على “الحزب” ومعظم مناطق لبنان، الخلاصة الحقيقية لما استولدته “وحدة الساحات” عبر استسقاء أشرس طبعات العدوانية الإسرائيلية أسوة بالتجربة الغزاوية. ومع اختلاف التركيبة الكيميائية المخيفة التي تحرق سوريا الآن، يمكن النظر إلى تجدد اللهيب هناك بأنه تمدّد لـ”وحدة الحروب” في قوس الأزمات الممتد من غزة إلى اليمن وما بينهما من دول تجمعها “وحدة الحروب” فقط وتتشارك في كوارث الانهيارات وإعادة رسم الخرائط على أنقاض مصائر بائسة متخلفة لشعوبها.
نتلهّى بعد الحرب الساحقة في لبنان بالتساؤل عن اليوم التالي للبنان فيما لا نملك بعد، في ظل هدنة تتقلب على نار الانتهاكات والتفسيرات والاجتهادات والثرثرة الداخلية، أن نرسم خطاً بيانياً ليومنا الراهن وحده لأن “المؤمن لا يُلدغ من جحر مرتين” فكيف بعشرات المرات. وحال المنطقة لا تقل خطورة في الهرولة السريعة نحو فوضى عارمة قد نشهد فيها، بدءاً من لبنان وسوريا وربما لاحقاً العراق، فكفكفة نفوذات وصعود ظواهر الأصولية الإسلامية على أنقاضها مجدداً كما في حرب الشمال السوري. وما لم يقف مدّ وحدة الساحات فلا مردّ لوحدة الحروب ولا لكل ترّهات الممانعة وسواها من شعارات استظلت لعقود قضايا شعوب هذه المنطقة واستدرجت إليها كل تدخلات الدول التي تزعم محاربتها. وليس أمراً عابراً أن يشهد تاريخ لبنان مع النكبات والحروب والسقطات زلازل بإزائها في المنطقة، كأن الدومينو الذي يسقطه في كل تجربة ينكشف بكل تركيبته في اليوم التالي لاستنفاد الوطن الصغير بعد تدميره مراراً وتكراراً…!
